التعليم في السودان (3/5)

التعليم (10)
د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
الانجليز والتعليم
بعد اتفاقية الحكم الثنائي في عام 1899م، تبنى نظام الحكم في ذاك الزمان الغابر خطة لتطوير التعليم بصفة عامة، وذلك بعد أن توقفت مسيرته إبان عمر الثورة المهدية، إلا أن التعليم الديني ظل حياً يجول بين الخلاوي البدائية ويعيش في مخيلات الكثير من السودانيين، بما يحمله من مساوئ ومن مثالب ومن سلبيات شتى وكثيرة.
وكان أن استقر رأي إدارة الحكم الثنائي أن يتم تدريجياً تقليص التعليم الديني، الذي خلفته المهدية، فقامت بإدخال بعض المواد في المدارس كمادة الحساب مثلاً، كما عمدت على تقليل عددية الطلاب الملتحقين بالمدارس، وذلك تماشياً مع نظرة سياسية فوقية متعالية، لإضعاف وكبح جماح الحركة الوطنية، المناوئة لنظام الحكم الأجنبي الدخيل، فالتعليم يمثل السلاح النافذ والماضي للحركة الوطنية.
فكلما تعلمت أعداد كبيرة من جموع الشعب، شعرت بروح الحرية تسري في دواخلها فهبت بالمطالبة بها. والتعليم يحرر الانسان ويعرفه بالحرية ويساعده على إدراك قيمتها السامية، ويدفعه الي فهمها والي حقه في نيلها وفي التمتع بها، وهذا بدوره يؤدي الي خلق طبقة متعلمة، تتنسم نسائم الحرية وتشم عبيرها الفواح، فتتحد معاً، وتتوحد ضد نظام الحكم الأجنبي، وتعمل على تقويضه وعلى رميه خارج أسوار البلاد، وخارج جسد الوطن فيتعافى الوطن.
وعليه كان التوجه المعادي، أن يكون هدف التعليم قاصراً على نفر محدود من السودانيين، الدولة في حاجة لهم واليهم لملء وظائفها الشاغرة، ولتشغيل دولاب الدولة وتدويره.
وقد تلونت أهداف السياسة التعليمية، التي صاغها الحكم الثنائي في عام 1900م بالتالي…

  1. خلق طبقة من الصناع المهرة والتي غاب حضورها في زماننا الحالي الصعب.
  2. إشاعة ونشر نوع من التعليم وسط الناس، على قدر العزم الضعيف، الذي يجعلهم على دراية بالقواعد الأولية لجهاز الدولة، وخاصة تلك التي تتعلق بعدالة وحيدة القضاء.
  3. تدريب وتأهيل طبقة من المواطنين السودانيين من أجل شغل الفراغ الموجود في الوظائف الحكومية الصغرى في جهاز الإدارة.
  4. تدريب مواطنين سودانيين لكي يحلوا ويملئون ما خلفه المصريين من شواغر ومن فراغات في الجيش بعد اجلائهم.
    وقد بقي التعليم نادراً، وظل محدوداً، وقليل الانتشار، ولا يُرى بالسهولة المعقولة، وذلك للأسباب اللاحقة المذكورة أدناه…
    1) كان يتملك ويسيطر على الناس خوف خرافي ورهيب، من انتشار التعليم المسيحي عن طريق المدارس التي تم إنشاؤها آنذاك، وصار هذا الهلع متغلغلاً في النفوس وقابعاً في الألباب ومسيطراً على النبضات، ولذلك عزف كثير من الأهالي عن إرسال أبنائهم لدور الدرس ومدرج العلم في تلك المدارس المخيفة، مما أفرز فراغات كثيرة احتضنت أبناء المصريين كبدلاء، وأصبحوا يمثلون عُشر العدد الموجود والحاضر في المدارس الأولية في 1911م، أما عددهم في المدارس الابتدائية فقد بلغ ربع العدد الكلي للتلاميذ.
    2) عدم وجود المعلمين المدربين المؤهلين.
    3) قلة الموارد المادية والمالية.
    وتحريضاً من قبل كل ما تفوهنا به في الخطوط السالفات، فقد بدأت الحكومة في العمل على توسيع رقعة التعليم في البلاد، وتجاوز الصعوبات التي تقف حجر عثرة دون تحقيق ذلك، وفعلياً تم الآتي….
    إنشاء كلية غوردون
    كان انشاءها تخليداً لذكرى القائد المخضرم غوردون، بعد موقعة أم درمان البطولية في عام 1899م، وكان أن تمثلت مبررات إنشاء هذه الكلية في التالي:
    • ايمانهم وقناعاتهم في أنه لن يتمكن ولن يفلح المواطنون السودانيون في تطوير الحكم في بلادهم وهم في وضعهم التعليمي المتردي الراهن.
    • بدون التعليم والتعلم لن يتمكن الأفراد من المشاركة في الحكومة مشاركة فعالة، ولن يساهموا إيجابياً وبفعالية في حياتهم المدنية.
    • من المؤكد أنهم سيفشلون فشلاً ذريعاً، وفشلاً مشهوداً في تكوين جيش قومي كبير وقوي ومهاب.
    وهناك عوامل ساعدت في تنفيذ وتحقيق فكرة إنشاء الكلية، منها….
     الهجوم القاسي الذي شنته الصحافة البريطانية على القائد كتشنر، بسبب قسوته ووحشية تعامله مع أنصار المهدي.
     النقد الحاد السنان، الذي ناله عندما تجرأ وأمر بنبش قبر المهدي وإرسال جمجمته إلى كلية الجراحين الملكية ببريطانيا.
    وشهد التاريخ في 5 يناير 1900م، وضع حجر الأساس للكلية، والتي تم افتتاحها رسمياً في 1902م. وقد ساهمت وساعدت التبرعات التي تم جمعها لإنشاء كلية غوردون في إنشاء كل من…
  5. مدرسة ابتدائية بأم درمان في 1900م.
  6. مدرسة ابتدائية بالخرطوم في 1901م.
  7. مدرسة صناعية في أم درمان في 1901م.
  8. كلية المعلمين والقضاة بأم درمان في 1900م.
    المدارس الأربعة التي ذكرناها آنفاً كانت بمثابة الهيكل التعليمي والعمود الفقري للتعليم في بلاد السودان للعام 1901م.
    ولا بد لنا هنا، نعم هنا في الأسطر أو السطور التاليات، أن نفرد مساحة مقدرة وواسعة، لنفصل الحديث أكثر عن كلية غوردون وعن انشاءها، وعن شكل ونظام التعليم وتطوره في هذه الحقبة الماضية من الزمان. ولفعل ذلك ومن أجل تطبيقه، لا مفر لنا، ولا نستطيع الا أن نستعين بالبروفسور محمد عمر بشير، وقرطاسه “تاريخ الحركة الوطنية في السودان”، لنقرأ فيه التالي…
    في عشية معركة أم درمان، وضع كتشنر أفكاره في خطط، وكانت أولها، فكرة انشاء كلية تذكارية لغوردون. وقد كان له ذلك بعد أن خاطب رجال البر والإحسان والأعمال بإنجلترا الموجودين والمنتشرين في كل أرجاء وأركان وبقاع الإمبراطورية، وطلب منهم بكل أدبه الجم التبرع لفكرته ولهذا الهدف، وكان ذلك قبيل مقتل الخليفة عبد الله والقضاء عليه وعلى أيامه نهائياً، ومن الأشياء السارة وأيضاً المفرحة جداً هي إيجابية استجابات هؤلاء الرجال وردة فعلهم المثمرة.
    وكتب سالسبوري الي اللورد كتشنر في هذا الصدد في نوفمبر 1898م، يقول… ((طلب مني أن أعبر لكم عن وجهة نظر حكومة جلالة الملكة فيما يتعلق بالكلية التي ترغبون في تشييدها بالخرطوم، وأي شيء يمكن أن يقال من جانب أي مواطن في هذه البلاد لا يكاد يضيف شيئاً يذكر بالنسبة للملاحظات القيمة التي أبديتها فيما يتعلق بظروف السودان. ولكن فيما يتعلق بقيمة الراي الذي يذهبون اليه. فان حكومة جلالة الملكة مقتنعة تماماً بالمشروع الذي أوصيت به والسياسة التي يشكل المشروع فيها جزءاً هاماً.
    وأن التقارب بين الأجناس التي تقطن وادي النيل والحكومة التي يجب أن تقوم مبادئها ووسائلها بالضرورة على النهج الغربي يعتبر أمراً في غاية الصعوبة. ذلك أنه يقوم على موارد أبناء الجيل الحاضر من رجال بريطانيا وأولئك الذين يولدون في المستقبل.
    وقبل انحسار موجة التعصب التي تفصل بين أفكار المصريين والسودانيين، والي أن يتم تحقيق ذلك الي حد كبير. فإننا لا نستطيع أن نعتمد بالتأكيد على تعاونهم سواء فيما يتعلق بالواجبات الملقاة على الحكومة أو تحقيق التقدم الصناعي. والطريقة الوحيدة التي يمكن أن يتحقق بها إعادة البناء هي ان تعطي الأجناس التي استعمرتها سبيلاً للاتصال بآداب وعلوم أوروبا.
    ولذلك فان مشروعك لإقامة أداة يمكن بها تلقين المعارف الأوروبية لأهالي وادي النيل لا تعتبر في ذاتها أمراً يدعو الي الاعجاب فحسب، بل انها تمثل السياسة الوحيدة التي يمكن عن طريقها نشر الحضارة في هذا القطر. وانه ليقع على عاتق الأغنياء من أبناء هذا البلد المساهمة في إنجاح مهمتك. واني لأتمنى صادقاً ألا يذهب نداؤك أدراج الرياح)).. انتهى.
    وفي الحقيقة السافرة جداً، فالواقع بشرنا أو بشره أو بشرهم، بأن النداء لم يذهب مع الريح هباءً منثورا. ففي خلال أقل من شهرين، تم جمع ما قيمته مائة ألف جنيه، وكان هذا هو المبلغ المطلوب والمرغوب للمساهمة في المشروع. وأتت المساهمات أو التبرعات من كل صوب ومن كل حدب، من كندا ومن استراليا ومن نيوزيلاندا ومن راس الرجاء الصالح، وكذلك من الولايات المتحدة الأمريكية ومصر والهند.
    وبفضل حادثة سقوط الخرطوم ومقتل غوردون، صار للسودان موضعاً مهماً في الخارطة الكوكبية ومكانة عظيمة في الفكر الكوني، ونال من الاهتمام الكثير والكثير المثير. ومن ثم مد الجميع يد العون في رغبة وفي فرحة وفي حبور للمشروع الخاص بإحياء ذكرى غوردون، وأصبحت الملكة فيكتوريا بجلالة قدرها، وبلحمها وشحمها، ترعي المشروع وهي الراعية له.
    وأعلن سالسبوري على الملأ نهاراً جهاراً في الاجتماع المنعقد في ديسمبر 1898م تأييد حكومته، ولم يكتفي بذلك بتاتاً. ولكنه أردف واصفاً المشروع بأنه… (مفروض علينا نتيجة ازدهار الإمبراطورية. مما يتطلب جهداً عظيماً لكسر الحواجز العرقية، لكي نقيم رابطة للتعاطف الثقافي ولكي ندعم خطى الثقافة الإنسانية).
    وبعدها صدر قانون خاص من البرلمان الإنجليزي مانحاً الأمناء تفويضاً لاستثمار الأموال المجموعة أو التي تم جمعها في الأغراض المطلوبة. ونتيجةً لذلك تألف وتكون أو تشكل مجلس للأمناء، في سبيل توسيع واستثمار الأموال لتعليم أهالي السودان.
    ونال كرومر شرف وضع حجر الأساس للكلية في يناير 1900م باسم الملكة فيكتوريا ملكة بريطانيا العظمى. ولكن لم تفتح الكلية أبوابها رسمياً لاستقبال واحتضان طلابها الا في عام 1902م، بعد إتمام بناء مبانيها وتجهيزها بما يليق حتى تسر الناظرين لها والملتحقين بها.
    وكان أن نشأ حولها نظام حديث للتعليم الابتدائي والصناعي وكذلك الفني، وكان نظام التعليم يلبس لبوساً عملية بحتة في أغراضه وفي أهدافه. فقد كان الاعتقاد السائد لدى كل من كرومر و”كري” -أول مدير للمعارف- أن التعليم الأدبي والأكاديمي هو الذي كان وراء اشتعال الحركات الثورية في الهند.
    وعليه كانت رغبتها، رغبة حكومة السودان، في تطوير نظام تعليمي يناسب ويلائم إشباع حاجاتها المباشرة واللحظية، وكل ذلك يكون في حدود امكانياتها المادية أو المالية.
    وكان أن تم الفلاح في انشاء أول مدرسة ابتدائية في أم درمان وأخرى في الخرطوم، وكان أغلبية تلاميذهما من السودانيين وقلة قليلة من أبناء المصريين، من أبناء الإداريين والضباط وصغار الموظفين بالجيش أو الحكومة. وكان الهدف الأول ولا أقول الأخير هو تخريج طبقة تمتلك فيما بعد القدرة على ملء الوظائف الصغرى في دواوين الدولة أو الحكومة.
    وكذلك تم تأسيس مدرسة صناعية في ام درمان لإشباع ولمقابلة الطلب على الفنيين. وبعدها كانت هناك الضرورة الملحة للتوسع في النظام الدراسي للكلية، ليشمل:
  9. مدرسة ثانوية عادية ذات تعليم عام
  10. مدرسة صغيرة للهندسة
    وقد لقى هذا الاقتراح الاهتمام والتنفيذ في عام 1905م. وكان أن تم افتتاح مدرسة حربية لتخريج ضباط سودانيين في عام 1904م. ومع حلول العام 1905م، ضم نظام التعليم بالكلية كل من الآتي..
    • مدرسة ثانوية
    • معهد لتدريب المعلمين والقضاة الشرعيين
    • مدرسة ابتدائية
    • مدرسة صناعية
    وعلينا أن نذكر وألا ننسى مساهمة وزارة المعارف في تأسيس وافتتاح ثلاثة مدارس ابتدائية في كل من وادي حلفا وسواكن وأم درمان، وفي تأسيس أو انشاء كم من الكتاتيب، وفي مد يد المساعدة للخلاوي.
    وكان من الواضح جداً اكتفاء الغرباء برفد السودانيين بتعليم قشري سطحي -لا معنى له، ولا عمق فيه، ولا يترك له أثر في العقول، ولا يُوقع نبضة في القلوب ليزيدها نبضات على نبضاتها-، ولا يخلق الا طبقة رفيعة رقيقة من الموظفين المكتبيين، جلهم ان لم يكن كلهم من الكتبة ومن عارضي الحال.
    وبالرغم من هزال هذا التعليم الموجه وضعفه وسطحيته، الا أنه وللأمانة قد ساهم مساهمة عظيمة، من حيث لا يحتسب، في تنوير الناس وفي توعيتهم بأهمية التعليم وبضرورة التعلم، وبحاجة البشر الحياتية الي تغذية عقولهم تغذيتهم لأمعائهم، فللمستعمر الشكر الجزيل لهذا الجهد التنويري غير المقصود وغير المسبوق.
    …….. نواصل
    bakoor501@yahoo.com

عن د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

شاهد أيضاً

التعليم (18)

المعرفة 2/4د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهديعلم المعرفة“كلما ازدادت جزيرة المعرفة اتساعاً، ازدادت شواطئ التعجب …