البشير ومصر: قراءة متأخرة: هل سيغزو السيسي السودان؟ .. بقلم: ابوبكر الرازي
25 ديسمبر, 2014
منشورات غير مصنفة
23 زيارة
دون الرجوع الي الماضي البعيد , فأن ما تشهده مصر اليوم في ظل حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي يمكن وصفه بتحول جذري ونوعي من ألأيديولوجية العروبية التقليدية الي سارت عليها مصر بقوة منذ ثورة عبد الناصر علي الحكم الملكي في عام 1952 وحتي السادات الذي إغتيل في حادثة المنصة وإنتهاء بمبارك الذي اطاحته ثورة 15 يناير الشعبية .
كانت ضربة البداية كما يقال هي الثورة التي شارك فيها اكثر من ثلاثين مليون مصري والتي اطاحت حكم الاخوان المسلمين واتت بالسيسي عبر الجيش الذي زج بقادتهم التاريخيين في السجون فأعاد ذلك مشهد عبد الناصر في خمسينات وستينات القرن الماضي عندما اعدم وسجن قادتهم مسدلا بذلك ستارة نهائية عليهم كحركة سياسية تستغل الدين في مخاطبة البسطاء فأختفوا من علي السطح السياسي وهرب من هرب منهم خارج مصر ,وبقي من بقي في السجون حتي جاء السادات فأفرج عنهم عام 1970و قربهم منه مستخدمهم كورقة ضغط احيانا ضد قومي عبد الناصر,وبقايا اليسار المصري, واحيانا اخري مستفيدا من طرحهم الديني في مخاطبة الناس حتي إنقلب عليهم وحظر تنظيمهم وقرر إرسالهم مرة اخري الي السجون.
من خلفية الستينات يستحضر السيسي روح عبد الناصر ,ويستحضر علمانية دولته من خلال مراجعة شعارات كانت تبشر بالوحدة العربية الي شعارات تبشر بالوحدة الوطنية ” الإنكفاء علي بناء الدولة المصرية ” وإعادة النظر في ثوابت مثل دور الدين في الحكم حيث جري إسناد هذا الدور الي مؤسسة الأزهر كمرجعية مخاطبة في القضايا المتعلقة بهذا الموضوع,علي ان السيسي المساند من قبل المؤسسة العسكرية يسعي في النهاية الي الغاء التيارات الدينية , او السيطرة عليها,وجعلها تسير في خط الدولة او الي خط السجون .
من هذه المقدمة وفي موضوع يعتبر قديما نحاول قراءة زيارة الرئيس البشير الي مصر دلالاتها السياسية , واهدفها , ونتائجها, في الدلالة السياسية فأن نظام الإنقاذ عبر رئيسه يريد في الدرجة الأولي تحقيق هدف ميكافلي وهي التخلي نهائيا عن نظام مرسي الذي اطيح به بواسطة الشارع والجيش نفذ عملية التغيير وصولا الي التخلي عن جماعة الأخوان المسلمين نهائيا اذا كان ذلك يبعد الخطر عن الحكم في الخرطوم,ومع إشتمام عملية المقايضة السياسية في الرؤية المصرية والتي قامت مقابل كل شيء لها بلاشيء للإنقاذ, ان تعتبر الخرطوم اولا ان موضوع حلايب غير وارد للنقاش بتاتا وهذا ما عبرت عنه خريطتها التي وضعت مباشرة وراء ظهر البشير,ثم توالت الشروط السيسية واضحة , مثل تسليم او طرد فلول الأخوان المصريون القادمون سرا من قطر والمستضافون في إستراحة كنانة, وقف حركة السلاح الي الاراضي المصرية عبر شرق السودان التي تصل الي تنظيم القدس المسلح في سيناء ويشرف عليها جهاز امن محمد عطا ,وقف مساندة اخوان ليبيا الذين يتحركون تحت اسم فجر ليبيا حتي لا يشكلون جيبا اخوانيا في خاصرة مصر, واخير تأييد مصر في صراعها مع اثيوبيا حول سد النهضة.ولكن ما هو المقابل المصري اذا نفذ نظام الإنقاذ هذه الشروط ؟
مما نشر في الصحافة المصرية ان البشير لم يقدم اي مطالب سوي منع المعارضة السودانية في مصر من ممارسة نشاطها ضده وهو المطلب الذي لم يجد له إجابه واضحة من الطرف المصري وسجل فقط في محاضر الجلسات , ناهيك عن مكاتب حركات دارفور المسلحة التي تزال تعمل بكل حرية ,إضافة الي مكتب الجبهة السودانية العريضة التي يراسها علي محمود حسنين,وحديثا وصول زعيم حزب الأمة الصادق المهدي وإقامته وتحركاته في القاهرة دون اي رد فعل من الخرطوم لقد توعد البشير بمحاكمة الصادق المهدي اذا عاد الي الخرطوم , ولكنه لم يحتج إطلاقا علي وجوده في مصر وهو يمارس العمل المعارض علنا , ولا يستطيع ان يفعل ذلك لأنه يعلم انه سيفتح علي نفسه نيران جهنم هو في غني عنها.
مجلة السياسة الدولية نشرت تحليلا مطولا في عدد يوليو الماضي بقلم الدكتور حازم الولي عن النظرة الإستراتيجية المستقبلية لنظام السيسي تجاه السودان تحت ظل حكم نظام الإنقاذ, والتحليل كتب بمناسبة مرور ربع قرن علي وجود البشير في السلطة, وفي علاقة ذلك بالشأن المصري خلص التحليل الي ان من موجهات فلسفة الرئيس عبد الفتاح السيسي هو تجاوز شعار ابناء النيل , ووحدة وادي النيل المتداولين تاريخيا إذا تعرضت مصر الي الأخطار ,ويسخر المصدر من هذا الشعار الفارغ المحتوي ضاربا مثلا بنهر الدانوب الذي يشق اروربا من اولها الي اخرها ولكن لم يتحدث احد من القادة ,او المواطنين الأوربيين عن وحدة الدانوب أو ابناء الدانوب مثلا, فقضية الجغرافيا قد تصنع الجوار ولكنها لا تصنع الوحدات.
ومن اكبر الأخطار الخارجية التي تواجه مصر حسب الرؤية رؤية خبرائها هو قيام سد النهضة الأثيوبي في مجري النيل ثم تحول نظام الإنقاذ من مؤيد لمصر في موقفها الي وقوفه مع اثيوبيا , واخير محاولة لعبه دور الوسيط وهو سرا قلبه مع اثيوبيا. اذن كيف تحقق مصر هذه الإستراتيجية لضمان تنفيذها ونتائجها؟
في إجتماع سري لم يكشف عنه لمجلس الأمن القومي المصري ونشرته ملخصه مطبوعة افريكان بلوتين البريطانية محدودة التوزيع ونشرته صحيفة الوفد المصرية انه تم التداول حول القيام بعمل عسكري ضد اثيوبيا لضرب السد في مراحلة الأولي قبل ان يمتلأ بالماء, ولكن برزت معوقات “جيو عسكرية” في مقدمتها ان مصر ليس دولة مجاورة لإثيوبيا حتي تقوم بهذه الخطوة, وهنا اشار الخبراء الي ان الحل الوحيد لتنفيذ ذلك هو غزو السودان حتي يتمكن الطيران المصري من الوصول الي مواقع السد في اثيوبيا وذلك ماكان نادي به صراحة من قبل الباحث القريب من السلطة المصرية هاني رسلان في إحدي الفضائيات المصرية وايده االصحفي الوفدي عباس الطرابيلي.
ذلك سيناريو ربما يواجه صعوبات شتي ,منها عدم قدرة مصر المالية علي القيام بمثل هذا العمل العسكري الضخم ثم ردة فعل الولايات المتحدة حليفة اثيوبيا المسيحية والتي حتما ستقف ضد المشروع المفترض, وكذا الصواريخ الإسرائيلية المتطورة التي نصبها الأثيوبيون حول السد, ولكن في غمرة الفوضي التي تشهدها المنطقة وإحلال داعش محل الإتحاد السوفييتي السابق في عصر الحرب الباردة مع المعسكر الرأسمالي لا يستبعد المراقبون ان يحمي السيسي نظامه من الرياح الأصولية بأقصي ما يستطيع حتي لو ادي ذلك الي غزو السودان وليبيا وتغيير النظامين فيهما فهل يتحقق هذا المشروع ؟
s.meheasi@hotmail.com