أواب عزام البوشي
في صباح العاشر من أكتوبر 2026، لم تسقط القنابل على المدنيين وحده. سقطت معها أوهام كثيرة ظل السودانيون يتمسكون بها رغم كل ما جرى خلال سنوات الحرب والانهيار. سقط وهم أن الدولة، مهما ضعفت، ستبقى منحازة غريزياً إلى مواطنيها حين يُراق دمهم. فالمعدنون الذين خرجوا إلى الصحراء بحثاً عن الرزق عاد بعضهم جثثاً، وعاد بعضهم جرحى، ولم يعد بعضهم إطلاقاً. غير أن المأساة لم تتوقف عند حدود الدم، بل امتدت إلى ما هو أخطر: إلى الرواية.
من حلايب إلى شمال الوادي: نمط يتكرر؟
في أغسطس 2025، كشف موقع “ريزو إنترناسيونال” (Réseau International) الفرنسي عن وثيقة رسمية من مجلس السيادة السوداني، تُظهر أن الخرطوم أصدرت توجيهاً رسمياً باعتماد خريطة جديدة تتضمن مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد ضمن حدود مصر. وبحسب التقرير، جاء هذا الخطاب بعد لقاء رفيع المستوى جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، حيث اتفق الطرفان على اعتبار المثلث جزءاً من الأراضي المصرية، مع التعهد بعدم إثارة الأمر أمام الهيئات الدولية.
الوثيقة، المؤرخة في 11 مايو 2025، وجّهت الهيئة القومية للحدود باعتماد خريطة تضع المثلث داخل الأراضي المصرية خلال مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع السعودية. وبحسب مصادر سياسية، جاء هذا التنازل مقابل دعم عسكري مصري للبرهان في حربه ضد قوات الدعم السريع. لكن التسريب كان قد زرع بذرة سؤال لم يهدأ: لماذا يمنح البرهان القاهرة اعترافاً بسيادة أرض سودانية متنازع عليها؟
التحركات المصرية في مناطق التعدين: ما الذي يحدث فعلاً؟
اليوم، وبعد مرور عام تقريباً، يعود السؤال نفسه لكن هذه المرة من قلب مناجم شمال الوادي. في يونيو 2026، تعرّضت مناطق التعدين الأهلي في شمال الوادي، بالقرب من الحدود السودانية المصرية، لقصف جوي مكثف. أفاد شهود عيان ومصادر محلية لبي بي سي بمقتل أكثر من 60 مُعدّناً تقليدياً وإصابة نحو 150 آخرين. وقال شهود إن طيراناً حربياً قصف مواقع للتنقيب في الجبل الأحمر، المعروف بجبل “العقيدات”، قرب سوق “الأنصاري”.
ولم يقتصر الهجوم على السلاح الجوي. إذ تزامن القصف مع توغل بري سريع لقوات الأمن المصرية داخل الأراضي السودانية، اندفعت عبره الآليات العسكرية لتجتاح “منجم شمال الوادي”، الواقع على بعد نحو ساعة من “منجم الأنصاري” الشهير. وقال معدنون في منطقة شمال الوادي إن الجيش المصري نشر المزيد من القوات البرية على مدرعات ومركبات قتالة واحتل المزيد من الأراضي السودانية وطرد المعدنين.
وفي الحادثة الأخيرة قبل أيام قُتل 200 معدناً على الأقل في غارات جوية استهدفت منطقة شمال الوادي، وفق ما أعلنته مجموعة “محامو الطوارئ” الحقوقية السودانية. واتهمت المجموعة السلطات المصرية بالسعي إلى التوسع وفرض السيطرة على الموارد الطبيعية السودانية في المناطق الحدودية الغنية بالذهب والمعادن.
ثروات استراتيجية تحت الأرض :-
ما الذي يجعل هذه المنطقة بهذه الأهمية؟ بحسب المهندس الصادق أحمد تُعد مناطق شمال السودان من أغنى مناطق البلاد بالمعادن الثمينة والنادرة التي تدخل في العديد من الصناعات الحديثة والمتطورة. وأشار الصادق إلى أن المنطقة تحتوي على كميات كبيرة من معدن الكوارتز عالي النقاء، الذي تصل نسبة السيليكا فيه إلى نحو 99.9%، مما يجعله من المواد الخام ذات القيمة الصناعية العالية.
ويدخل الكوارتز عالي النقاء في صناعات متعددة، أبرزها صناعة الزجاج والإلكترونيات وأشباه الموصلات والطاقة الشمسية، مما يجعله من المواد الاستراتيجية النادرة عالمياً. وتثير هذه الثروات تساؤلات حول ما إذا كانت التحركات المصرية مدفوعة بهذه القيمة الاقتصادية الهائلة، وليس فقط بالاعتبارات الأمنية.
الصمت المطبق: ماذا يعني؟
لكن اللافت لم يكن القصف بحد ذاته، بل ما تلاه: صمت رسمي مطبق من سلطة بورتسودان. لم يصدر عن الجيش السوداني أي بيان يدين أو يستنكر أو حتى يعلّق على استهداف مواطنين سودانيين على أرض سودانية. بل ذهب الجيش إلى أبعد من ذلك، إذ عطّل خاصية التعليقات على صفحاته على فيسبوك بعد موجة غضب شعبي عارمة.
ما الذي يربط البرهان بمصر؟
الإجابة تكمن في طبيعة العلاقة بين البرهان والقاهرة. فمصر تُعدّ من أبرز الداعمين العسكريين والسياسيين للبرهان في حربه ضد قوات الدعم السريع. وفي يناير 2026، نقل رئيس المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد رسالة خطية من السيسي إلى البرهان بشأن الدعم المصري للجيش السوداني. وبحسب تصريح مصدر مصري، بحث رشاد مع البرهان دعم الجيش السوداني وحماية أمن البحر الأحمر.
وفي ديسمبر 2025، أصدرت الرئاسة المصرية بياناً حول الحرب السودانية تضمن ثلاث نقاط وصفتها بـ”الخطوط الحمراء”، وقالت إنها لن تسمح بتجاوزها لأنها تمس الأمن القومي المصري. وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن أي تهديد لسيادة السودان ووحدته الإقليمية يمثل خطاً أحمر بالنسبة لمصر.
هذا الدعم ليس مجانياً. يبدو أن البرهان يدفع ثمن هذا الدعم بأجزاء من السيادة السودانية.
وقد كشف النقاب عن هذا الاحتمال صراحة فهل منحت سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، بقيادة البرهان وكامل إدريس، حق امتياز التنقيب في هذه المناطق السودانية لمصر، مقابل دعم مصر لجيش الحركة الإسلامية في حرب السودان؟”.
والسؤال نفسه يبقى معلقاً دون إجابة رسمية.
الدعم مقابل السيادة: فرضية مقلقة :-
وبحسب مصادر سياسية، لم يقتصر ما قُدّم لمصر على حلايب وشلاتين. إذ أشارت تقارير إلى أن البرهان منح ملايين الأفدنة للمصريين في “الشمالية، ونهر النيل، والقضارف”. وفي سبتمبر 2025، وُقّعت اتفاقية استثمارية بقيمة 277.3 مليون دولار بين وزارة المعادن السودانية وشركة “ديب ميتالز للتعدين”، بالشراكة مع رجل الأعمال المصري محمد الجارحي، تشمل الاستكشاف والإنتاج عن الذهب والحديد في ولايات الشمالية والبحر الأحمر ونهر النيل والقضارف.
وبينما نفت مصر لاحقاً مزاعم إنشاء 108 مناجم ذهب في شمال السودان، تبقى الاتفاقيات المعلنة والتحركات الميدانية مؤشرات على وجود نمط أوسع من التغلغل الاقتصادي والعسكري المصري في شمال السودان.
الضغوط على البرهان: هل يملك خيار الاعتراض؟
يدرك البرهان أنه يواجه ضغوطاً ضخمة على أكثر من جبهة: عسكرياً في مواجهة الدعم السريع، وسياسياً في مواجهة الانتقادات الداخلية والخارجية، وشعبياً في مواجهة الأوضاع الافتصادية في مثل هذه اللحظة، قد لا يكون خيار خسارة الحلفاء وارداً. فمصر ليست مجرد داعم عسكري، بل هي أيضاً حليف دبلوماسي في المحافل الدولية، وشريك اقتصادي في قطاعات حيوية.
لكن هذا الحساب يطرح سؤالاً أعمق: إذا كانت القاهرة تتحرك بثقة متزايدة في مناطق التعدين الاستراتيجية، وتستهدف معدّنين سودانيين، وتدفع بقوات برية لاحتلال مواقع جديدة، دون أن يواجهها أي اعتراض من سلطة بورتسودان، فهل يمكن قراءة هذا الصمت على أنه اعتراف ضمني جديد، ليس بورقة رسمية، بل بغياب أي اعتراض؟
يقول محللون إن استمرار بورتسودان في تجاهل الخروقات المصرية المتكررة قد يكون ثمن استمرار الدعم المصري في لحظة يواجه فيها البرهان ضغوطاً وجودية. وفي هذه المعادلة، قد لا يكون خيار خسارة الحليف المصري وارداً، حتى لو كان الثمن مناطق تعدين استراتيجية غنية بالكوارتز والذهب.
السيادة حين تصبح عبئاً :-
ما يجري اليوم في شمال الوادي قد يكون الفصل الأحدث في سلسلة بدأت من حلايب ولم تنته عند حدود المناجم. وإذا كانت الوثيقة المسرّبة التي كشف عنها موقع “ريزو إنترناسيونال” الفرنسي قد أظهرت أن البرهان وافق على اعتماد خريطة تضع حلايب داخل الحدود المصرية مقابل دعم عسكري، فإن المعطيات الميدانية الحالية تشير إلى أن النمط ذاته قد يتكرر في مناطق التعدين شمال الوادي.
لكن الفرق هذه المرة أن الثمن ليس مجرد أرض، بل أرواح مواطنين سودانيين كانوا يبحثون عن الرزق في صحراء قاحلة. والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان البرهان قد تنازل فعلاً عن حلايب تحت الكواليس مقابل دعم سياسي وعسكري، فما الذي يمنعه من تكرار السيناريو ذاته في مناجم شمال الوادي؟ وإذا كان الدعم المصري هو شرط بقاء سلطته، فهل يملك أصلاً خيار الاعتراض؟
