د. محمد عثمان
مرّ أكثر من عام على تشكيل حكومة التأسيس، وما زالت النتيجة دون المستوى. لم تنجح حتى الآن في تحويل سلطتها السياسية إلى جهاز تنفيذي حقيقي. لا برنامج واضح لإدارة الدولة، ولا مؤسسات مكتملة، ولا سياسات مالية واقتصادية وتنموية تقدم للناس خياراً افضل للحياة. يبدو أن الحكومة منشغلة بإثبات وجودها السياسي محلياً أكثر مما هي منشغلة بإثبات قدرتها على الحكم.
تبدأ المشكلة من رئيس الوزراء. بدلاً من أن يركز على بناء الجهاز التنفيذي، وتحديد مسؤوليات الوزارات، ووضع برنامج حكومي، واضح ومعلن، له أهداف ومواعيد وآليات محاسبة، وبناء علاقات دولية فاعلة، يغلب على نشاطه المقابلات والزيارات والاجتماعات الدعائية دون حصيلة ملموسة تتناسب مع موقعه. هذه التحركات قد تكون مفيدة إذا خدمت خطة واضحة، لكنها تتحول إلى دوران في المكان نفسه حين تكون بديلاً عن العمل الحقيقي المفترض أن يقوم به في دولة وليدة. إنجازات رئيس الوزراء تُقاس بما يبنيه من مؤسسات وما ينجزه من خدمات وتنمية وعلاقات دولية.
ومعظم وزراء حكومة التأسيس يعيشون في الظلام ويلف عملهم الغموض ولا يظهر لأدائهم أثر واضح في حياة الناس أو في تطوير وزاراتهم. المشكلة ليست في قلة التصريحات أو الإعلان عن الخطط، بل في غياب برامج تنفيذية محددة وأولويات واضحة ومسؤوليات يمكن تقييمها. بعد أكثر من عام كان يُفترض أن تظهر ملامح واضحة على الأقل لطريقة إدارة التعليم والصحة والاقتصاد والعلاقات الخارجية والخدمات، لكن الحكومة لم تقدم ما يشير الى أنها تسير وفق رؤية متكاملة.
يكشف وضع الولايات جانباً مهماً من الارتباك الذي تعيشه الحكومة. فما زالت مناصب الولاة شاغرة، ولم يُعيَّن أي والٍ رسمياً، فيما يتولى رؤساء الإدارات المدنية تسيير شؤون الولايات بالإنابة.
وفي الوقت الذي ينشغل فيه رئيس الوزراء بتشكيل الوزارات الاتحادية وتوزيع المناصب السيادية، تظل القيادة التنفيذية في الولايات غائبة، رغم أن هذه الولايات هي الميدان المباشر لتقديم الخدمات، وإدارة الأسواق، وتنشيط الزراعة، وتوفير المياه، ودفع عجلة التنمية المحلية. وهذا يكشف خللاً واضحاً في ترتيب الأولويات؛ إذ إن تعيين الولاة، وتشكيل حكومات الولايات، وبناء إدارة محلية واضحة الصلاحيات، مرتبطة بخطط محددة وموارد معلومة وآليات فعلية للمتابعة والتقييم، ينبغي أن تكون من أولويات الحكومة.
ويظهر الضعف بشكل أوضح في الملف المالي. فرغم تعيين محافظ للبنك المركزي، إلا أن غياب سياسة نقدية ومالية واضحة يظل أمراً محيِّراً. كما أن الاستمرار في تداول الأوراق النقدية القديمة المنتهية الصلاحية، دون ضخ كميات كافية منها في السوق، عقّد المعاملات داخل مناطق التأسيس. وقد ظهرت شبكات منظمة لتبديل الأرصدة المصرفية إلى نقد سائل، ووصلت رسوم الحصول على الكاش إلى أكثر من 45%. هذه النسبة ليست رقماً يمكن للحكومة أن تسكت عليه؛ فهي عبء مباشر على المواطن والتاجر، وتسهم في مضاعفة أسعار السلع دون أن يدري المواطن، ودليل على خلل عميق في العلاقة بين الأرصدة المصرفية والنقد المتوفر في الأسواق. وحين يصبح سحب المال من الحساب المصرفي مكلفاً إلى هذا الحد، فإن السؤال يتجاوز النسبة نفسها إلى كفاءة إدارة البنك المركزي المعين في إدارة السيولة والموارد، وإلى المسؤولية الأخلاقية للحكومة تجاه مواطنيها.
هذه الوقائع ليست أزمات منفصلة، بل وجوه لمشكلة واحدة، وهي: حكومة مرتبكة لم ترتب أولوياتها بوضوح، ولم تحدد كيف تنتقل من سلطة نشأت في الحرب إلى إدارة مدنية قادرة على تنظيم حياة الناس. الدولة لا تُبنى بإدارة المال العام، وتوزيع الصلاحيات، وتخطيط الخدمات، وضمان استمرار المؤسسات، وربط كل مسؤول بنتائج يمكن قياسها.
وحتى الملفات التي حققت فيها الحكومة بعض الخطوات الإجرائية الملموسة، مثل امتحانات الشهادة السودانية، يظل أثرها مشكوكاً فيه ما لم تكتمل الترتيبات التي تضمن للطلاب مواصلة تعليمهم الجامعي، واستخراج شهاداتهم وتوثيقها، ومعرفة الجهة التي ستصدرها، ومدى الاعتراف بها خارج الاقليم.
في المقابل، بدأت مناطق الخصم تستعيد عمل بعض مؤسسات الدولة وخدماتها رغم ما تواجهه من مشكلات وأعباء ثقيلة. والمقارنة هنا ليست حكماً بأن تلك المناطق تجاوزت أزماتها، بل تذكير بأن استمرار الحرب لا يعفي أي سلطة من واجب تنظيم الإدارة وتسيير شؤون الناس.
والأخطر أن يمتد أثر هذا الضعف في الأداء إلى المشروع السياسي نفسه. فحين لا يجد أبناء الهامش مشاركة عادلة في السلطة، ولا إدارة محلية فاعلة، ولا تحسناً ملموساً في حياتهم اليومية، تتسع الفجوة بينهم وبين سلطة تدّعي تمثيلهم. فالشرعية لا تكتسب بالشعارات، بل على ما يلمسه الناس من عدالة في المشاركة، وتحسن حقيقي في الخدمات، وقدرة فعلية على معالجة مشكلاتهم. وحين تتناقض الوعود السياسية مع واقعهم المعاش، تصبح مصداقية المشروع كله موضع شك.
بعد أكثر من عام، لم تعد المشكلة أن حكومة التأسيس تعمل في ظروف صعبة؛ فهذه حقيقة يدركها الجميع. المشكلة أنها لم تُظهر حتى الآن قدرة حقيقية على تحويل هذه الظروف إلى برنامج حكم واضح، ولم تبنِ مؤسسات تتناسب مع حجم السلطة التي أعلنتها. وإذا استمرت في الارتجال وتقديم الاستعراض السياسي على العمل التنفيذي، فإن تعثرها سيزداد، وسيدفع المواطنون ثمنه من أرزاقهم وخدماتهم ومستقبل مناطقهم.
