البُنَيَّات الثلاث الغامضات

عثمان محمد صالح
osmanmsalih@hotmail.com

عندما انتقلت قبل نحو عقد من الزمان للسكنى في هذه الدار الواقعة في أقاصي الغرب من تِلْبُرُخ، كنت سعيداً بها بعد ما ذقته من عنت وضيِّق في البيت السابق القديم. هذه دار مثالية، قلت في نفسي: واسعة، رحبة، مغمورة بضوء الشمس، قريبة من مركز التسوق في الحي، وليست بعيدة عن حديقة فاندلبوس العمومية التي تستقطب الزوار من كافة أنحاء البلدة للتجوال فيها، حديقتها الخلفية منسقة لاتكثر فيها الطحالب والأعشاب الضارة، تظلِّل جانبها الأيسر عنبة معمِّرة تحسبها في الشتاء يابسة عجفاء، لكنها تحيا وتفرهد وتتمدَّد وتنشَّر في الصيف فتملأ المكان خضرة وعناقيداً. تطل الدار على شارع رحب تقلُّ فيه الضوضاء وتكاد تنعدم فيه حركة المركبات، تزوره النوارس وغيرها من طيور الماء المنتشرة في المنطقة وهي تأتي كل يوم من القناة المائية الواقعة على مرمى حجر من الدار.
ليس في الحيِّ مايريب والجيران هنا هادئون، وعلى يميني ويساري يعيش رجل في خريف العمر، أما البيت الملاصق لبيت جاري من الجهة اليسرى فتسكنه أسرة ذات أصول غجرية مهاجرة من أوروبا الشرقية. تتكون الأسرة من أب وام وصبي، لكن حركة الضيوف عندهم دائمة لاتنقطع وخاصة في ليالي الربيع والصيف. تسمع في سكون الليل أصواتهم الجزلى وضحكاتهم الثملى تتعالى في جلسات الشواء مصحوبة بأنغام موسيقى غجرية راقصة يديرونها حتى الهزيع الأخير من الليل. ليس هذا ما يثير ضيقي فقد اعتدت عليه، لكن ما أثار دهشتي وبقي عالقاً في الهواء بلاتفسير إلى يومنا هذا هو أنني ما زلت أسمع في كل ربيع وصيف أصوات بُنَيَّات يملأن بالمرح والسرور الحديقة الخلفية للأسرة ذات الأصول الغجرية، وكثيراً ما أرى في الشارع ثلاث بُنَيَّات في نحو السادسة من العمر يتسابقن بالدراجات الهوائية، سباقاً يخلو من الجدية تتخلله ضحكات زنانة. يرتدين موحدَ الرداء في الطراز مختلفه في الألوان يتكون من تي شيرت وشورت وحذاء سبورت مما يؤكد أنهن توائم. وظل هذا المشهد يتكرر برمته في كل ربيع وصيف. نفس البُنَيَّات بذات الأصوات، وذات الرداء الصيفي مع الحذاء الرياضي كل ذلك متجدد لايصيبه البلى أو التلوث وكأن مادة صنعه ليست من هذا العالم، وذات الضحكات الطفولية المتفجرة بالغبطة، ونفس التباري بالدراجات الهوائية، لكن ماهو أعجب وأغرب في الأمر هو أن البُنَيَّات مازلن يحملن ملامح السادسة من العمر محصَّنات ضد النمو وضد التقدم في العمر. لم يفعل الزمن فيهن فعله، ولم يكبرن قيد أنملة مذ رأيتهن لأول مرة قبل عشرة أعوام، بل ظللن محتفظات بذات السمت الطفولي والصوت الذي لايطرأ عليه أي تغيير. فقلت في نفسي: لعلهن قزمات منذ الميلاد، لكن المتمعِّن في مظهر البُنَيَّات الثلاث لن يلحظ مايدلُّ على أنهن يعانين من تقزم يعتقل النمو الطبيعي للجسد.

يظهرن في الربيع والصيف بالتزامن مع تفتق أولى الأزهار البصلية الصفراء والبنفسجية التي تملأ الدوَّارات وحواف الشوارع في الأحياء السكنية، ثم ينسحبن من مشهد الحياة عند هطول المطر في الخريف حتى يحتجبن تماماً مع ذبول الأزهار في الشتاء. يظهرن للعيان ويختفين مثل أطقم الشاي الصينية الفاخرة التي تفتخر بها امي، وتصونها للمناسبات الخاصة إكراماً للضيوف المميزين، ثم تتولاها بعد ذلك بالغسل وتعتني بتلميعها وتعيدها بكل حرص في قفص الأواني المنزلية البلوري الواجهة، وتضعها فى أعالي رفوف فضيَّتها الواقفة باعتداد في صدر البرندة في قريتنا في سهل البطانة، أو مثل المناضد والمقاعد التي ينفض عنها أصحابها الغبار ويخرجونها في فصلي الربيع والصيف ليضعونها في الحدائق الخلفية تحت المظلات، ثم يطوونها ويحفظونها في مخازن الدور طوال أشهر الخريف والشتاء.

وظل السؤال يدور في رأسي: أين ياترى تتوارى تلك البُنَيَّات الثلاث الغامضات في فصلي الخريف والشتاء؟ ولماذا لايُسمَعُ لهن حسٌّ عندما ينزل الثلج وتغمر ندفه الشوارع والساحات فيبتهج الأطفال ويهللوا وهم يخرجون فرادى وجماعات لقضاء سويعات ممتعة في اللهو الطليق يتقاذفون أثناءه بكرات الثلج أو يشيِّدون من كتل الثلج رجل الثلج العملاق الهاديء الطيب القلب ذي الأنف الطويلة الشبيهة بأنف الساحرة التي تتنقل بالمكنسة الطائرة، ذلك الرجل المحبوب لدى الأطفال يدنون منه بلاخوف، يتسلون ويتلاعبون به ويرممونه إذا انهدمت منه قطعة، يتحسسون شاله الذي يمتزج فيه اللونان الأخضر والبرتقالي اللذان يزينان بلدة تِلْبُرُخ اثناء الكرنفال، يخلعون له قبعة الصوف ثم يلبسونه إيَّاها من جديد، يتلاعبون بأنفه البرتقالية المثيرة للضحك المصنوعة من نبات الجزر، ذلك الرجل الطبشوري اللون المعتصم طوال حياته القصيرة بالسكون والصمت المطبق مثل حراس ضريح غيورغي ديمتروف في قلب مدينة صوفيا في عهد الحكم الشيوعي، يقف كالديدبان، كالتمثال بلا أنيس، وحده في العراء الموحش عند هبوط الليل. لايسأم ولايتبرم ولايشتكي من طول الوقفة الجامدة الراسخة المهيبة في قلب الساحة التي يحرسها بجد وصبر دون أن يغمض له جفن ( على عينين جاحظتين من الخرز الكبير الحجم) في زمهرير الشتاء قبل أن تطلع عليه أشعة الشمس الحارقة فتحكم عليه بالفناء : تُخَلْقِنه (تشوِّه صورته) وتطمس هيأته، وتطوِّح بأنفه الجزري البرتقالي بعيداً كأنه غليون قديم، وتمسخه لتحيله إلى كومة صغيرة بائسة قذرة من الثلج الملوث بالتراب والمختلط بالأعشاب المصفرة والأعواد الجافة وأوراق الشجر اليابسة التي تذروها رياح الشتاء، لم لايخرجن من المخبأ ويفرحن بالثلج أسوة بالاطفال؟

هن ثلاث بُنَيَّات كالدمى فيهن لمعة العرائس الروسية (ماتروشكا) المصنوعة من خشب الزيزفون، يتبارين بالدراجات الهوائية ولايأبهن بالسقوط أثناء السباق المرح حتى لو تكررعشرات المرات ذلك أنهن لايصبن بالخدوش أو الجروح أو الرضوض. ثلاثة توائم متماثلات في كل شيء: في العمر والملامح والطول والحجم والصوت وتسريحة الشعر الكستنائي المفروق في المنتصف والمضموم في ضفيرتين تنسدلان على جانبي الوجه ولون البشرة القمحية الخاطفة شيء من السمرة. يخرجهن ذويهن من الصناديق في فصلي الربيع والصيف ليُعرَضْنَ على سكان الحي بهدف التباهي ثم يُعدْنَ في بقية العام إلى مكامنهن في سَحَّارة المقتنيات الثمينة والثياب الفاخرة، مطبولات (مُحكَمات الغلق) في الحفظ والصون بعيداً عن تأثير الزمان والمكان.

عثمان محمد صالح،
تلبرخ، هولندا
12.02.2026

عن عثمان محمد صالح

شاهد أيضاً

طيف من البطانة

osmanmsalih@hotmail.comطيف من سهل البطانة بين الفينة والأخرى يلوح لي طيف محمد كُوكُو مجلجل القهقهات كأنها …