الترابي بين اضطرار الحكومة وضعف المعارضة .. بقلم: إمام محمد إمام

لم يكن مُستغرباً أن يتدافع الكثيرون لشهود ندوة “التعديلات الدستورية المرتقبة في الميزان”، التي نظمتها نقابة المحامين السودانيين أول من أمس (الأحد)، لأن أحد أعمدة المتحدثين في تلكم الندوة، كان الدكتور حسن عبد الله الترابي الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي، لا سيما أنه قد استطال في استخدام فقه سيدنا زكريا في الصمت، وعدم التكلم مع الناس، إذ أنه قرر ألا يكلم إنسياً فوق ثلاثة أيام، تنزيلاً لقول الله تعالى: ” قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ”، بينما الدكتور حسن الترابي زاد في صمته على أيام صمت سيدنا زكريا ببضعة أشهر. فلا غَرْوَ أن يكون هذا التدافع والحشد الذي ولج دار المحامين – زُمراً وفرادى – لسماع الدكتور حسن الترابي كفاحاً.
وفي رأيي الخاص، أن الدكتور حسن الترابي كان مدركاً غاية الإدراك أن هذا الحشد لم يحتشد إلى هذه الندوة إلا لأنه المشارك الأساسي فيها، وأنهم لم يأتوا لسماع حديثه عن التعديلات الدستورية فحسب، بل يرغبون في سماع رأيه في كثيرٍ من قضايا الوضع السياسي الراهن المأزوم، وحيثيات مقاربات حزبه مع حزب المؤتمر الوطني. ولم يخيِّب ظنهم الدكتور حسن الترابي في التطرق إلى أكثر من قضية من القضايا الساخنة، ولكن على طريقته الخاصة، بحيث ينهج فيها نهج الكاتب المسرحي النرويجي الشهير هنريك أبسن التي ملخصها على المبدع أن يبدع وليس عليه تفسير إبداعه، بينما على النقاد مهمة التفسير وتشريح العمل الإبداعي لتيسير فهمه بالنسبة للمتلقين. فهكذا نلحظ أن بعضهم فسر جانباً من حديث الدكتور حسن الترابي بأنه بوادر مواجهة بين حزبي المؤتمر الشعبي والمؤتمر الوطني، ولكن غاب عنهم أن حديثه متعلق برفضه لإجراء التعديلات الدستورية، كان مستدركاً بلكن، حيث قال إن انتخاب الولاة قد جلب إلى البلاد مصائب ظلت متوالية إلى الآن. وأحسبه ذهب إلى أبعد من ذلك، في دحض مقولات الذين ذهبوا إلى أن رفضه للتعديلات الدستورية يُعيد خلافه مع الأخ الرئيس عمر البشير إلى فترة خلافاتهما قبيل المفاصلة في عام 1999، عندما كان يصر الأول على انتخاب الولاة، بينما كان الأخير يدعو إلى التعيين، ولكنهم بنوا نظرية المواجهة من شطر البيت الأول دون التمعن في عجزه. إذ أن الدكتور حسن الترابي استدرك رفضه، بقوله إنه مع التعيين شريطة أن يكون بمشاركة الأحزاب كافة. وزاد على ذلك، بأن قدم نصيحة من باب المناصحة، تصديقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ”، قُلْنَا لِمَنْ؟ قَالَ: “للَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُؤْمِنِينَ وَعَامَّتِهِمْ”، حين نصح اللجنة الطارئة لتعديل الدستور، في حال إقرارها بنظام تعيين الولاة، بأن تكتب في مقدمة النص بأنه مراعاة لقومية الحوار الوطني، أقروا نظام التعيين حتى لا يدوم الولاة إلى فترة طويلة، لأن الذي وُلي بالتعيين يُمكن أن يُفصل، وأن تكتب اللجنة في نصها بألاّ يكون الولاة كلهم من حزب المؤتمر الوطني.
أخلصُ إلى أن حديث الدكتور حسن الترابي لم يخذل حشد الندوة في التطرق إلى أكثر من موضوع، ومما يستوقف المرء في حديثه ذاكم، أنه أقر تصريحاً وليس تلميحاً، بضعف المعارضة السودانية، وأنها يجمعها كره النظام ورأسه، وأنها تسعى إلى السلطة. وأن الحكومة اضطرت إلى الحوار الوطني، وأنهم اضطروا أيضاً إلى أن يديروا الحوار الوطني لأنهم عجزوا تماماً عن إسقاط الحكومة. ولمس بعض حديثه شغاف قلوب بعض الحاضرين عندما تحدث بعاطفة وتشوقات عن انفصال الجنوب، واصفاً إياه بانقطاع جزء من الجسد، حتى الإيبولا لم ينسها الدكتور حسن الترابي  في حديثه أول من أمس (الأحد)، عندما قال إنه لا يوجد بلد مستقر، لأن الأحداث تتفاعل في العالم، بما فيها الإيبولا. فقد خرج الدكتور حسن الترابي عن صمته من خلال الندوة، أي أنه غادر فقه سيدنا زكريا في الصمت، وإن اختلف معه في الهدف والمدة إلى إسماع صوته، وطرح أفكاره. وأحسبُ الأيام حُبلى بالوقائع والمشاهدات في السودان على أمل أن يكون الحوار الوطني مدخلاً مهماً من مداخل التوافقات الوطنية لتكون مُخرجاته معالجات وطنية حقيقية لحل المشكل السوداني.
ولنستذكر في هذا الخصوص، قول الله تعالى: 
” وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ”.
وقول الشاعر العربي، عمرو بن الأهتم السعدي:
وَكُلُّ كَرِيْمٍ يَتَّقِي الذَّمَّ بِالْقِرَى        وَلِلْخَيْرِ بَيْنَ الصَّالِحِيْنَ طَرِيْقُ
لَعَمْرُكَ مَا ضَاقَتْ  بِلاَدٌ بِأهْلِهَا       وَلَكِنَّ أَخْلاَقَ الرِّجَالِ تَضِيْقُ
نَمَتْنِيْ عُرُوْقٌ مِنْ زُرَارَةَ لِلْعُلَى      وَمِنْ فَدَكِيٍّ وَالأَشَـدِّ عُرُوْقُ

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً