البرهان بين العواصم… دوران في الفراغ

تتحرك خطى الفريق البرهان بين العواصم، وكأنها تستنجد بالخارج لتعويض خواء الداخل، فيما تضيق عليه أزمة خانقة تلف حبلها على رقبته بشكل شخصي.
من الرياض إلى القاهرة، ومن أنقرة إلى محطات أخرى مقبلة، تتكرر الرحلة وتتبدل الصور، فيما يبقى الجوهر على حاله: حرب بلا أفق، وسلطة بلا سند فعلي، ودولة تتآكل تحت وطأة الانقسام والعجز.
يبدو المشهد أقرب إلى دوران في فراغ سياسي. زيارات متلاحقة، صور بروتوكولية، بيانات دافئة، ثم عودة إلى بورتسودان من دون أثر ملموس على ميزان القوى أو على مأساة الناس التي تتسع يوماً بعد يوم.

لم يعد مستبعداً أن يختلط الأمر على المتابع؛ بين جدول الزيارات الرسمية وبرنامج شركة طيران موسمية، فالإقلاع متواصل والهبوط متكرر، بينما الوجهة السياسية النهائية ما زالت غامضة. كأن البرهان يدير وكالة أسفار إقليمية، تُجيد تنظيم الرحلات وتفشل في حجز مخرج من الأزمة.

في هذا السياق، يتحول السفر من أداة دبلوماسية إلى طقس رمزي، ومن محاولة للحشد إلى أسلوب لتأجيل الاعتراف بحقيقة مقلقة: الجيش يخسر المبادرة، والبلاد تنزلق أكثر نحو المجهول.
ما يُراد لهذه الجولات أن تقوله هو أن الرجل ما زال ممسكاً بخيوط اللعبة، وأن ظهوره المتكرر إلى جانب قادة عواصم إقليمية وازنة؛ يمنحه شرعية مستعارة، ويخفف من وقع عزلته السياسية التي تتسع في الداخل.

غير أن الواقع أكثر قسوة. فالعواصم التي تستقبله لا تمنحه شيكاً على بياض، ولا تذهب أبعد من المجاملات البروتوكولية المعتادة. ما يُقال في القاعات المغلقة لا يترجم إلى دعم ميداني أو مواقف حاسمة تغيّر موازين القوى. وما يُعلن في البيانات لا يتجاوز عبارات الحرص على الاستقرار ووحدة الدولة.

الرياض، التي تُستدعى كثيراً في حسابات البرهان، تنظر إلى السودان من زاوية الدولة الممكنة لا من زاوية الرجل القائم على رأسها. القاهرة تتعامل مع المؤسسة العسكرية باعتبارها ركناً من أركان الكيان السوداني، لا باعتبارها امتداداً لشخص أو واجهة لمشروع سياسي. أما أنقرة، التي يُعلّق عليها بعض الإسلاميين آمالاً مؤجلة، فهي أكثر حذراً مما يُتصوَّر، حيث تقرأ المشهد ببرود استراتيجي، وتعرف أن الانزلاق إلى المستنقع السوداني قد يبدد ما راكمته من مصالح إقليمية، عقب المصالحة مع مصر والسعودية.

المفارقة أن البرهان، وهو يجوب العواصم، لا يملك ما يقدمه بالمقابل ويغري به أحداً كي يغامر معه. الأرض ليست تحت سيطرته الكاملة، والقرار منقسم، والواقع العسكري يتبدل بسرعة لا تسمح بعقود استراتيجية أو وعود طويلة الأمد. حتى ورقة الموانئ والقواعد العسكرية، التي طالما جرى التلويح بها كورقة ضغط، تبدو اليوم بلا وزن فعلي، في ظل غياب القدرة على الضمان والحماية. تبدو أقرب إلى عرض نظري في سوق لا يثق بالبائع.

تتراكم الرحلات فيما تتآكل الدولة، ويتسع الشرخ بين القيادة والشارع، ويتحوّل السفر من أداة دبلوماسية إلى غاية قائمة بذاتها، كأن الحركة باتت بديلاً عن الفعل، وكأن الانتقال الدائم يعوّض عجز القرار. في هذا المشهد، يبهت المعنى وتضيع البوصلة، بينما تتضاعف كلفة الحرب على مجتمع أنهكته الخسارات.

تترسخ القناعة، شيئاً فشيئاً، بأن الأزمة السودانية لا تُدار من الخارج، وأن طريق الخروج منها لا يمر عبر صالات كبار الزوار، بل عبر شجاعة الاعتراف وحدود القوة، وتفتح الباب أمام تسوية سياسية حقيقية. هناك فقط، حيث تنتهي أوهام الحركة وتبدأ مسؤولية الاختيار، يمكن أن يُغلق باب الدوران وتُستعاد إمكانية النجاة.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …