التعليم (الأخيرة)

التجربة الفنلندية
د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهدي
مقدمة
هل انتابك شعوراً ما بالعودة الي أيام المدرسة؟ ولا أشك بأن كل الإجابات عن هذا السؤال تتركز في أو على الأرجح هي بلا تردد “لا”، وتكون اجابتك “بنعم” لو كنت فقط تعيش في فنلندا وتعلمت في فنلندا.
ففي بلد مثل فنلندا يدخل الطفل المدرسة عندما يبلغ السابعة أو عمر السبعة سنوات، ولك أن تقول “أعوام” بدلاً عن “سنوات”، ولا يبذل الأبوان أو الوالدان جهداً عظيماً في البحث عن مدرسة مناسبة جيدة المستوى لأطفالهم مقارنة بالدول أو بالبلدان الأخرى، وذلك لأن جميع المدارس في فنلندا تتميز بنفس المستوى العالي وكلها مجانية لا رسوم فيها.
ونجد الطالب يقضي معظم وقته أو جل يومه الدراسي في القراءة أو في المناقشة، مناقشة زملائه الطلاب ومناقشة معلميه وأساتذته أو اللعب معهم، ولا يعود الي البيت وهو يحمل الواجبات المثقلة التي تهد حيله وتثقل عاتقه بلا طائل يرجى من وراءها، وهو لا يجلس لأي اختبارات ذات قيمة أو ذات أهمية حتى يبلغ المرحلة الثانوية.
هذا جيد جداً، ولكن، هل أو كيف سيتعلم هذا الشبل أي شيء؟ لا شك بأنه أقل بدرجات ودرجات في مستواه مقارنةً بالأطفال الآخرين!
ولكن، المفاجأة!
ويا لها من مفاجأة!
ان الأشبال أو الأطفال الفنلنديين يحرزون درجات أعلى من باقي أو من جل أطفال البلدان الأخرى أو من أشبال العالم في الامتحانات الكونية. ففي اختبار (PISA) على سبيل المثال، وهو عبارة عن اختبار دولي في القراءة وفي الرياضيات وفي العلوم، فدائماً ما يحتل الفنلنديين البنين منهم المركز السابع دولياً، أما الفنلنديات فهن دائماً يجئن في الصدارة، والسؤال الأهم هو، كيف نجحت فنلندا في هذه المعادلة الدقيقة؟
انها حياة يسيرة وإنها لسهلة خالية تماماً من الاختبارات ومن الواجبات، وفي نفس الوقت نجدهم طلاب متفوقون ودرجاتهم عالية مشرفة… فما هو سر هذه المعجزة الفنلندية؟
يعتبر الطالب أو التلميذ في نظام التعليم الفنلندي بمثابة أولوية قصوى وهو الأهم، فيتم التركيز والاهتمام أكثر بأن تكون العملية التعليمية ممتعة للأطفال وجذابة وكأنها نزهة، بدلاً من الاهتمام والتركيز على المعلومات وعلى حشوها حشواً، تلك التي يجب أن يتعلمها الطالب أو التلميذ أو الطفل.
ولما ذكر، لا يتم التركيز على نظام الاختبارات أو نظام التقييم، ولكنهم يحاولون إعطاء الطفل منهجاً متكاملاً للنمو، يضم ويحتوي على الرياضة وعلى الفنون وعلى المسرح والموسيقي، كما يضم العلوم والتاريخ والرياضيات.
والكل يعرف بأن الأطفال يحبون اللعب حباً جما، ولهذا نجد اعتماد تعليمهم في دولة فنلندا على الاكتشاف الحر للمعلومات في اثناء لعبهم أو وهم يلعبون أو أثناء ممارسة أنشطتهم. وعندهم تعمل الفصول الدراسية على تشجيع التعاون بدلاً عن التنافس بين التلاميذ، فيحس كل طفل وتغمره الشجاعة فيندفع للمشاركة في المجموعة وفي التعاون، فتنمو في الطفل روح التعاون وروح التعاضد والتواصل.
ونلاحظ في فنلندا العلاقة الحميمية والشخصية بين المدرسين والأطفال، فلا يمثل المدرس مصدر سلطة جبارة متسلطة ولا هو مصدر خوف ورعب لهم، ولكنه أقرب إليهم كصديق وكأخ جميل، يقضي أوقات الاستراحة مع تلاميذه، وينادونه باسمه الأول دون عُقد ولا تعقيدات.
ومقارنة بالبلدان الأخرى يأخذ الفنلنديون الوقت الكثير والوقت الوفير في الاستراحات وفي الراحات، حيث تصل عمر الفسحة الي ساعة وربع الساعة، موزعة على مدار اليوم، وهذا يساعد التلاميذ على التركيز أكثر، وتقوم المدرسة بتوفير غذاءً متوازناً، يضمن الحفاظ على مستويات الطاقة على مدار اليوم.
والشيء الجديد في الفصول الدراسية الفنلندية يكمن في أنها لا تتكون من المكاتب المألوفة المملة للفصل الدراسي التقليدي، ولكنها تتكون من أشياء كثيرة متعددة أخرى قابلة لأن يتم تحريكها وأن يتم اعادة ترتيبها، ككراسي البين باغ وطاولات بأحجام متباينة وبعض الألعاب.
وفي بعض الأحيان يجلس التلاميذ أو التلميذ مفترشاً الأرض على حسب الحالة التي يريدها المعلم في فصله وبالأسلوب الذي يضمن الراحة للطلاب وبالطريقة التي تكسر الملل وتبدده.
ولكننا لا نقول بأن راحة التلاميذ هي كل شيء وهي التي تضمن وحدها أن يتعلم التلاميذ بأمثل الطرق، ولهذا نجد اهتمام فنلندا الشديد بالجانب الآخر لعملية التعليم وهو المعلم.
ولكن ليس من السهل واليسير أن تصبح معلماً في فنلندا، فعليك أن تكون حاصلاً على درجة الماجستير، ولكن من بين كل عشرة متقدمين في هذا الحقل، يتم قبول واحد فقط من بينهم لا أكثر، وبهذه الطريقة نجدها مهنة رفيعة في المجتمع كالهندسة وكالطب وكالمحاماة تماماً أو تفوقهم أهمية ومكانة.
ولأنهم، المدرسون، أكفاء كفاية يُترك لهم حرية تصميم المناهج بالطريقة التي يرونها هي الأنسب، ولا يوجد في فنلندا منهج وطني يدرسه الجميع، والأعجب من ذلك، أنك تجد معلمان في مدرسة واحدة يدرسان منهجاً واحداً بطريقة مختلفة، ولكن، بالطبع يجب أن يدرس الاثنان مجموعة أساسية من المواضيع العامة أو الخطوط العريضة.
وأيضاً لا نجد امتحانات عامة على المستوى القومي قبل بلوغ المرحلة الثانوية، ولا ترزح المدارس تحت الرقابة المباشرة ولا يكون هناك زيارات تقييم من قبل مسؤولي الحكومة، وانما يترك أمر التعليم وشأن التدريس للمعلمين وللمدرسين باعتبارهم مهنيين ذوي تعليم عالي رفيع، بالضبط مثلما يترك أمر ممارسة الطب للأطباء في عياداتهم الخاصة بعد أن يصيروا مؤهلين لذلك.
وفي فنلندا، يعمل المعلمين في المتوسط ساعات أقل كثيراً مقارنة بمعلمي البلدان الأخرى، حيث يعملون حوالي 32 ساعة في الأسبوع، بينما يعمل نظراؤهم في الدول الأخرى حوالي 40 ساعة، وفي بعض الدول الأخرى قد يصل عدد الساعات الي 60 ساعة في الأسبوع الواحد. وهذه الساعات القليلة تساعد الفنلنديين في عملية التركيز على نموهم الشخصي وأيضاً تساعدهم في تحسين أدائهم في المدرسة.
وبسبب ترك أمرها في أيدي المعلمين أو المدرسين، تتميز المناهج بالمرونة المطلوبة والمرغوبة. وتركز المدارس في فنلندا على تعليم التلاميذ بصورة متكاملة، فلا تقوم بعزل كل علم عن بقية العلوم، ولا يتم تدريس التلميذ الرياضيات والفيزياء والكيمياء بطريقة تلقينيه إيداعيه تقليدية، ولكن يتم تقديم هذه المواد للتلاميذ وهي مترابطة مع الحياة العملية.
وجل اهتمام المناهج وتركيزها يكون على المهارات أكثر من أن يكون على المعلومات، وتطرح مسارات مرنة للتلاميذ، فبدلاً من أن يختار التلميذ أو الطالب دخول المرحلة الثانوية الفنية وعمره 15 عاماً، فيتم تحديد مستقبله بناءً ووفقاً لهذا القرار المبكر، يستطيع الطلاب الفنلنديين أو في فنلندا التحرك من نظام الي نظام آخر، ولهم الحق في العودة للنظام الأول مجدداً أو دراسة مادة فنية الطلاب أو الطالب في حاجة اليها بين مواد نظرية أخرى والعكس.
وبفضل هذا النظام غير التقليدي للتعليم، بلغت فنلندا المركز الأول في التعليم في مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة مناصفةً مع الدنمارك وأستراليا ونيوزيلندا. واستطاعت كذلك فنلندا أن تنجز وتحقق نظاماً يؤدي وظيفته بكفاءة عالية، ويكون ممتعاً للأطفال أو للطلاب، ومجانياً في ذات الوقت.
هل ترى نظام التعليم الفنلندي قابلاً للتطبيق في بلادك؟
يقول الدكتور عبد الله العمادي (2023)، لقد أدهشني ولفت انتباهي ما قاله أو ما صرح به أحد معلمي الرياضيات في إحدى الدول الاسكندنافية من تصريح يتعلق أو على علاقة ببرامج دولي يهتم بتقييم طلاب المدارس، حيث نوه أو قال… “نجلب أبنائنا الطلاب من أجل أن يتعلموا كيف يجنون المعلومات، ولا نعلمهم كيف يجتازون الاختبارات وينجحون فيها. ولهذا فنحن غير مهتمين جداً بهذا البرنامج الدولي المهتم بتقييم الطلاب أو الطلبة. فهو لا يهتم ولا يأخذ بالحسبان ما نفعله وما نقوم به لتهيئة طلابنا”.
هم يُعلّمون طلابهم كيف يحصلون على المعلومات أو كيف يحصلون على المعرفة ويزيدونها، ولا يعيرون التنافس أي أهمية ولا أي اهتمام، فهم لا يعلمون طلابهم كيف يجتازون الاختبارات، وذلك لأنهم يعلمونهم التعاون والتواصل لا التنافس والتنافر.
بكل بساطة، هذه هي فلسفة التعليم عندهم في جمهورية فنلندا الجميلة، وطن الخمسة ملايين نسمة، والتي تقع أو تغطي لها مساحة من الكروية هناك في أقصى شمال أوروبا، وهي الوطن الرؤوم الذي وضع التعليم في قمة استثماراته أو في أول قائمة أولوياته، فالتعليم أهم اهتمامات هذا الوطن.
ولذلك هم أو مدارسهم دائماً هي الناجحة ودائماً هي المتفوقة في التقييمات العالمية والدولية. والسبب وراء هذا التفوق بسيط وفي غاية البساطة ويكمن في أنهم لا يحضرونهم، أي لا يحضرون طلابهم، لمثل هكذا تقييمات وهكذا منافسات، ولكن طريقتهم في التعليم وفي التعلم تتسم بالتشويق وبالتحفيز فهي طريقة جذابة وهي طريقة مشجعة لدرجة لا توصف، وهذا ما يجعلهم متفوقين تلقائياً على أقرانهم، حيث لا يوجد هنا تكلف ولا تصنع ولا يوجد هناك أجواء متوترة ولا قلق يحيطها، ولكن هناك غياب لكل المشاعر المصاحبة لمسألة الاختبارات والامتحانات والتقييمات.
هذه بكل اختصار هي فلسفتهم التعليمية، هي ببساطة فلسفة تعليم هذه الدولة الواعية، وبالتالي لا عجب إن رأيت طلاب مدارسها في التقييمات العالمية متفوقين وفي الصدارة، ليس لأنه يتم تحضيرهم مسبقاً لتلك التقييمات، بل لأن طريقة جذبهم وتشويقهم للعلم وللتعلم في مدارسهم، تجعلهم يتفوقون تلقائياً دونما حاجة للتكلف ولا حاجة للتصنع وخلق أجواء من التوتر ومن القلق وغيرها من مشاعر مصاحبة لمسألة الاختبارات ولتلك التقييمات. وعلينا أن نعرف التالي من صورة حية…
“لا تجد المدارس بأسوار عالية بل بعضها دون أسوار، ما يجعل الطلاب يتلقون تعليمهم بأريحية وفي أجواء لا تختلف كثيراً عن أجواء منازلهم، ولا شعور بالاغتراب وهم في مدارسهم يجعلهم ينتظرون بفارغ الصبر الانتهاء.”
المساواة في نظام التعليم
بلمحة خاطفة على التعليم الفنلندي، نكتشف بأن كل الحرص مركز على التعليم النوعي وليس الكمي، وهذا التعليم متاح للجميع، فلا تمييز بين فقير وغني، ولا تفريق بين مواطن فنلندي وآخر أجنبي، فليس هناك اعتبار لدين ولا لعرق ولا للون، فالكل متساوون، والمبدأ هو التعليم للجميع.
ولهذا تغيب المدارس الخاصة تماماً في هذا البلد، ونسبةً، أيضاً، لهذه المساواة في عرض وتقديم التعليم النوعي والامكانيات والوسائل، نلحظ ان كل المدارس تتشابه في مستوياتها، فالأهالي في البيوت نجدهم في غير حاجة لاستجلاب معلمين خصوصيين ولا يواجهون الحيرة ولا الضياع في اختيار المدرسة المناسبة.
إذ ليس هناك ما يستدعي تسجيل طالب في مدرسة بعيدة عن بيته وعن مكان اقامته الدائمة، ما يجعل غالبية الطلاب تنتقل وتمشي لمدارسها سيراً على الأقدام وهي مرتاحة في الجيئة وفي الذهاب، ويؤدي ذلك الي تخفيف زحمة السيارات بالشوارع والاختناقات المرورية، بالإضافة إلى ترسيخ قيمة مهمة في نفوس الطلاب متمثلة في اعتبار المدرسة جزءاً من الحي السكني وجزءاً من بيئتهم ومن وجدانهم.
وهناك أمر جد ملفت للنظر وللانتباه، حيث المدارس بلا أسوار عالية مرتفعة كالسجون، وبعضها بدون أسوار نهائياً، وهذا بدوره يخلق بيئة تعليمية جاذبة، فالطلاب يتلقون دروسهم بأريحية وفي أمان منقطع النظير، ويحسون وكأنهم في منازلهم ولم يغادروها، فالأجواء هنا هي نفسها الأجواء هناك، وينعدم نهائياً شعورهم بالاغتراب وعدم الانتماء وهم في بطون مدارسهم وفي حضنها الرؤوم، فلا ملل ولا نفور، بل حب وانتماء وتعلق بمدارسهم تعلقهم بمنازلهم.
الأولوية الأولي للطالب
أبداً لا نتردد عندما نشير الي أن الطالب هو محور العملية التعليمية، فالطالب هو مركز كل الأنشطة وكل الممارسات التعليمية، حيث يهدف التركيز عليه إلى جعله متعلماً نشيطاً فعالاً، وعندما نقول إن الطالب هو أساس العملية التعليمية، فلأنه حقيقةً هو كذلك قولاً وفعلاً وجوهراً.
فالتعليم الأساسي للطالب أو للتلميذ يبدأ عندما يبلغ سن السابعة، وذلك لإيمان الفنلنديين وليقينهم التام بأن التلميذ له كل الحق في أن يعيش مرحلته الطفولية خلال سنواته الست الأولى في عمره، وعلينا ألا نعمل على الدفع به في التعليم مبكراً وهو لم يتم تهيئته بعد لذلك، لإيمانهم القوي أن تلك السنوات الأولى أو الست الأولى، إنما هي للعب وانما هي للتعرف على الآخرين وللتعرف على البيئة المحيطة وللإجابة عن تساؤلاته وغير ذلك من أمور هو في أمس الحاجة اليها.
ويرون وفقاً لذلك بأنهم غير عاجلين وغير مستعجلين وليسوا في عجلة من أمرهم، فالأطفال بكل تأكيد يتعلمون بشكل أفضل وبصورة مثالية متما صاروا مهيئين لذلك، فلماذا نعمل على اثارت مخاوفهم وخوفهم وقلقهم ونملئهم توتراً منذ نعومة أظفارهم وفي سنيهم المبكرة؟ هكذا هي قناعات هؤلاء القوم، وما أطيبها قناعة، وما اروعها قناعة، ويا وجاهة السؤال.
هكذا هو فهمهم للموضوع ببساطة وبدون تكلّف ولا تكليف. حتى إذا ما وضع طالبهم أو تلميذهم خطواته الأولي في التعليم الأساسي لفترة تسع سنوات متصلة غير متقطعة من خلال نظام المدارس الشاملة، والتي تبلغ تقريباً الثلاثة آلاف مدرسة وتستقبل نصف مليون طالب وطالبة أو تلميذ وتلميذة، أخذ يتكيف ويحيا أجواء التعلم الحقيقية والاستمتاع بها غاية الاستمتاع، من خلال تعلم كيف عليه الوصول الي المعلومة في سبيل التعلم، وليس من أجل الاختبار ولا من أجل الامتحان والتنافس.
يعيش الطالب على الأقل حوالي الست أعوام مع مدرس واحد فقط، ويعمل هذا المعلم عادة بتدريس غالبية المواد الدراسية لطلابه، وبذلك يصبح هذا المعلم أو هذا المربي أب ثان لطالبه، ولا نكون قد بالغنا إذا قلنا بأنه يعرف تلميذه ربما أكثر بكثير من والده الحقيقي ومن أبيه الذي رباه ويربيه.
وهذه الطريقة تجعل الطالب مستقراً ويعيش استقراراً نفسياً، يفهم شخصية معلمه ومعلمه، من ناحيته، يفهم شخصية طالبه ويعرف ما يحب وما يكره، فليس على الطالب أن يتعامل مع ستة معلمين كل يوم لعام دراسي كامل، ومع أولئك الذين قد يتبدلون العام القادم، وبهذا يجد نفسه في رحلة سنوية غير مستقرة، ينتقل فيها من يد إلى يد مختلفة وهكذا معمعة عدم الاستقرار..
ويتعلم الطالب الفنلندي ضمن مجموعات في الفصل، تحت قيادة مدرس أو معلم يتعامل مع طلابه وتلاميذه الذين لم يبلغوا ولم يتخطون سن العشرين بعد، مع غياب أي تمييز بين الطلاب أو بين التلاميذ، لا من حيث الدين ولا من حيث العرق ولا من حيث المستوى الاجتماعي أو الأكاديمي.
يتعامل معهم وهم متساوون، سواسية كأسنان المشط، يفهم طلابه مع مرور الوقت تدريجياً، ويقترب منهم ويتعرف على إمكانياتهم وعلى قدراتهم في القراءة وفي الكتابة وفي الحساب وفي التفكير وفي التعامل وغيرها وغيرها من مهارات ومن صفات ومن خصال.
ويعمل على تعزيز الخصال الجيدة منها ويدعمها ويساعد على تنميتها، ويجتهد في تصحيح السلبي منها أو تلك التي تحتاج للتعديل وللتقويم. ومن ثم يتجه نصفهم، أي نصف طلاب المدراس الشاملة، إلى التعليم الفني والنصف الآخر يواصل في اكمال الثانوية لعامين، ثم يعملون على الإعداد في السنة الثالثة لامتحانات الشهادة الثانوية العامة والقبول بالجامعات.
وبداية اليوم الدراسي بالنسبة لطلاب التعليم الأساسي يكون في الثامنة والنصف صباحاً، ومجموع ما يحصلون عليه من الحصص اسبوعياً عبارة عن 20 حصة دراسية، وذلك بمعدل 45 دقيقة للحصة الواحدة. أي يقضون خمس ساعات بالمدرسة، ومن ضمن هذه الساعات الخمسة ساعة للغداء، وتُلزم كل مدرسة بتقديم وجبة غداء ساخنة لطلابها ولتلاميذها، في الوقت الذي يقضي فيه طلاب الثانوية حوالي ست ساعات بالمدرسة يومياً.
المدرس ونظام دمج المواد الدراسية
ولعلنا هنا لا نتجاوز الثورة المعلوماتية والتقنية وتأثيرها على التعليم في فنلندا، حيث جعلت نظرة الفنلنديين للتعلم مختلفة وتختلف عما كانت عليه في الماضي وتختلف أيضاً عن نظرة كثير من دول العالم، بعدما طفحت على السطح أهمية توظيف التقنية في التعليم وفي عملية التعلم، مما يجعل الهدف الرئيسي من قضاء التلاميذ والطلاب ساعات وأيام وأسابيع وسنوات في المدارس الفنلندية هو كيفية الوصول والحصول على المعلومة وكيفية تحليلها، وكيفية الاستفادة منها في حياتنا بصورة عامة مع علوم أخرى مدمجة.
((المعلم في النظام التعليمي الفنلندي بشكل عام، له مطلق الحرية في اختيار الطريقة أو الأسلوب الذي يراه في تعليم طلابه بحسب احتياجاتهم. والأهم من كل ذلك، أن للمعلم مكانته وتقديره في النظام والمجتمع بشكل عام؛ إذ إنهم يحملون الماجستير في التعليم، مع التركيز على المهارات التربوية)).
وبسبب آثار ثورتي التقنية والمعلومات، أصبح النظام التعليمي الفنلندي يجتهد ويكد من أجل بناء شخصية مستقلة للطالب حتى تساعده على التعليم والتعلم الذاتي بدلاً من التعليم المعتمد كلياً على المدرسة، مما أدي ذلك الي جعل المناهج التعليمية تخلو من الحشو ومن الاسفاف ومن كثافة المحتوى، ولكنها تعمل على تقديم زبدة العلوم التي تساعد في بناء قدرات التلاميذ والطلاب على فهم وعلى استنباط المعلومات والقدرة على تحليلها.
ولعل ما يدفع ويحفز الطلاب على اكتساب المعرفة بدلاً من حشو المعلومات في الأذهان حشواً من غير فهم ولا افهام، هو قلة الاختبارات والامتحانات وعملية التقييم. وتعتبر هذه نقطة جوهرية وأساسية في الفلسفة التعليمية الفنلندية.
ولا تحتاج وقتاً طويلاً لترى بأم عينيك ما يُعرف بنظام الدمج بين المواد الآن في النظام المدرسي الفنلندي. ويتشكل ذلك مثلاً في إلغاء تدريس مواد الفيزياء والرياضيات والأدب والتاريخ والجغرافيا، منفصلات كلاً على حدة كالجزر المعزولة. وهي في الحقيقة وللتاريخ، جرأة نادرة في التفكير بخصوص ما هو الأفضل في مجال التعليم، وما هو الذي يتناغم ويتناسب مع تطور وتقدم العالم من حولنا.
وقد رأي المسؤولون الفنلنديون أن هناك مدارس حتى يومنا الآني تعلم تلاميذها بالأساليب القديمة العتيقة غير المواكبة، التي كان لها صيت وكان لها علو كعب في بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي، ولكنها أصبحت متخلفة وصارت غير قادرة على مسايرة المتطلبات الحديثة، وبدلاً من تدريس كل مادة منفصلة منعزلة عن أخواتها، تم الشروع في تنفيذ برنامج أو نظام الدمج، بحيث يتم تعليم أو تدريس التلاميذ الظواهر والأحداث بشكل الجمع والتكامل بين المواد الدراسية.
ومثالاً، يتم دراسة الحرب العالمية الثانية من منظور التاريخ والجغرافيا والرياضيات، أو يحصل التلاميذ أثناء دراسة منهج العمل في مقهى أو مطعم أو متجر، على معرفة شاملة باللغة الإنجليزية وأسس الاقتصاد ومهارات الاتصال، وهكذا.. وهكذا…
وعلى التلميذ أو لزاماً عليه في هذا النظام، أن يختار بنفسه وبمحض ارادته أي موضوع أو أي ظاهرة من أجل دراستها ضمن عمل مشترك في مجموعات صغيرة، وذلك انطلاقًا من الحاجة لها أو اليها في حياته أو حياتهم المستقبلية. وهذا النظام معمول به أو يُعمل به ومطبق في المرحلة الثانوية بشكل جلي وصريح، بعد تدريب المعلمين أو المدرسين على هذا النوع من التعليم التكاملي.
وللمعلم في النظام التعليمي الفنلندي بصورة عامة، له مطلق الحرية في اختيار الطريقة أو الأسلوب الذي يراه مناسباً في تعليم طلابه وذلك حسب احتياجاتهم وحسب متطلباتهم.
والأهم من كل ذلك، وفوق كل ذلك، مكانة المعلم والتقدير والاحترام الذي يجده، وله عالي المكانة وساميها في النظام وفي المجتمع بشكل عام؛ فهؤلاء المعلمين في هذا النظام يحملون درجة الماجستير في التعليم، مع التركيز على المهارات التربوية، وعلى وجه الخصوص مدرسي ومعلمي التعليم الأساسي، الذين يتعبون والذين يجتهدون في اجتياز اختبارات عدة وعديدة في سبيل الحصول على إجازة وعلى الموافقة لهم بالتدريس، وذلك من أجل ضمان وجود حب حقيقي للمهنة، وشغف عظيم بها قبل تسليمهم أمانة تعليم وأمانة تدريس الطلاب. ومن هنا نفهم “لماذا لا يدخل كلية التربية في فنلندا إلا فقط النوابغ من مخرجات الثانوية، وأصحاب أعلى المعدلات والدرجات”.
ما هي المبادئ الرئيسية لنظام التعليم الفنلندي؟
ولعل ما يميز نظام التعليم الفنلندي ومنهاجه عن مناهج البلدان الأخرى هو اعتماده على عدة مبادئ رئيسية، وهذه المبادئ هي…

  1. المساواة الشاملة والقدرة على الحصول على تعليم عالي الجودة
    تؤمن فنلندا ايماناً لا يتزحزح بحق كل طفل في التعليم، بغض النظر عن وضعه الاجتماعي وعن وضعه الاقتصادي، حقه الكامل في الحصول على تعليم جيد وعالي الجودة.
    وفي فنلندا يتم تمويل التعليم العام بالكامل، من مرحلة ما قبل المدرسة وحتى المرحلة الجامعية، مع توفير كل الوجبات وأيضاً هناك الرعاية الصحية والنقل وذلك لضمان تكافؤ الفرص لجميع التلاميذ.
  2. تفضيل الرفاهية على المنافسة
    ودائماً نجد أن التعليم الفنلندي يعطي الأولوية لرفاهية التلاميذ ولا يركز على المنافسة بينهم. فقد تم تصميم المدارس بالطريقة التي تعزز البيئة الداعمة وتلك الخالية من الإجهاد حتى يستطيع الطفل أن ينمو بشكل طبيعي وشامل ومتكامل.
    وتتيح أحجام الفصول الصغيرة وكذلك فترات الاستراحة الوفيرة للأطفال الفرصة أو المجال المناسب حتى يتعلمون بالسرعة التي تناسبهم دون أي ضغوط.
  3. احترام مهنية المعلم واستقلاليته
    يمتاز المعلمون الفنلنديون بأنهم مهنيين مؤهلين تأهيلاً عالياً يستحق الوثوق بهم في اتخاذ القرارات المرتبطة بفصولهم الدراسية.
    ولا بد أن يكون جميع المدرسين من حملة شهادة الماجستير، ويتمتعون باستقلالية كبيرة في تصميم خطط الدروس التي تشبع المعايير القومية أو الوطنية. وتخلق هذه الثقة في المدرسين ثقافة الاحترام والاحترافية.
  4. التعليم والتعلم المتمركز حول الطالب
    تركز دولة فنلندا على نهج يركز على التلميذ وعلى الطالب، ويحفز على التعلم النشط وعملية حل المشكلات والابتكار والإبداع. فبدلاً من حفظ الحقائق والمعلومات، يشارك الطلبة في مشاريع عملية وفي أنشطة جماعية تعزز التفكير النقدي والمهارات التعاونية.
  5. الحد الأدنى من الامتحانات الموحدة
    خلافاً لكثير من الدول، تعتمد فنلندا على الحد الأدنى من الامتحانات الموحدة. ودائماً يحدث التقييم الوطني الوحيد عند نهاية المرحلة الثانوية. حيث يقوم المدرسون أو المعلمون بتقييم التلاميذ أو الطلبة بشكل فردي ويقدمون ملاحظات شخصية، مما يعزز التطور والتقدم دون خلق أي ضغوطات تنافسية.

هيكل نظام التعليم
ينقسم هذا النظام التعليمي الفنلندي إلى عدد من المراحل:
• التعليم في فترة الطفولة المبكرة
وهذا يبدأ من سن عام واحد، وفي هذه المرحلة ينال الأطفال في فنلندا على التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة، وهذا يعتمد، غالباً، على اللعب فقط. والهدف من وراء ذلك هو تعزيز المهارات الاجتماعية واثارة الفضول وإتاحة الرفاهية بدلاً من التعليم الأكاديمي الذي يأخذ الطابع الرسمي.
• التعليم الأساسي (الصفوف من الأول الي التاسع)
وتبدأ هذه المرحلة في سن السابعة ويستمر لفترة تمتد الي تسع سنوات. وتمتاز هذه المرحلة بانها مجانية بالكامل، بما تحتويه من مواد مدرسية ومن وجبات ومن أنشطة لا منهجية. ويعمل المدرسون بتوجيه التلاميذ من خلال منهج شامل يشمل مواد كاللغة والرياضيات والعلوم والفنون.
• الثانوي العالي
ثم تأتي المرحلة التي تعقب مرحلة الأساس، وفيها يختار الطلبة بين التعليم الثانوي العام أو التعليم المهني. ويقوم التعليم الثانوي العام بتأهيل الطلاب للمرحلة الجامعية، في الوقت الذي يوفر فيه التعليم المهني التدريب على المهارات العملية لمهن محددة ومحدودة. ويحظى كلا المسارين بالتقدير وكل الاحترام على حد سواء ويتيحان ويوفران مسارات لمواصلة الدراسة.
• التعليم العالي
وتطرح الجامعات ومعاهد الفنون التطبيقية في فنلندا التعليم العالي للطلاب مجاناً دون رسوم دراسية للمواطنين الفنلنديين وأيضاً لطلاب الاتحاد الأوروبي/المنطقة الاقتصادية الأوروبية. وتشتهر الجامعات الفنلندية بالدقة الأكاديمية ولها شراكات مع مؤسسات في جميع أنحاء الكرة الأرضية، مما يحفز على التبادل والابتكار.

bakoor501@yahoo.com

عن د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

شاهد أيضاً

التعليم (18)

المعرفة 2/4د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهديعلم المعرفة“كلما ازدادت جزيرة المعرفة اتساعاً، ازدادت شواطئ التعجب …