بقلم: د. محمد بدوي مصطفى
دون مغالاة يا سادتي وفي عالمنا المتسارع هذا، يظل اسم الفنان السوداني إبراهيم الصلحي واحداً من العلامات الفارقة في تاريخ التشكيل العربي والإفريقي، ليس فقط لأنه من مؤسسي “مدرسة الخرطوم للفن التشكيلي”، بل لأنه حمل مشروعاً جمالياً كاملاً حاول أن يصالح بين الروح واللون، بين الذاكرة والهوية، وبين الصوفية العميقة والحداثة البصرية.
ولعل ما يميز تجربة الصلحي أنه لم يكن رساماً بالمعنى التقني فقط، بل كان كائناً بصرياً يتنفس الفن كما يتنفس الإنسان لغته الأولى. نشأ في حي العباسية بأم درمان، في بيئة مشبعة بالإيقاع الصوفي والوجدان الشعبي، حيث تتجاور حلقات الذكر مع تفاصيل الحياة اليومية، وحيث تتشكل الحساسية الأولى تجاه الرمز والإشارة والبعد الروحي للأشياء.
هناك، في تلك الجغرافيا الصغيرة التي كانت مفتوحة على العالم الرمزي الواسع، بدأ مشروعه الفني يتخلق بهدوء، قبل أن يتحول لاحقاً إلى أحد أهم مشاريع الحداثة التشكيلية في إفريقيا والعالم العربي. فقد كانت “مدرسة الخرطوم” التي ساهم في تأسيسها محاولة واعية لتحرير الفن من القوالب الأكاديمية الجامدة، وإعادة وصل الجمال بجذوره المحلية دون أن يفقد قدرته على مخاطبة العالم.
لكن مسار هذا الفنان لم يكن مفروشاً بالضوء وحده. فقد مرّ بتجربة قاسية في الاعتقال والتعذيب خلال سنوات حكم الرئيس جعفر نميري، وهي تجربة لا يمكن قراءتها كحدث سياسي فقط، بل كجرح إنساني عميق تسرب إلى لوحاته لاحقاً، فازدادت كثافة رموزه، وازدادت لغته البصرية ميلاً إلى التأمل الداخلي والبحث عن المعنى في قلب الألم.
وفي المنفى، حين انتقل إلى إنجلترا، لم تنكسر التجربة بل أعادت تشكيل نفسها. هناك، أعاد بناء حياته من جديد، فصار اسمه يتردد في أهم المعارض العالمية، بوصفه أحد الأصوات التي أعادت تعريف العلاقة بين الفن الإفريقي والعالم الحديث، دون أن تتخلى عن جذورها الأولى.
وإذا كانت هناك صورة تلخص عالمه، فهي “الشجرة”؛ ذلك الرمز الذي يتكرر في أعماله بوصفه كائناً ينمو بين الأرض والسماء، بين الذاكرة والنسيان، بين الجذور التي لا تُرى والأغصان التي تمتد إلى المجهول. ليست الشجرة عنده مجرد عنصر طبيعي، بل استعارة كونية للإنسان ذاته في رحلة بحثه عن المعنى.
إن تجربة مُعلِّم الأجيال الأستاذ إبراهيم الصلحي، في جوهرها، ليست سيرة فنان فحسب، بل سيرة رؤية حاولت أن تقول إن الفن ليس ترفاً جمالياً، بل شكل من أشكال البقاء، ووسيلة لفهم العالم حين يضيق الواقع وتتشظى المعاني.
Mohamed@Badawi.de
