عبدالغني بريش فيوف
لم يكن اختيارنا لهذا العنوان، عشوائيا أو مجرد محاولة عابرة لاصطياد العواطف في بحر المآسي الذي يغرق فيه السودان، بل هو استنتاج حتمي ونتيجة منطقية لقراءة متأنية ومؤلمة لواقع الحال المتردي.
إن القيادات التي تدير شؤون البلاد في هذا الظرف التاريخي المفصلي، سواء كانت قيادات سياسية تتصدر المشهد التنفيذي، أو قيادات عسكرية تمسك بزمام الميدان والعمليات، أو حتى تلك الكيانات المتحالفة معها، أثبتت وبالدليل القاطع والتجربة المريرة المعمدة بالدماء، أنها لا تستحق أن تكون في هذا المكان.
لقد سقطت هذه الطغمة القيادية في امتحان التاريخ بقسوة، وفشلت فشلا ذريعا ومفضحا في إدارة أزمة البلاد سياسيا وعسكريا، تاركةً الوطن بأكمله ينزف من الوريد إلى الوريد في غفلة من ضمير المسؤولية.
إن القيادة، في معناها العميق عزيزي القارئ، ليست مجرد موقع أو سلطة، بل هي مسؤولية أخلاقية وتاريخية تتطلب وضوح الرؤية، وحسن التقدير، والقدرة على اتخاذ قرارات صعبة في أوقات أكثر صعوبة، غير أن ما نشهده في السودان اليوم هو صورة معاكسة تماما، حيث تتقدم إلى الواجهة قيادات عاجزة عن إدارة الأزمة، ومفتقرة إلى الحد الأدنى من التماسك في خطابها السياسي، فضلا عن افتقارها إلى القدرة على بناء مشروع وطني جامع.
لقد أصبح الأداء السياسي مرتبكا إلى درجة يصعب معها تمييز الاتجاه الذي تسير فيه البلاد، وكأن الدولة تُدار بردود الأفعال لا بالفعل المبادر.
العجز السياسي ودبلوماسية الانفصام عن الواقع..
على الصعيد السياسي والدبلوماسي، تعيش القيادة الحالية حالة من الانفصام التام عن متطلبات المرحلة الحرجة، ففي الوقت الذي تتعرض فيه البلاد لغزو ممنهج وحرب وجودية تهدد بقاء الدولة السودانية ومؤسساتها، فشلت هذه القيادات فشلا مدويا في إيصال صوت السودان الحقيقي إلى الخارج.
لقد وقفت الآلة الدبلوماسية الرسمية عاجزة ومشلولة عن شرح طبيعة الصراع وتعقيداته للمجتمع الإقليمي والدولي، ولم تستطع بلورة خطاب إعلامي وسياسي مقنع يفضح انتهاكات الميليشيا المتمردة وجرائمها ضد الإنسانية.
ونتيجة لهذا التقاعس المزري، تُركت الساحة الدبلوماسية فارغة تماما لتسرح وتمرح فيها الآلة الإعلامية المضادة المدعومة إقليميا، مما جعل سردية الدولة السودانية إما غائبة كليا أو مشوشة وضعيفة في أروقة صناعة القرار العالمي، وبدلا من الانكباب على العمل الدبلوماسي الجاد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، استعيض عن ذلك بزيارات خارجية بروتوكولية لا تحمل في طياتها أي ثقل استراتيجي، لتتحول مهام القيادة إلى مجرد سياحة سياسية باهظة التكاليف، في وقت تشتعل فيه النيران في عدد من الولايات السودانية الطرفية.
التعثر العسكري ووهم الانتصارات المجتزأة!!
أما من الناحية العسكرية، فإن المشهد الميداني لا يقل قتامة وبؤسا عن نظيره السياسي، فرغم التضحيات الجسام والبطولات النادرة التي يقدمها صغار الضباط والجنود والمستنفرون من أبناء الشعب، أظهرت القيادة العسكرية العليا عجزا استراتيجيا واضحا في حسم المعركة وتوجيه بوصلة النصر.
إن الحقيقة المرة التي تحاول السلطة الحاكمة تغطيتها بغربال التصريحات الرنانة والوعود الزائفة، هي أن نصف مساحة السودان لا يزال يقبع تحت قبضة ميليشيا الدعم السريع ومرتزقة آل دقلو.
إن الجيوش في عقيدة الأمم تُقاس بقدرتها الفعالة على حماية الأرض وصون العرض، وليس بالتخندق خلف أعذار واهية وتبريرات لا تسمن ولا تغني من جوع.
إن بقاء ملايين المواطنين العزل رهائن تحت رحمة ميليشيا دموية تستبيح الدماء، وتنهب الممتلكات، وتنتهك الأعراض في وضح النهار، هو إدانة تاريخية دامغة لأي قيادة عسكرية تدعي السيطرة وتعد بالانتصار الشامل، فبدلا من أن تُصب كل الجهود، وتُعبأ كل الطاقات العسكرية، والاستخباراتية، واللوجستية لتحرير كل شبر دنسه التمرد، نرى تراخيا عجيبا وتخبطا في إدارة مسرح العمليات، يثير أكثر من علامة استفهام حول جدية هذه القيادات وقدرتها الفعلية على استرداد هيبة وسيادة الدولة.
الرقص فوق جثث الأبرياء وسريالية الاحتفال!
لعل أكثر ما يدمي القلب، ويستفز العقل والوجدان في فصول هذه المأساة الوطنية، هو السلوك المبتذل واللامبالي الذي تنتهجه هذه القيادات، فبدلا من إعلان حالة الحداد العام والتعبئة الشاملة، وتسخير كل قطرة عرق ودم لاسترداد الكرامة المهدورة، طالعتنا مشاهد أقل ما يقال عنها إنها تمثل رقصا صريحا ووقحا فوق جثث الأبرياء، ففي مشهد سريالي يعكس مدى الانحطاط في استشعار المسؤولية الوطنية والأخلاقية، تنتشر مظاهر الفرح الكاذب، والرقص، والغناء المبتذل بمجرد تحرير منطقة أو ولاية محدودة جغرافياً.
لقد رأينا كيف تتمايل الأجساد وتُهز الخصور احتفالا، وكأن السودان بأكمله قد تحرر من دنس الميليشيا وطويت صفحة الحرب إلى الأبد.
يتناسى هؤلاء المحتفلون، في غمرة نشوتهم الزائفة، أن هناك مدنا بأكملها تُغتصب وتُحرق في نفس اللحظة التي يصدحون فيها بالغناء، إذ كيف يسمح مسؤول أو قائد لنفسه بالاحتفال ومشاركة الجماهير في تحريك “المؤخرات” طرباً، بينما لا تزال دماء الشهداء لم تجف في الشوارع، ومئات الآلاف من الحرائر والأطفال يعيشون في رعب النزوح، وقهر اللجوء، ومرارة التشرد؟
إنها مسرحية عبثية تكتمل فصولها البائسة بانفصام تام للمسؤولين عن واقع المواطن المطحون الذي يبحث عن طوق نجاة، لا عن منصة للاحتفال.
الأطراف المنسية واستغلال المعاناة للترويج السياسي!!
تتجلى قمة التناقض والاستهتار في إصرار هذه القيادات السياسية على عقد لقاءات جماهيرية وتجمعات سياسية حاشدة، سواء في الداخل الآمن أو في عواصم الشتات، يتبادلون فيها الخطب الرنانة والشعارات الجوفاء التي أكل عليها الدهر وشرب، في وقت تعيش فيه بقية أقاليم السودان جحيما مستعرا.
إنه لمن المعيب والمخجل حقا أن يجرؤ سياسي أو قائد عسكري على اعتلاء المنابر لحصد مكاسب سياسية رخيصة، أو تلميع صورته الباهتة، بينما الواقع المنظور على الأرض يئن تحت وطأة الموت والدمار.
كيف يتحدثون عن نصرٍ وسياسة، ومدن الوطن محاصرة بحصار خانق يمنع قطرة الدواء وحبة الذرة عن ملايين الأبرياء، وفي ذات اللحظة التي تُلقى فيها هذه الخطابات الاستعراضية، يموت المواطنون العزل بصمت موجع تحت قصف المسيرات العمياء والقصف المدفعي العشوائي الذي يحصد الأرواح بشكل يومي.
إن ولايات كردفان، ودارفور، والنيل الأزرق، تُدك يوميا على رؤوس ساكنيها، وتُترك لمصيرها المجهول وكأنها سقطت عمدا من حسابات هذه القيادة، التي تبدو وكأنها لا ترى من خريطة السودان سوى البقاع التي تضمن فيها بقاءها في كراسي السلطة.
في الختام.. إنَّ ما يمر به السودان اليوم يتجاوز حدود الأزمات السياسية العابرة أو الانتكاسات العسكرية المؤقتة، إنه انزلاق مروع نحو هاوية التفتت الشامل، تقوده بامتياز نخبة أدمنت الفشل وتمرست في صناعة الخيبة والكارثة.
لقد أسقطت هذه الحرب اللعينة كل أوراق التوت عن عورات القيادة الحالية، بشقيها العسكري والسياسي، وكشفت عن خواء استراتيجي مفزع وعجز فاضح عن حماية كيان الدولة وصون كرامة مواطنيها.
إننا أمام طغمة حاكمة تحولت، بوعي أو بجهل، إلى عبء ثقيل يكسر ظهر الوطن، بدلا من أن تكون رافعة لإنقاذه من براثن ميليشيا آل دقلو التي تستبيح الأرض والعرض.
ولعل الخطيئة الكبرى التي ستظل تلاحق هؤلاء الجنرالات والسياسيين في صفحات التاريخ المظلمة، هي تلك الحالة الصارخة من الانفصام الأخلاقي والوجداني عن أنين الشعب، ففي الوقت الذي تُحاصر فيه مدن بأكملها في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، وتُسفك دماء الأبرياء بصمت تحت وابل القصف والمجاعة، تنشغل هذه القيادات بنشوة انتصارات إعلامية وهمية، وتغرق في مسرحيات سريالية من الرقص والاحتفالات المبتذلة على أنقاض المدن المحترقة.
هذا التبلد الحسي، وتلك الدبلوماسية العاجزة التي اكتفت بالسياحة السياسية في عواصم العالم، تاركة سردية السودان فريسة للأبواق المضادة، يؤكدان بما لا يدع مجالا للشك أن هذه العقول المأزومة قد فقدت تماما بوصلة الانتماء الحقيقي لهذا التراب.
إنَّ القيادة التي لا يهزها جوع أطفال شعبها، ولا تستفزها دماء شهدائه لتغيير نهجها العقيم، بل ترقص طربا فوق جراحهم، هي قيادة فقدت شرعيتها الأخلاقية قبل السياسية، وباتت جزءا أصيلا من المشكلة التي تغتال الوطن.
أمام هذا المشهد المأساوي المشبع برائحة الموت والخذلان، يقف السودان في مفترق طرق وجودي حاسم، ولم يعد هناك متسع من الوقت لترقيع المواقف أو تجميل الوجوه الكالحة التي ارتبطت في الذاكرة الجمعية بالهزيمة والانكسار.
إنَّ الاستمرار في الرهان على نفس الأدوات الفاشلة، ونفس العقليات التي تدير مسرح العمليات بردود الأفعال، لن ينتج سوى المزيد من الكوارث، ولن يقود البلاد إلا إلى الانهيار التام الذي لا طائل من بعده.
إن الحل لم يعد يكمن في مناشدة ضمائر ميتة أو انتظار صحوة من لا يملك القدرة على الرؤية، بل في استئصال هذا العجز القيادي من جذوره.
لقد حانت لحظة الحقيقة القاسية التي يجب أن تُقال بملء الفم وبدافع الوطنية الصادقة، إن الخلاص الأوحد للسودان الجريح يكمن في التنحي الفوري والشامل لهذه القيادات الفاقدة للأهلية.
يجب إفساح المجال لجيل جديد من القيادات الوطنية المخلصة والجادة، قيادات ميدانية وسياسية تشعر بنبض الشارع المطحون، وتعرف كيف توجه فوهة البندقية بحزم نحو العدو الحقيقي، وكيف تدير آلة دبلوماسية شرسة تدافع عن حق السودان في الوجود بمحافل العالم.
إن لم يدرك جنرالات التخبط وسياسيو الغفلة هذه الحقيقة ويرحلوا اليوم طواعية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فإن الطوفان الشامل حتما قادم، وحكم التاريخ القادم كفيل بكنسهم بلا رحمة، ليبقى السودان وطنا حرا، شامخا، وعصيا على الانكسار.
bresh2@msn.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم