البرهان يراوغ الرماد

يمشي الفريق البرهان فوق حقلٍ من الرماد ويظنّه أرضاً صلبة. يرفع رأسه نحو سماء تتبدّل ألوانها كإشارة صامتة إلى أن الزمن لم يعد حليفاً، وأن كل خطوة فوق الهشيم قد تتحوّل في أية لحظة إلى انهيار.
دائرة الحرب تتّسع، وهامش المناورة يتقلّص، فيما تتقدّم الرباعية بورقة أقرب إلى اختبارٍ أخلاقي منها إلى مبادرة سياسية؛ ورقة تقول إن السودان لم يعد يحتمل مزيداً من الدم، وإن قادته لم يعودوا يملكون ترف الهروب.

ومع ذلك، يواصل البرهان اللعب بين الشروط والمهارب: يقدّم إشارة قبول في الصباح، ويشدّ خيوط الحرب في المساء، كمن يفاوض الزمن لا خصومه. العالم يراقب نبض الخرطوم، والساعة تدقّ بصوت أعلى من خطاب الجنرال، فيما تتقدّم البلاد في ممرّ ضيّق تتقابل فيه نارٌ تتمدد وخريطةُ طريق تخشى السقوط قبل الوصول إلى الطاولة.

يقف السودان اليوم على حافة سردية دامية تُكتب فصولها بدمٍ كثير وصمتٍ دولي لا يملأ الفراغ. الفصول تتلاحق، والرباعية تمدّ للبرهان ورقة تُوقف النزيف، فيما يقرأ الجنرال الخراب من ثقوب البندقية، كأن الحرب قدرٌ لا يُراجع، وكأن الأوطان تُستعاد من الركام لا من السلام.

الدولة، من بورتسودان إلى آخر نقطة يابسة، تبدو هيكلًا ثقيلًا بلا صوت موحّد، أشبه بجسد فقد ملامحه ويبحث عن قلبٍ يعيد إليه نبضه. وفي خارج الأسوار، تُلوّح الولايات المتحدة بملف السلاح الكيميائي، كمن يضع إصبعه على جرحٍ يعرف أنه سينفجر. فاتهام من هذا النوع ليس بيانًا عابرًا، بل إنذارٌ سيادي يختبر قدرة السلطة على مواجهة العالم ويقيس حجم اليقين المتبقي لدى حلفائها.

الرباعية تقترح خريطة طريق تُشبه وصية أخيرة قبل سقوط السقف على الجميع: هدنة بثلاثة أشهر، انتقال بتسعة، وجيشٌ واحد يُفترض أن يُغلق بوابات الخراب المفتوحة منذ 15 أبريل. لكنّ البرهان يحدّق في الورقة كمن يبحث فيها عن نصّ يخدم معركته لا عن تسوية تنقذ وطنه. يتحدث عن العودة إلى إعلان جدة، وهو يعلم أن الإعلان بلا بنود عسكرية، ولا خريطة للميادين، ولا جواب عن الدم الذي سال في المدن كطميٍ مسموم.

العالم يضبط توقيته. كل ساعة بلا قبول واضح بالمبادرة تعني اقتراب ملفات أكثر قسوة: عقوبات تطرق أبواب الضباط، قوائم إرهاب تقترب من جماعات حليفة للجيش، وتحقيق دولي حول السلاح المحرّم. ومع كل ورقة تُفتح، ينكمش هامش المناورة حتى يصبح أضيق من نافذة في بيت محترق.

في الداخل، ترتجّ الأرض تحت أقدام ملايين الخائفين. تتشكل جبهة جديدة ضد سلطة بورتسودان؛ جبهة تشبه صرخة في ليل بلا نجوم. كثيرون أدركوا أن استمرار الحرب يعني تفتت البلاد إلى مجموعات متوحشة، وأن الجيش يواجه اليوم اختباراً أخلاقياً قبل أن يواجه اختبار القوة.

المليشيا بدورها تحاول الظهور بثوب «المستعد للهدنة»؛ خطوة محسوبة لترك انطباع سياسي أكثر مما تترك أثراً ميدانياً. لكنها تكفي لجرّ الضوء نحو النقطة الأضعف: قيادة عسكرية ترفع سقف الشروط يوماً، وتلوّح بالقبول في اليوم التالي، ثم تهرب إلى مجلس الأمن والدفاع بحثاً عن غطاء.

تبدو البلاد كمن يسير في ممرّ ضيّق بين ظلّ حربٍ لا تنتهي وخريطة سلامٍ بعيدة. وإذا واصل البرهان رهان الوقت، فقد يستيقظ على انهيار معسكرات، واهتزاز شرعية، وتمدّد نارٍ في جهات لا يملك إطفاءها.
السودان اليوم أشبه بحكاية كبرى كُتبت نصفها، فيما يُترك النصف الآخر للقيادة كي تختار: توقيع يوقف النزيف… أم هروب يترك الخرائط تتكلم بدل الجنرالات.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

إيران في ساعة الخلافة… ثقل الإرث وقلق المستقبل

نزار عثمان السمندل صباح السبت الثامن والعشرين من فبراير 2026 لا يشبه ما سبقه في …