بقلم: مرتضى القسم عوض الكريم
إن أخطر ما ابتليت به الأمة ليس قلة المصلين، بل كثرة المتدينين شكلاً، المفلسين جوهراً. تدينٌ بلا دين، وعبادةٌ بلا عبودية، ومظاهرٌ بلا مخابر.
صار عادياً جداً أن ترى الرجل يصلي الخمس، ويقصر ثوبه إلى الركبة، ويطلق لحيته إلى السرة، ثم يكذب ويسرق، وينافق ويداهن، ويأكل مال اليتيم، ويؤذي الجار، ويبث الفتنة بين الناس، ويقطع الرحم، ثم يقول: قال الله وقال الرسول! فأي دين هذا؟
لقد صارت منظومة القيم في الجاهلية الأولى أفضل من منظومة قيم هذا التدين المغشوش.
إنه العبث المتعمد في ترتيب الأولويات. عبث عن قصد وعمد، فما عدنا نعرف ماذا نقدم وماذا نؤخر.
صار انتظار الصلاة في الصف الأول أولى من الدعوة إلى رفع الظلم، وصار ترديد الأذكار أولى من السعي لتحسين معيشة الناس، وصار تكرار العمرة في كل عام أولى من إطعام الجائع وكسوة العاري وإغاثة الملهوف.
قلبوا المفاهيم وبعثروا الأولويات، فتركوا دين الله الحق، دين التناصح والتراحم، دين إطعام الجائع ومراعاة اليتيم وحق الأرامل، دين العمل والإنتاج، ونسوا قول الله: “وقل اعملوا”، ونسوا التفكر والتفكير النقدي، واستبدلوه بشعار: السمع والطاعة.
وهنا يصرخ الشيخ عبد الفتاح مورو في وجه هذا الزيف، فيقول قولته التي يجب أن تُكتب بماء الذهب:
“الإسلام ليس لحية تُطوّل، ولا ثوباً يُقصّر، الإسلام حياء وأمانة، الإسلام خُلق ومعاملة. رأينا من يصوم النهار ويقوم الليل ويحفظ القرآن، لكنه لا يؤتمن على مال ولا على عرض. هذا ليس تديناً، هذا تمثيل.”
ويقول مورو أيضاً:
“أخطر شيء على الدين أن نحوله إلى طقوس جوفاء ومراسم شكلية، فيصبح في المسجد تقياً وفي السوق لصاً، في المنبر واعظاً وفي المكتب مرتشياً. الإسلام جاء ليصنع الإنسان الصادق الأمين، لا الإنسان المزيف.”
ويختصر مورو الأزمة بقوله: “كنّا نبحث عن إسلام يمشي على الأرض، فوجدنا إسلاماً يُعلق على الجدران، ويُحفظ في الكتب، ولا يُرى في السلوك.”
وهذا تماماً ما شخصه علي شريعتي حين قال إن أكبر خطر لا يواجه الدين من الإلحاد، بل من ظهور دين آخر يحمل نفس الاسم ونفس الشعارات، لكنه يؤدي وظيفة معاكسة.
ففرق شريعتي بين دينين:
الأول: دين التوحيد والتحرير: وهو دين الأنبياء الحقيقي، جاء ليثور على الظلم، ويحرر الإنسان من العبودية.
والثاني: دين الشرك والتخدير: وهو دين المؤسسة والكهنوت، دين المظاهر والجمود، الذي يُفرغ الدين من محتواه الثوري ليصبح أفيوناً يخدر الشعوب.
ولهذا قال شريعتي كلمته المدوية:
“إذا لم تكن حاضراً وشاهداً على عصرك، ولم تقف في ساحة الكفاح الدائر بين الحق والباطل، فكن ما شئت: مصلياً متعبداً في المحراب، أو شارباً للخمر في الحانة، فكلا الأمرين سيان.”
أما مالك بن نبي فقال: إن التخلف الحضاري لا يرتبط بقلة المساجد، بل بانهيار منظومة الأخلاق، وأن التدين الشكلي حين ينفصل عن القيم يصبح عبئاً على الدين نفسه.
فيا أمة الإسلام: لن ينصلح حالكم حتى تعودوا إلى رشدكم، فتقدموا إطعام الجائع على نافلة الصيام، وتقدموا كفالة اليتيم على تكرار العمرة، وتقدموا قول الحق ورفع الظلم على طول اللحى وقصر الثياب.
فالدين معاملة قبل أن يكون مظهراً، والدين أخلاق قبل أن يكون شعائر، والدين موقف قبل أن يكون محفوظات ترددها الألسن وتكذبها الأفعال.
