التشظّي السردي والفقر المستقبلي
قراءة في المعضلة السودانية بين الذاكرة والدولة
صلاح الحبو
“أزمة السودان ليست في تعدد رواياته التاريخية، بل في غياب الرواية المستقبلية القادرة على تحويل هذا التعدد إلى مشروع دولة.”
يُفسَّر المأزق السوداني غالباً عبر ثنائيات الهوية والمركز والهامش والعسكر والمدنيين. ورغم أهمية هذه المقاربات، فإنها تظل أقرب إلى توصيف مظاهر الأزمة منها إلى تفسير بنيتها العميقة. فالمشكلة لا تكمن في تعدد السرديات الوطنية، بل في عجزها عن الالتقاء داخل أفق استراتيجي مشترك.
منذ الاستقلال، لم يفشل السودان في إنتاج النخب أو الموارد أو الحيوية الاجتماعية، وإنما أخفق في إنتاج فكرة جامعة للدولة. تعددت الروايات حول التاريخ والهوية والانتماء، وتحول الاختلاف الطبيعي إلى ما يمكن تسميته بـ التشظّي السردي؛ أي انتقال التعدد من كونه تنوعاً ثقافياً وسياسياً مشروعاً إلى تنازع مستمر حول تعريف الوطن نفسه.
غير أن التشظّي السردي ليس أصل الأزمة، بل أحد أعراضها. أما جوهر المعضلة فيكمن في الفقر المستقبلي؛ وهو غياب الخيال السياسي القادر على تحويل التنوع إلى مشروع وطني. فالسودان ظل يناقش سؤال “من نحن؟” أكثر مما ناقش سؤال “ماذا نريد أن نصبح؟”. وبين السؤالين يكمن الفرق بين مجتمع منشغل بتأويل ماضيه ومجتمع منشغل بصناعة مستقبله.
لقد أصبحت الذاكرة في التجربة السودانية مصدراً للشرعية أكثر من كونها مصدراً للتعلم. وكلما تعثرت مرحلة سياسية عادت النخب إلى أرشيف التاريخ بحثاً عن تفسير جديد للأزمة، بينما ظل الاستثمار الفكري في المستقبل محدوداً. وبدلاً من أن يصبح التاريخ منصة للانطلاق، تحول في كثير من الأحيان إلى ساحة لإعادة إنتاج الانقسام.
هنا تبرز مفارقة لافتة؛ فالدول لا تُبنى على وحدة الذاكرة بقدر ما تُبنى على وحدة المقصد. فجنوب أفريقيا لم تتجاوز الفصل العنصري عبر توحيد الرواية التاريخية، ورواندا لم تنهض بحسم الذاكرة المتنازعة، كما أن إسبانيا لم تنتظر اتفاقاً كاملاً حول الماضي قبل بناء مؤسساتها الحديثة. ما جمع هذه التجارب لم يكن الاتفاق على ما حدث، بل الاتفاق على ما ينبغي أن يحدث.
أما في السودان، فقد ظلت معارك التفسير تتقدم على معارك التخطيط، وظلت شرعية الماضي تطغى على شرعية الإنجاز. ولذلك تعثرت مشاريع الانتقال السياسي المتعاقبة لأنها انشغلت بإعادة توزيع السلطة أكثر من انشغالها بإعادة تعريف المستقبل.
إن التحدي الحقيقي لا يتمثل في إنتاج سردية تاريخية واحدة، فذلك أمر يناقض طبيعة المجتمعات المتعددة، وإنما في بناء رواية مستقبلية جامعة تجعل المواطنة إطاراً أعلى من الهويات الفرعية، والتنمية هدفاً يتجاوز الاستقطاب، والدولة مشروعاً مشتركاً لا غنيمة متنازعاً عليها.
ويمكن تلخيص المعضلة السودانية في معادلة بسيطة:
التشظّي السردي + الفقر المستقبلي = هشاشة الدولة
وفي المقابل:
التعدد السردي + الرؤية المستقبلية = مشروع وطني قابل للاستمرار.
فالأمم لا تتعثر لأنها تختلف حول ذاكرتها، بل لأنها تفشل في الاتفاق على وجهتها. وربما كانت هذه هي العقدة المركزية في التجربة السودانية: ليس غياب التاريخ المشترك، بل غياب المستقبل المشترك
habobsalah@gmail.com
