د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
شهد السودان تحولات تاريخية عميقة بعد انقلاب 30 يونيو 1989 الذي قاده عمر البشير بدعم من حسن الترابي، حيث أرسى نظامًا ذا توجهات إسلامية أيديولوجية سعى إلى إعادة صياغة الدولة وفق مشروع الحركة الإسلامية السودانية. بين 1989 و1993، انخرط النظام في بناء شبكة علاقات مع الحركات الإسلامية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى، مستضيفًا مؤتمرات وملتقيات جمعت قيادات من أكثر من أربعين دولة، كما سمح بإقامة شخصيات إسلامية دولية في السودان، أبرزها أسامة بن لادن الذي وصل عام 1991 وأسس شركات ومشروعات اقتصادية لتغطية نشاطات القاعدة حتى مغادرته عام 1996، مستثمرًا ما بين 20 و50 مليون دولار في الخرطوم وولايات الجزيرة وكسلا، مع تطوير مشاريع زراعية وإنشائية ساعدت في حركة عناصر التنظيم داخليًا وخارجيًا. وفي الوقت نفسه، أسس السودان المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي عام 1991 كإطار يجمع الحركات الإسلامية والقومية المناهضة للنفوذ الغربي.
أدى هذا النشاط الدولي إلى إدراج السودان في 12 أغسطس 1993 ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، مع فرض قيود اقتصادية ودبلوماسية شملت حظر المساعدات وقيود على الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية، وصولًا إلى العقوبات الشاملة في نوفمبر 1997 (الأمر التنفيذي 13067). رغم ذلك، استمرت بعض الاتصالات غير الرسمية بين أجهزة الأمن الأمريكية والسودانية لتبادل معلومات حول نشاط القاعدة قبل مغادرة بن لادن. شهدت العلاقة تصعيدًا بعد هجمات السفارتين الأمريكيتين عام 1998 التي أسفرت عن مقتل 224 شخصًا وإصابة أكثر من 4000، ما أدى إلى قصف مصنع الشفاء في الخرطوم بحري، الذي اتهمته واشنطن بإنتاج مواد لصناعة أسلحة كيميائية، فيما نفت الحكومة السودانية الاتهامات وأكدت أن المصنع مدني.
مع هجمات 11 سبتمبر 2001، أصبحت مكافحة الإرهاب أولوية قصوى للولايات المتحدة، ما دفع لإعادة تقييم العلاقات مع السودان الذي قدم معلومات استخباراتية هامة عن عناصر القاعدة وشبكاتها المالية والتنظيمية، بما في ذلك بيانات جوازات السفر والتحويلات المالية والاتصالات الهاتفية. توسع التعاون الاستخباري بشكل ملموس، وشمل تبادل المعلومات العملياتية بين CIA وFBI ووزارة الخارجية الأمريكية منذ 2000، بالإضافة إلى التعاون في سياق دارفور (2005–2007) رغم الفضائح الحقوقية، ومراجعة اتفاقيات التعاون عام 2014، مع استمرار تبادل المعلومات حول داعش والجماعات الإرهابية الحديثة بين 2016 و2017. في 2021، أطلقت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي مشروع Counter‑Terrorism Partnership في الخرطوم لبناء القدرات الوطنية، واستمر التعاون حتى بعد انقلاب أكتوبر 2021 والنزاعات الداخلية بين 2023 و2025، مع تعزيز القدرات المحلية.
على الصعيد الإقليمي، أقام السودان علاقات محدودة مع حركة حماس خلال التسعينيات وأوائل العقد الثاني من الألفية، مكنته من مراقبة تسهيل شحنات أسلحة محتملة إلى غزة، كما وسّع علاقاته مع جماعات إقليمية مثل حركة الشباب الصومالية وبوكو حرام. علاوة على ذلك، تولت السودان قيادة الاتحاد الإفريقي لأجهزة الأمن والمخابرات (CISSA)، مما عزز موقعها كحلقة وصل مهمة لتبادل المعلومات الإقليمية.
الأهداف المشتركة تمثلت في حماية الولايات المتحدة لمصالحها الاستراتيجية ومنع توسع الإرهاب العابرة للحدود، بينما سعى السودان إلى تحسين العلاقات الدولية، تخفيف العقوبات، والمشاركة في مكافحة الإرهاب الإقليمي مع الحفاظ على مصالحه السيادية. واجه التعاون تحديات تشمل ضعف الثقة المتبادلة، القيود القانونية والسياسية، انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور، الهجمات الإرهابية، وانقسامات داخلية بين الجيش والحركة الإسلامية، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية الناجمة عن العقوبات.
أسهم التعاون الاستخباري في تمكين الولايات المتحدة من تبادل معلومات دقيقة حول القاعدة وحماس وبعض الجماعات الإقليمية، مما سمح بتنفيذ عمليات استباقية لمنع الهجمات محليًا وإقليميًا. رغم القيود والعقوبات، ساهمت الوساطة غير الرسمية والمرونة في تعزيز فاعلية التعاون. الأحداث الكبرى مثل هجمات السفارتين الأمريكيتين 1998، قصف مصنع الشفاء، وهجمات 11 سبتمبر 2001 كانت نقاط تحول محورية أعادت تشكيل الاستراتيجيات الأمريكية وزادت من عمق التعاون الاستخباري مع السودان.
في الخلاصة، تطورت العلاقات السودانية–الأمريكية من عداء واتهامات إلى تعاون مشروط قائم على تبادل المعلومات الاستخباراتية. لعبت الوساطة، مراجعة الاتفاقيات، وعروض تسليم المطلوبين دورًا حاسمًا في تحسين الأداء السوداني في مكافحة الإرهاب والتحولات السياسية الداخلية، مما يوفر قاعدة مهمة لتحليل السياسات الأمنية الإقليمية والعلاقات الاستخباراتية بين الدول، مع مراعاة التأثيرات الداخلية والإقليمية على استدامة هذا التعاون.
النص الكامل للمقال
المقدمة
شكّل انقلاب 30 يونيو 1989 في السودان، الذي قاده ضباط في القوات المسلحة بقيادة عمر حسن أحمد البشير وبدعم مباشر من الجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن عبد الله الترابي، نقطة تحول تاريخية في طبيعة الدولة السودانية وعلاقاتها الإقليمية والدولية. فقد أدى هذا الانقلاب إلى إسقاط الحكومة المنتخبة برئاسة الصادق المهدي وإقامة نظام سياسي ذي توجهات إسلامية أيديولوجية، تبنى مشروعًا سياسيًا يهدف إلى إعادة صياغة الدولة السودانية وفق رؤية الحركة الإسلامية السودانية التي كانت تسعى إلى بناء نموذج للحكم الإسلامي يمكن أن يمتد تأثيره إلى العالم الإسلامي الأوسع (Berti, 2015; De Waal, 2010).
خلال السنوات الأولى من حكم النظام الجديد بين 1989 و1993 شهد السودان تحولات عميقة في سياساته الخارجية والأمنية، حيث سعت الحكومة الجديدة إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات مع الحركات الإسلامية المختلفة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى. وقد تجسد ذلك في استضافة السودان لمؤتمرات وملتقيات جمعت قيادات من جماعات إسلامية متعددة، إضافة إلى فتح المجال أمام بعض الشخصيات المرتبطة بالحركات الإسلامية الدولية للإقامة والعمل في السودان (Cimbala, 2010; Wright, 2006).
أحد أبرز هذه التطورات كان وصول أسامة بن لادن، مؤسس تنظيم القاعدة، إلى السودان عام 1991 بعد مغادرته أفغانستان نتيجة الضغوط التي تعرض لها في المملكة العربية السعودية بسبب مواقفه المعارضة لوجود القوات الأمريكية في الخليج بعد حرب الخليج الأولى عام 1991. وقد أقام بن لادن في السودان حتى عام 1996، حيث أسس عددًا من الشركات الاستثمارية والمشروعات الزراعية والإنشائية التي عملت كغطاء اقتصادي لنشاطات شبكة القاعدة في تلك الفترة (Wright, 2006; Bergen, 2011).
تشير بعض التقديرات إلى أن بن لادن استثمر خلال إقامته في السودان ما بين 20 و50 مليون دولار في مشاريع مختلفة شملت شركات إنشاءات ومزارع ومؤسسات تجارية في الخرطوم وولاية الجزيرة وولاية كسلا، كما ساهم في إنشاء طرق ومشاريع زراعية استخدمت جزئيًا لتسهيل حركة عناصر القاعدة داخل السودان وخارجه (Bergen, 2011; Wright, 2006).
في الوقت نفسه أصبحت الخرطوم مركزًا سياسيًا لنشاط الحركات الإسلامية الدولية من خلال تأسيس المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي عام 1991، وهو إطار تنظيمي دولي سعى إلى جمع الحركات الإسلامية والقومية المناهضة للنفوذ الغربي في إطار شبكة سياسية وفكرية مشتركة. وقد شاركت في اجتماعات هذا المؤتمر شخصيات وتنظيمات من أكثر من أربعين دولة، بما في ذلك ممثلون عن حركات إسلامية من مصر والجزائر وفلسطين ولبنان واليمن والصومال وأفغانستان (Berti, 2015).
هذا النشاط الدولي الواسع أثار قلق الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية، خاصة بعد ظهور تقارير استخبارية تشير إلى أن السودان أصبح نقطة التقاء لعدد من الشبكات الجهادية التي كانت تنشط في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي. ونتيجة لذلك قررت وزارة الخارجية الأمريكية في 12 أغسطس 1993 إدراج السودان رسميًا على قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهي قائمة تشمل الدول التي يُعتقد أنها تقدم دعمًا مباشرًا أو غير مباشر للجماعات الإرهابية الدولية (U.S. Department of State, 2001).
أدى هذا التصنيف إلى فرض قيود واسعة على العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية بين الولايات المتحدة والسودان، بما في ذلك حظر المساعدات الاقتصادية الأمريكية وفرض قيود على صادرات الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية إلى السودان. كما مهد هذا القرار الطريق لاحقًا لفرض عقوبات اقتصادية شاملة في نوفمبر 1997 بموجب الأمر التنفيذي رقم 13067 الذي أصدره الرئيس الأمريكي بيل كلينتون (De Waal, 2010; U.S. Treasury, 1997).
على الرغم من هذا التصعيد السياسي استمرت بعض الاتصالات غير الرسمية بين الأجهزة الأمنية في البلدين، خصوصًا في منتصف التسعينيات عندما بدأت الولايات المتحدة في جمع معلومات حول نشاط تنظيم القاعدة وشبكاته الدولية. وتشير تقارير عديدة إلى أن جهاز الأمن السوداني قدم في تلك الفترة بعض المعلومات المحدودة حول نشاطات القاعدة في السودان قبل مغادرة بن لادن البلاد عام 1996 (Rose, 2002; Wright, 2006).
غير أن العلاقة بين البلدين شهدت تصعيدًا كبيرًا بعد هجمات 7 أغسطس 1998 التي استهدفت السفارتين الأمريكيتين في نيروبي بكينيا ودار السلام في تنزانيا، وأسفرت عن مقتل 224 شخصًا وإصابة أكثر من أربعة آلاف شخص. وقد اتهمت الولايات المتحدة تنظيم القاعدة بالوقوف وراء هذه الهجمات، مما أدى إلى تنفيذ عملية عسكرية أمريكية عرفت باسم عملية “الوصول اللانهائي” Operation Infinite Reach في 20 أغسطس 1998 (Wright, 2006; Bergen, 2011).
ضمن هذه العملية أطلقت البحرية الأمريكية صواريخ توماهوك على مصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم بحري، حيث ادعت الولايات المتحدة أن المصنع كان مرتبطًا بإنتاج مواد كيميائية يمكن استخدامها في تصنيع أسلحة كيميائية لصالح تنظيم القاعدة. غير أن الحكومة السودانية نفت هذه الاتهامات وأكدت أن المصنع كان ينتج أدوية مدنية، وقد أثار القصف جدلاً واسعًا في الأوساط الدولية حول دقة المعلومات الاستخبارية التي استندت إليها الولايات المتحدة في تنفيذ العملية (De Waal, 2010; Wright, 2006).
على الرغم من هذه المواجهة العسكرية المباشرة لم تنقطع الاتصالات الاستخبارية بين السودان والولايات المتحدة بشكل كامل. ففي أواخر التسعينيات بدأت تظهر مؤشرات على رغبة الخرطوم في تحسين علاقاتها مع واشنطن من خلال تقديم معلومات حول الشبكات الجهادية التي كانت تنشط في المنطقة. وقد تعزز هذا الاتجاه بشكل كبير بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 التي غيرت بشكل جذري أولويات الأمن القومي الأمريكي (Braun, 2014; Augustine & Flahive, 2011).
بعد هذه الهجمات أصبحت مكافحة الإرهاب الدولي أولوية قصوى للسياسة الخارجية الأمريكية، وهو ما دفع واشنطن إلى إعادة تقييم علاقاتها مع عدد من الدول التي كانت تعتبر سابقًا خصومًا سياسيين ولكنها تمتلك معلومات استخبارية مهمة حول الشبكات الجهادية. وفي هذا السياق برز السودان كمصدر مهم للمعلومات بسبب استضافة تنظيم القاعدة خلال التسعينيات وامتلاك أجهزته الأمنية لسجلات ووثائق حول نشاطات التنظيم في تلك الفترة (Braun, 2014; Rose, 2002).
تشير بعض التقارير إلى أن جهاز الأمن والمخابرات السوداني قدم للولايات المتحدة بعد عام 2001 مئات الملفات الاستخبارية التي تضمنت معلومات عن عناصر القاعدة الذين مروا عبر السودان أو أقاموا فيه خلال التسعينيات، بما في ذلك بيانات جوازات السفر وسجلات السفر والتحويلات المالية وبعض الاتصالات الهاتفية (Braun, 2014).
من هذا المنطلق تركز هذه الدراسة على تحليل التطور التاريخي للتعاون الاستخباري بين السودان والولايات المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب الإسلامي خلال الفترة الممتدة من عام 1989 إلى عام 2021، مع التركيز على دراسة العوامل السياسية والأمنية التي ساهمت في تشكيل هذا التعاون، وكذلك التحديات التي واجهته في ظل استمرار الخلافات السياسية والضغوط الدولية على السودان.
الإطار النظري
يُعد التعاون الاستخباري بين الدول أحد أهم أدوات الأمن الدولي في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، خاصة في سياق مكافحة الإرهاب الدولي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على تبادل المعلومات الاستخبارية حول تحركات الجماعات المتطرفة وشبكاتها المالية والتنظيمية. وتشير الأدبيات في دراسات الأمن الدولي إلى أن تبادل المعلومات الاستخبارية غالبًا ما يتم حتى بين الدول التي تعاني من خلافات سياسية عميقة، وذلك بسبب الطابع البراغماتي للمصالح الأمنية المشتركة (Braun, 2014).
في هذا السياق يعرّف التعاون الاستخباري الدولي بأنه عملية منظمة لتبادل المعلومات والتحليلات والقدرات التقنية بين أجهزة الاستخبارات في دولتين أو أكثر بهدف مواجهة تهديدات مشتركة مثل الإرهاب والجريمة المنظمة وانتشار الأسلحة غير التقليدية (Cimbala, 2010).
يتخذ هذا التعاون عدة أشكال، من بينها تبادل المعلومات الاستخبارية الخام، وإجراء عمليات مشتركة لجمع المعلومات، وتقديم الدعم التقني والتدريب للأجهزة الأمنية في الدول الشريكة. كما قد يشمل التعاون السماح لأجهزة استخبارات أجنبية بالوصول إلى قواعد بيانات أو سجلات حكومية تحتوي على معلومات مفيدة في التحقيقات الأمنية (Braun, 2014).
في حالة العلاقات بين الولايات المتحدة والسودان، يمكن وصف التعاون الاستخباري بين البلدين بأنه مثال على ما يُعرف في الأدبيات الأمنية بمفهوم “التعاون بين الخصوم” adversarial cooperation، حيث تستمر بعض أشكال التعاون الأمني رغم وجود خلافات سياسية ودبلوماسية حادة بين الدول المعنية (Augustine & Flahive, 2011).
أحد العوامل الرئيسية التي تفسر هذا النوع من التعاون هو الطبيعة المعقدة للتهديدات الأمنية العابرة للحدود. فالجماعات الإرهابية مثل تنظيم القاعدة لا تقتصر أنشطتها على دولة واحدة، بل تعتمد على شبكات دولية تمتد عبر عدة دول ومناطق. ولذلك تحتاج الدول إلى التعاون مع بعضها البعض لتبادل المعلومات حول تحركات هذه الجماعات (Wright, 2006).
كما تشير بعض الدراسات إلى أن الدول التي كانت في السابق ملاذًا أو نقطة عبور للجماعات الجهادية غالبًا ما تمتلك معلومات استخبارية مهمة حول هذه الشبكات. وهذا ما جعل السودان مصدرًا مهمًا للمعلومات بالنسبة للولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر، نظرًا لاستضافة تنظيم القاعدة خلال التسعينيات (Braun, 2014).
من ناحية أخرى يلعب العامل السياسي دورًا مهمًا في تحديد حدود هذا التعاون. ففي حالة السودان كانت العلاقات مع الولايات المتحدة مقيدة بعقوبات اقتصادية وسياسية فرضتها واشنطن منذ التسعينيات، إضافة إلى الضغوط الدولية المرتبطة بالحرب في دارفور والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان التي اتهمت بها الحكومة السودانية (Flint & De Waal, 2008; De Waal, 2010).
هذا التوتر بين المصالح الأمنية والاعتبارات السياسية يمثل أحد أهم الإشكالات النظرية في دراسة التعاون الاستخباري الدولي. فالدول قد تجد نفسها مضطرة للتعاون مع أنظمة سياسية مثيرة للجدل إذا كانت تمتلك معلومات مهمة حول تهديدات أمنية خطيرة (Braun, 2014).
كما تلعب الوساطات غير الرسمية دورًا مهمًا في فتح قنوات الاتصال بين أجهزة الاستخبارات في الدول التي لا تربطها علاقات دبلوماسية قوية. ففي حالة السودان والولايات المتحدة لعب بعض الوسطاء الأمنيين والدبلوماسيين دورًا في تسهيل الاتصالات بين الطرفين خلال فترات التوتر السياسي (Rose, 2002).
بالإضافة إلى ذلك تؤثر الأحداث الكبرى مثل الهجمات الإرهابية أو النزاعات الإقليمية على طبيعة التعاون الاستخباري بين الدول. فعلى سبيل المثال أدت هجمات السفارتين الأمريكيتين في شرق أفريقيا عام 1998 إلى تصعيد كبير في التوتر بين السودان والولايات المتحدة، بينما أدت هجمات 11 سبتمبر 2001 إلى تعزيز التعاون الأمني بين البلدين رغم استمرار الخلافات السياسية (Wright, 2006; Braun, 2014).
لذلك فإن تحليل التعاون الاستخباري بين السودان والولايات المتحدة يتطلب فهم التفاعل المعقد بين العوامل الأمنية والسياسية والإقليمية التي شكلت هذه العلاقة خلال العقود الثلاثة الماضية. ويشمل ذلك دراسة دور العقوبات الاقتصادية والضغوط الدولية، إضافة إلى تأثير النزاعات الداخلية في السودان والتحولات السياسية الإقليمية على طبيعة التعاون الأمني بين البلدين.
الخلفية التاريخية
شكل انقلاب 1989 بقيادة عمر البشير بدعم الحركة الإسلامية تحت قيادة حسن الترابي نقطة محورية في مسار السياسة السودانية والعلاقات الإقليمية والدولية، حيث تحولت الخرطوم إلى بيئة جاذبة للجماعات الإسلامية المتشددة (Berti, 2015). بين 1991 و1996 استضافت الحكومة السودانية أسامة بن لادن وعناصر من تنظيم القاعدة، بالإضافة إلى جماعات مثل حزب الله وحركة الجهاد الإسلامي، ما أثار قلق الولايات المتحدة الأمريكية واعتُبر دعمًا لأنشطة إرهابية محتملة (Cimbala, 2010; Bergen, 2011). خلال هذه الفترة أُبلغت السلطات الأمريكية عن مخططات عدائية مزعومة ضد مسؤولين أمريكيين، مما ساهم في إدراج السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب في 12 أغسطس 1993 (U.S. Department of State, 2001).
إدراج السودان في القائمة صاحبه فرض قيود اقتصادية وسياسية وأمنية واسعة، بما في ذلك تجميد الأصول وحظر التجارة مع الشركات السودانية والتحكم في تصدير السلع الحساسة. وقد أدى ذلك إلى تجهيز عمليات إجلاء الأمريكيين من الخرطوم عام 1996، بعد تكرار تحذيرات استخباراتية عن مخاطر محتملة على أهداف أمريكية (Warner, 2013).
على الرغم من هذه الإجراءات، كانت بعض المصادر والمحللين الغربيين يشككون في صحة الأدلة الأمريكية حول دعم السودان للإرهاب، مؤكدين أن السودان لم يقدم دعمًا مباشرًا للهجمات الإرهابية الكبرى، ما خلق طبقة من التعقيد في صياغة السياسة الأمريكية (De Waal, 2010). في الوقت نفسه، قدم السودان عروضًا لتسليم بن لادن وغيره من المطلوبين، إلا أن الولايات المتحدة لم تستفد من هذه العروض بشكل كامل في منتصف التسعينيات (Rose, 2002; Middle East Monitor, 2017).
العقوبات الأمريكية
بدأت الولايات المتحدة في فرض عقوبات اقتصادية وتجارية وعسكرية وسفرية على السودان منذ إدراجه كدولة راعية للإرهاب عام 1993، وشملت هذه العقوبات تجميد الأصول وحظر التجارة والتحكم في صادرات التكنولوجيا الحساسة (Cimbala, 2010). في 3 نوفمبر 1997 أصدر الرئيس الأمريكي بيل كلينتون أمرًا تنفيذيًا بتفعيل سلطات تجميد الأصول وحظر العديد من التعاملات الاقتصادية مع السودان، مع تشديد العقوبات في سياق النزاع في دارفور وأعمال العنف الداخلية (Wheeler, 2018).
في 28 سبتمبر 2001 تبنى مجلس الأمن الدولي القرار 1372 الذي ألغى بعض العقوبات الدولية عن السودان بعد خطواته للامتثال لاتفاقيات مكافحة الإرهاب، مع استمرار قيود على بعض التدابير الاقتصادية (Country Reports on Terrorism, 2001). بدأت الولايات المتحدة تدريجيًا تخفيف بعض العقوبات منذ 2017، حيث سمحت وزارة الخزانة بإعادة تصدير بعض البرمجيات والأجهزة إلى السودان ضمن نهج تدريجي للتعامل مع الخرطوم (Middle East Monitor, 2017). تم إزالة السودان رسميًا من قائمة الدول الراعية للإرهاب في 14 ديسمبر 2020 بعد اتفاقات مع الحكومة الانتقالية تضمنت دفع تعويضات لضحايا الإرهاب وتعزيز التعاون الأمني (Al Jazeera, 2020).
الأحداث الكبرى والتعاون الاستخباري 1991–2000
- تأسيس المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي في الخرطوم بين 1991 و1995 لتعزيز الروابط بين الحركات الدينية والسياسية المختلفة من أكثر من أربعين دولة (Berti, 2015).
- محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في 26 يونيو 1995 في أديس أبابا، والتي ارتبطت باتهامات بدور بعض العناصر السودانية، وأدت إلى تدخل الأمم المتحدة وطلب تسليم المتهمين (Country Reports on Terrorism, 2001).
- تقديم السودان معلومات حول عناصر القاعدة منذ 1995، بما في ذلك المقابلات مع المعتقلين والسماح بالوصول إلى ملفات جهاز المخابرات السوداني، إلا أن التقديرات الأمريكية الأولية كانت متشككة في قيمتها بسبب التوترات السياسية (Augustine & Flahive, 2011).
- الوساطة غير الرسمية بين السودان والولايات المتحدة في 1996 و1997 للحصول على معلومات استخباراتية عن القاعدة وأنشطة بن لادن مقابل تخفيف العقوبات، شملت الاجتماعات مسؤولين من الاستخبارات ووزارة الخارجية الأمريكية (Braun, 2014).
- إرسال الولايات المتحدة معدات عسكرية بقيمة نحو 20 مليون دولار عام 1996 عبر دول مجاورة لدعم المعارضة السودانية ضد الخرطوم، لكن خارج إطار التعاون الاستخباري الرسمي (Ottaway, 1996).
- إغلاق السفارة الأمريكية في الخرطوم ونقل موظفيها إلى نيروبي في فبراير 1996، ما حد من وجود الاستخبارات الأمريكية في العاصمة السودانية (De Waal, 2010).
- اتهام دبلوماسي سوداني بالتورط في مخطط تفجير مبنى الأمم المتحدة في نيويورك 1996، ما زاد من حدة التوترات (Country Reports on Terrorism, 2001).
- قصف مصنع الشفاء في الخرطوم شمال بحري في 20 أغسطس 1998 بصواريخ توماهوك، بزعم ارتباط المصنع بتنظيم القاعدة، ما أدى لمقتل مدني وإصابة 11 آخرين ودمر منشأة وظفت أكثر من 300 عامل (Operation Infinite Reach, 2026; Sudan–United States relations, 2026).
- هجمات السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام في 7 أغسطس 1998، ما أسفر عن مقتل 224 شخصًا وإصابة أكثر من 4000 آخرين، وردت الولايات المتحدة بعمليات عسكرية على مواقع في السودان وأفغانستان ضمن “عملية إنفينيت ريتش” (Operation Infinite Reach, 2026).
- اتهام السودان بدعم عناصر مرتبطة بهجوم المدمرة كول عام 2000 في ميناء عدن باليمن، ما زاد الضغط الدبلوماسي الأمريكي على الخرطوم (USS Cole, 2026).
- بدء الجولة الأولى من الحوار الرسمي بين الولايات المتحدة والسودان في مايو 2000 لتعزيز التعاون الأمني والتفاوض حول مكافحة الإرهاب وتخفيف العقوبات تدريجيًا، وشملت بنود تبادل المعلومات الأمنية (Braun, 2014).
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم