البرهان يختبر ولادة ثانية لـ”تحالف الموز”

نزار عثمان السمندل

خطى المشهد السوداني تتقدم مثقلة، في مساحات تتراكم فيها طبقات من العنف والتجويع والإذلال، وفي محيط ذاكرة دولة أنهكها التكرار وهيمنة العصابات.
ثلاث سنوات من النزاع لم تترك مجالاً للحياد، إذ أعادت تشكيل المجتمع على إيقاع الخوف، ودفعت السياسة إلى الهامش لتبحث عن معنى لوجودها تحت ظلال البنادق.
في هذا المناخ، يتحرك الجيش بحثاً عن غطاء يعيد ترميم صورته التي تصدعت منذ انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر. الحراك الجاري لا يوحي بمحاولة مراجعة بقدر ما يعكس سعياً لإعادة ترتيب المسرح، عبر استدعاء قوى وتشكيلات تحمل أسماء الثورة، بينما تتكئ عملياً على رواية العسكر.
يتقدم ما يُسمى بتحالفات “الوفاق الوطني” و”وطن” بوصفها وجوهاً جديدة، غير أن الإطار الذي تتحرك داخله قديم، يستعيد تجربة “تحالف الموز” بصيغة محدثة، مع اختلاف في الأسماء وثبات في الوظيفة.
تصريحات عبدالفتاح البرهان حول الترحيب بعودة السياسيين الذين “اختاروا طريق الحق” تكشف عن معيار انتقائي يعيد تعريف المجال السياسي وفق ميزان الولاء. اللغة هنا ليست محايدة، فهي تؤسس لفرز أخلاقي يُقصي خصوماً ويمنح صكوك قبول لمن يقترب من المؤسسة العسكرية.
في هذا الإطار يتحول الحوار إلى أداة ضبط، لا مساحة تفاوض، ويغدو التوافق مفهوماً مشروطاً بمقدار الانخراط في رؤية الجيش للمرحلة الانتقالية.
اللقاءات التي جمعت قيادة الجيش بوفود “التوافق الوطني” تعكس محاولة بناء كتلة مدنية واسعة، غير أن هذه الكتلة تبدو أقرب إلى تركيب سياسي مُدار من أعلى، أكثر من كونها تعبيراً عن ديناميات اجتماعية حقيقية.
الحضور المتكرر لأسماء ارتبطت بمراحل سابقة من التحالف مع السلطة يعزز الانطباع بأن ما يجري هو إعادة تدوير للنخب، ضمن صيغة تمنح الشرعية لمنحها، وتطلبها في آن واحد.
تحالف “وطن”، الذي يقدّم نفسه كمبادرة لإنهاء الحرب عبر الحوار، يتحرك في فضاء مزدوج؛ خطاب يدعو إلى معالجة جذور الأزمة، وممارسة تنخرط في اصطفاف سياسي منحاز. الزيارات الخارجية والرهان على المسارات الدبلوماسية يمنحانه بعداً حركياً، إلا أن قدرته على إنتاج مشروع وطني مستقل تظل رهينة المسافة التي يستطيع أن يضعها بينه وبين المؤسسة العسكرية.
جوهر الخطة التي تتكشف تدريجياً يقوم على صناعة بديل سياسي يواجه الكيانات الموجودة خارج البلاد، خصوصاً “تحالف صمود” الذي يقوده عبدالله حمدوك. اشتراط العودة إلى الداخل كمدخل للحوار يختزل السياسة في الجغرافيا، ويعيد تعريف الوطنية على أنها إقامة مادية، متجاهلاً أن المنفى في الحالة السودانية امتداد قسري للحرب، لا خياراً سياسياً حراً. بذلك يسعى الجيش إلى سحب صفة التمثيل الثوري من خصومه، ودفعهم إلى زاوية الارتهان، بينما يمنح حلفاءه الجدد صفة الأصالة.
السؤال الذي يفرض نفسه يتجاوز تكتيك اللحظة إلى بنية التفكير السياسي لدى المكون العسكري. الإصرار على خلق واجهات بديلة بدلاً من الانخراط في حوار مباشر مع قوى مدنية لم تحمل السلاح يكشف عن رغبة في التحكم بمخرجات العملية السياسية مسبقاً. الحوار المباشر يحمل مخاطر التنازل، بينما الحوار عبر وسطاء مُنتقين يضمن نتائج قابلة للإدارة.
يتحول الصراع، في هذه المرحلة، إلى نزاع على تعريف الثورة نفسها. من يملك حق تمثيلها؟ من يحدد اتجاهها؟ التحالفات الجديدة تقدم إجابة مفادها أن الثورة يمكن أن تتعايش مع وصاية عسكرية مؤقتة تتحول تدريجياً إلى قاعدة دائمة. في المقابل، تتمسك قوى أخرى برؤية تجعل من المدنية شرطاً لا يقبل التأجيل، وترى في هذه الترتيبات إعادة إنتاج للانقلاب بأدوات سياسية.
المفارقة أن كل هذا الحراك يجري بينما الحرب مستمرة، كأن السياسة قررت أن تتقدم على جثث المعارك دون أن توقفها. الأصوات التي تطالب بوقف القتال تبدو معزولة داخل ضجيج المبادرات، ما يمنح الانطباع بأن الهدف ليس إنهاء النزاع بقدر ما هو إعادة تنظيم السلطة في ظله.
خطة إعادة إنتاج “تحالف الموز” تتبلور كجزء من محاولة أوسع لإعادة هندسة المجال السياسي السوداني، حيث تُستدعى مفردات الثورة لتأدية وظيفة مضادة لروحها.
مشهد يختبر قدرة السودانيين على التمييز بين خطاب يستعير اللغة، ومشروع يعيد كتابة المعنى.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

على أعتاب الدولة المدنية (1 ـ 4)

على أعتاب الدولة المدنية (1 ـ 4)ما بعد الإسلام السياسي: نافذة للتاريخ فُتحت أخيراًنزار عثمان …