البرهان “بطل قومي”

(كلّما زيّفوا بطلاً. قلتُ قلبي على وطني). الفيتوري.

تعلو أصوات، هذه الأيام، لكتّاب ونشطاء سودانيين، في الشاشات والصحف الإلكترونية ومنصات التواصل، لتصوير قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، على أنه “البطل القومي” و”محرر الوطن من الدعم السريع”، في محاولة يائسة لتلميع صورة الجنرال وغسل يديه من اشتراكه في ما حاق بالبلد من دمار.
سباق محموم إلى سرد أكاذيب، تجعل الصدق ساخراً، في قلب الخرطوم وبورتسودان، وفي قاع دارفور والجنينة، وفي صمت البيوت المهدمة. لأن الأرض تعرف الحقيقة. والدماء التي سالت تعرف من مدّ اليد ومن فتح الباب.
هذا الخطاب الدعائي، الذي يستعجل صناعة الأسطورة، يتجاهل حقائق دامغة عن العلاقة المركّبة بين البرهان والمليشيا، فهو لم يكن يوماً جداراً يمنع الوحش، بل كان، في لحظة مفصلية من التاريخ، الراعي الذي سمح له بأن ينمو ويتغذّى ويتحول إلى غول يبتلع المدن والقرى.

لنعد إلى الوراء قليلاً: في 11 أبريل 2019، أطاح الثوّار بنظام الطاغية البشير بعد أشهر من احتجاجات عارمة. جلس البرهان على كرسي المجلس العسكري الانتقالي. لم تكن تلك لحظة مجد، بل لحظةَ انكسارِ توازن. الجيش الذي كان يقود اللعبة منفرداً وجد نفسه مضطراً لتقاسمها مع حكومة حمدوك. والدعم السريع، الذي كان بالأمس أداة في يد البشير، أصبح شريكاً في المعادلة ولاعباً لا غنى عنه.
كان البشير، رغم اعتماده على المليشيا في قتل السودانيين وإذلالهم، حريصاً على إبقائها تحت سقفه. لم يكن مسموحاً لها بالتحرك في الداخل أو الخارج إلا بإذنه، ولم يكن توسعها الاقتصادي يتم دون موافقته.
لكن المشهد تبدّل في زمن البرهان الذي أزال تبعيتها إلى الجيش، وبدأت التسهيلات تتدفق، وفُتحت أمامها أبواب كانت مغلقة في السابق: دفعات جديدة من المجنّدين، معسكرات تدريب موسّعة، مخازن أسلحة تُفتح على غير العادة، تدفقات مالية مباشرة وغير مباشرة، وميزانيات تُصرف بلا أسئلة.

وهكذا، في هدوء الليل، تحوّلت “الدعم السريع” من ذراع مسلحة محدودة، إلى قوة شبه متوازية مع الجيش، تملك مواردها ورجالها وشرعيتها الجزئية. تضخّم جسدها الذي كان يفترض أن يبقى في الظل.
تمدّدت في ثلاثة مسارات رئيسية: عسكرياً، بالاستحواذ على مناطق استراتيجية في دارفور والخرطوم وأطراف الحدود، وتدخلت في نزاعات داخلية وإقليمية، من دارفور إلى ليبيا وتشاد واليمن، وتوسّعت اقتصادياً بالسيطرة المباشرة على مناجم الذهب، وأسست شركات تجارية وفّرت لها دخلاً مالياً ثابتاً ومستقلاً نسبياً عن الدولة.

ثم اندلعت الحرب بين حليفَي الرعب السابقَين، في أبريل 2023، وبقية قصتها معروفة، بمشاهدها المرعبة وانتهاكاتها المخزية وأسئلتها المؤلمة، وأجاباتها التي لا تُبث على الشاشات. فالإجرام حين يُترك حراً، يتحول إلى دولة.
لذلك يتدافع هؤلاء الكُتّاب إلى حياكة مسرحية “البطل القومي”. يريدون صُنعه لا لأنه صَنَع مجداً، بل لأن الخراب الذي رعاه صار أكبر من احتماله. والاجابات، التي يحاولون القفز عليها بسرديات مضحكة، واضحة: كان البرهان جزءاً أساسياً من معادلة التمكين، سواء بحكم التوازنات الداخلية التي فرضت شراكته مع حميدتي، أو بسبب تراخي الدولة وقصديتها، في عدم ضبط نمو المليشيا.

الآن تنكشف المأساة الفلسفية العميقة: تمنح السلطة خصمها شرعية وحركةً ومالاً، ثم تأتي بعد سنوات لتعلن أنها تحاربه باسم الوطن. الوطن الذي دفع الثمن، من دماء أبنائه وخراب مدنه وانقسام جغرافيته.

الوطن لا يحتاج إلى “بطلٍ قومي” يُصنع في معامل الدعاية، بل إلى ذاكرة لا تُمحى، تحفظ وجوه الضحايا وأسماء المدن المهدّمة، وتفضح من زرعَ بذور الخراب ثم ادّعى البطولة حين اشتعلت النار.
المأساة ليست فقط في حربٍ تلتهم الخرطوم ودارفور والجنينة وكردفان، بل في خيانة الفكرة نفسها: فكرة الدولة التي تلد المليشيا ثم تئن من سكاكينها. إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس رصاص الدعم السريع وحده، ولا خطابات البرهان الاستعراضية، بل ذلك العمى الجمعي الذي يحاول تحويل الجلاد إلى منقذ، والكارثة إلى ملحمة.
الحقيقة، مهما غُطيت بالضجيج، ستبقى مثل جرح مفتوح: تُذكّر أن الخراب لم يكن قدراً سماوياً، بل صناعة بشرية بأيدٍ معروفة وقراراتٍ موثقة. والسودان، إذا أراد أن ينهض من رماده، عليه أن يواجه الحقيقة كاملة: لا بطولة في الخراب، ولا خلاص من دون محاسبة.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …