التعليم في السودان (4/5)

التعليم (11)
د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
التعليم بعيد الاستقلال (1956-1968)
تخبرنا د. نغم أكرم عبد الله، أنه وبعد استقلال السودان في الاول من يناير 1956م، قام الرئيس اسماعيل الازهري بتشكيل وزارته الأولى، وأعلن ضمن منهاج الوزارة الخاص بالتعليم، ان وزارته عازمة على تغيير المناهج الدراسية، التي وضعها البريطانيون، وذلك بما يتناسب ويناسب طبيعة المجتمع السوداني، وبما يتوافق مع عاداته ومع تقاليده الوطنية والاسلامية، بغية غرس الروح الوطنية لدى ابناءه وفي وجدانهم.
وقد أكد ذلك التوجه وزير المعارف الشيخ علي عبد الرحمن، الذي قال بأن وزارته سوف تراجع جميع السياسات التعليمية، التي كانت مطبقة سابقاً قبل وقبيل الاستقلال. وفعلياً عمل على ادخال تغيرات جذرية ملحوظة وواضحة وجلية، لا تخطئها العين الموضوعية، في سبيل مواكبة التطور العلمي.
وتماشياً وتطابقاً مع هذا الفكر ومع ذلك التفكير الجديد، فأن موازنة التعليم كانت قد بلغت في ذلك الوقت نحواً من 15.5% من الموازنة العامة للدولة، وذلك من اجل بناء (1,780) مدرسة ابتدائية وأخري ثانوية.
وقد زاد الاقبال على المدارس في العام الثاني، اذ التحق بها حوالي (208,688) تلميذ وتلميذة في المدارس الابتدائية، وحوالي (15,730) تلميذ وتلميذة في المدارس المتوسطة، وُزعوا وانتشروا في (110) مدرسة، كما بلغ عدد الطلبة في المدارس الثانوية حوالي (54,440)، تم توزيعهم على 50 مدرسة ثانوية.
وقد نجحت حكومة الرئيس إسماعيل الازهري في ارسال اعداد مقدرة من الطلبة ومن الطلاب السودانيين الي الخارج، وذلك من أجل إكمال دراستهم ودراساتهم، لا سيما في الدول العربية، ومنها العراق الذي احتضن نحو (49) تسعة وأربعين طالباً، تم توزعيهم على مختلف الكليات.

وخلال زيارة رئيس الوزراء السوداني عبد الله بك خليل الى بغداد في مارس من عام 1957م، أعلن وزير المعارف السوداني “زيادة أرباب” ان الحكومة العراقية الشقيقة وافقت على زيادة أعداد الطلبة أو الطلاب السودانيين، للدراسة في بغداد، وقد تم الاتفاق مع معالي نوري باشا السعيد والاخوة الاشقاء هناك في بلاد الرافدين الجميلة المضيافة.
وفي عام 1958م استطاع السودان ارسال المزيد والمزيد من ابناءه، لينهلوا ويغرفوا من شتى المعارف في بلدان عربية وفي بلدان أخرى غير عربية. وبحكم العلاقات مع جمهورية مصر العربية، وافقت القاهرة على قبول مائة وعشرة (110) طالباً وطالبة في الجامعات المصرية، وتم أيضاً أرسال حوالي خمسة وعشرين (25) طالباً الى المملكة العربية السعودية.
كما فتحت الدول الاوربية أبواب جامعاتها بالترحاب، ومنحت منحاً للطلبة السودانيين. ففرنسا استقبلت نحو (43) طالباً، والولايات المتحدة الامريكية قدمت منحاً لحوالي (60) طالباً في الدراسات العليا في شتى الاختصاصات والتخصصات العلمية، وكذلك فعل الاتحاد السوفيتي، الذي وافق على استقبال حوالي (52) طالباً، واحتضنت بلغاريا (8) طلاب وإيطاليا ما بلغ عددهم (112) طالباً.
اما المملكة المتحدة، فقد منحت زمالات دراسية للأطباء، وكان أن وصل عددهم حوالي (45) طبيباً، للدراسة في جامعتي كلاسكو وادنيرة، اما بولندا فقد وافقت على إعطاء ما عددهم فقط (7) طلاب سودانيين منحاً دراسية، في حين ان النمسا استقبلت حوالي (15) طالباً لدراسة الهندسة.
حكومة عبود وسياسة التعليم
واثناء فترة حكم الفريق ابراهيم عبود، بعد (عملية التسليم والتسلم الانقلابية) التي اطاحت بحكومة عبد الله خليل في 17 نوفمبر 1958م، تأثر التعليم نوعاً ما بسبب ظروف البلاد المضطربة، لكن ذلك لم يمنع الحكومة من الاهتمام بالتعليم وبمستواه وبجودته.
سيما وان الفريق ابراهيم عبود أبقي على وزير معارف حكومة عبد الله خليل، زيادة أرباب، في منصبه، ليكمل ما بدأه من عمل، فنجح في المهمة، وقام بإرسال البعثات العلمية الى الخارج، والاهتمام بالمناهج الدراسية، والابنية المدرسية، وبفضل ذلك زادت أعداد الطلاب المقيدين والملتحقين بالمدارس الابتدائية.
ففي عام 1959م، بلغ عدد التلاميذ حوالي (301,002) تلميذاً في المدارس الابتدائية و(21,771) تلميذاً وتلميذه في المدارس المتوسطة و(5,981) طالباً في مرحلة الدراسة الثانوية، كما انخفضت نسبة الأمية عن السنوات السابقات بمعدل بلغ 3.2%.
وكان أن شهد عام 1962م، خبراً سعيداً ومفرحاً للسودانيين ولحكومة عبود عندما أعلنت وزارة المعارف العراقية عن زيادة عدد المقاعد المخصصة للطلبة السودانيين الى (22) مقعداً في كليات جامعة بغداد وعلى نفقة الحكومة العراقية.
واضافةً لما ذكر سلفاً وبسبب العلاقات والروابط الجيدة التي كانت تربط الحكومة السودانية بالاتحاد السوفيتي فقد فتح الأخير أبواب جامعة موسكو، وأصبحت بقية أبواب جامعات الكتلة الشرقية مرحبات بالطلبة السودانيين في دورها وفي مدرجاتها للدراسة هناك، وكان للحزب الشيوعي السوداني دوراً كبيراً ومقدراً قام به ولعبه في تقريب وجهات النظر بين الحكومتين، وتولى مهمة تسهيل سفر الطلبة الى تلك الدول.
وقد كان لعام 1963م، موعداً ساراً مع قبول اعداد عظيمة ومحترمة من الطلاب السودانيين، ففي جامعة موسكو كان هنالك حوالي (21) طالباً، وفي جامعة بوخارست (11) طالباً، وفي بولندا (8) طلاب، وفي بلغاريا (13) طالباً، وأوكرانيا حوالي (5) طلاب، اما معهد (ناوك) للعلوم السوفيتية فقد أعطى موافقته على قبول (4) طلاب، هذا فضلاً عن تدريب العسكريين السودانيين في المعاهد العسكرية السوفيتية.
كما سارت حكومة أبراهيم عبود في سياسة الوحدة الثقافية والتعليمية بين شمال البلاد وجنوبه عبر التعليم والتعريب في المراحل الاولى أو الأولية، وترك التعليم الثانوي باللغة الإنجليزية، وتعاون مع هيئة اليونسكو العالمية في تحسين وترقية طرق وأساليب التعليم وضمان جودته.

النميري والتعليم
لقد درج المستعمر الانجليزي على تأسيس وانشاء مدارس تكفي فقط لتخريج موظفين يساهمون ويساعدون فقط في تسيير شؤون الدولة وفي دوران دولابها. ولما لم تكن الحاجة ماسه لأعداد ضخمة وكبيرة حصروا المدارس في مناطق معينة وفي أماكن بسيطة ومحدودة.
ولكن، ومع نمو وازدياد الوعي الوطني، بدأ مؤتمر الخريجين العام مشروع التعليم الأهلي، ففتح الكثير والكثير من المدارس المتوسطة حتى نمت وزادت على المدارس الحكومية.
ومع بداية العهد الوطني بعيد الاستقلال كان لا بد أو كان لزاماً على أي حكومة وطنية تلافى هذا النقص وهذا الفقر التعليمي المقصود، ففتحت المدارس أبوابها في الأرياف وفي القري، ووُجد بعد الدراسة الموضوعية انه من الأجدى ومن الأفيد للسودان، وهو حديث عهد بالاستقلال، التركيز على ما هو قائم وما هو موجود، فضمت المدارس الأهلية وتولت الدولة أو الحكومة الصرف والانفاق عليها وقامت بتدريب معلميها وتوفير الكتب والمعدات المطلوبة لها.
ثم عمدت على مراجعة المناهج بتأني وبطريقة علمية، وفي روية غايتها مصلحة البلاد ومصلحة العباد واستقرار التعليم وتطوره وتقدمه ومواكبته، فلم تُصدر القرارات هكذا خبط عشواء، بل بدأت التجارب وعمليات المراجعة والبحث والتدقيق في بخت الرضا حتى يصلوا الي مناهج تتماشى وتتناغم وتتناسب مع السودان المستقل.
وانتظمت مشاريع التنمية جميع انحاء وأرجاء السودان، ريفه ومدنه وقراه، فكان لا بد من وجود الكادر المؤهل والكادر المسلح علمياً والمقتدر فنياً، فرُصدت الاعتمادات والتمويل لتطوير التعليم الجامعي والفني، زراعياً وصناعياً، وسعت لخلق رابط بين كل مدرسة والبيئة المحيطة بها.
بل أقيمت وأنشأت المدارس في مناطق وأماكن الإنتاج باعتبار التعليم بمثابة استثمار حقيقي يعود عائده لمزيد من التنمية ولتعزيز الاستقلال الوطني.
وكان واضحاً ان اعتمادات الدولة شحيحة ولا تكفي وليست كافية للتوسع وللتطور المرغوب الذي يتمشى مع طموح المواطنين ومع أمنياتهم ومع أمانيهم، فتم انشاء قسم للتعليم الشعبي يعين ويتعاون مع المواطنين ومع العباد في الأماكن وفي المناطق ذات الدخل العالي الجيد، وذلك من أجل فتح المزيد من المدارس في جميع المراحل، موفرة لهم المعلم المدرب المؤهل والكتاب مستعينة بهم في إيجاد المبني وفي إيجاد المقعد، مجهزة وموفرة كل اعتمادات تنمية التعليم للمناطق المتخلفة الفقيرة.
وعكفت الحكومة الوطنية في أولى أيامها على دراسة المراحل التعليمية وجلبت لذلك الخبراء والمختصين والمتخصصين، أمثال عقراوي وكاظم، ووضعوا المقترحات وصاغوا التوصيات من أجل تغيير السلم التعليمي، وقدرت التكاليف المالية للمناهج وللكتب ولتدريب المعلم وللمبني. وظل السعي والجهد مستمراً في اخلاص وفي تفاني وفي حب وفي وطنية من أجل تدبير المال والعمل على التغيير التدريجي حتى لا يصاب التعليم بنكسة أو بهزة وشيء من الاهتزاز المضر.
وبعد انقلاب مايو بحوالي شهرين فقط، لا أكثر، تم الاعلان عن قيام السلم التعليمي الجديد في حفل أذيع بالإذاعة والتلفزيون في شكل استعراض عضلات، محاولين ايهام الشعب السوداني واقناعه بجدية من فرضوا أنفسهم عليه بالقوة وبالجبروت، ولجأوا الي بعض المتسلقين والانتهازيين والمنتفعين طالبين منهم اعداد المناهج، باذلين لهم العطاء الوفير وأوفدوا بعضاً آخر الي جمهورية مصر لطباعة المناهج الجديدة دون تجربة ودون دراسة ودون مراجعة ودفعوا ما دفعوا من مبالغ ضخمة تجاوزت الحدود المعقولة.
وكم كانت خيبة الأمل عظيمة مع وصول الكتب، وعند مراجعتها لأول مرة، وضحت الأخطاء المريعة والكثيرة في المعلومات من جهة، وفي عدم تناسبها لسن الطلاب من جهة أخرى، فلم يجدوا بداً من الغاءها أو الغاء أعداد عظيمة منها قبل أن ترتاح في أيدي التلاميذ والطلاب.
ورغم هذا لم يتدبروا أمرهم ولم يتقوا الله في شعبهم الذي يدفع هذه الأموال، والتي يقتطعها من لقمته ولقمة عياله، أو في أبناءه في المراحل التعليمية المختلفة. وبنفس طريقتهم وبذات اسلوبهم المتعجل المستعجل، عملوا على اعادة طباعة الكتب وتغيير المناهج مراراً ومراراً، ولم يستقر الحال حتى آخر يوم في عمر النظام المايوي البغيض.
وبالرغم من أنهم أعلنوا على الملأ بأن التعليم سيستمر مجانياً كما كان في أيامه الخوالي، الا أنهم أسسوا ما أسموه وما عُرف بمجالس الأباء في سبيل فرض الضرائب وفرض الاتاوات على الطلبة وعلى التلاميذ. وكلما زاد تحصيلهم (المسئولين) ونمت وارتفعت الضرائب التي فرضوها قسراً، تم تكريمهم بالنياشين وبالأوسمة اللماعة.
وأصبح التلميذ والطالب يشتري الكراسة ويشتري القلم ويشتري الكتاب ويقوم بإصلاح المقعد المعطوب، هذا في حالة لم يُلزم بشرائه، وبدفع كلفة صيانة المبنى، ولا بد له من شراء الأوراق لطباعة الامتحانات، كما يدفع عند دخوله رسماً يتفاوت ويتباين من بقعة لأخرى لمقابلة خدمات التسيير.
ان كل هذه الضرائب كانت ولا زالت سبباً رئيسياً في هروب التلاميذ الي الشارع، وسعيهم من أجل إيجاد عمل يساعد أسرهم ويعين عوائلهم، فتقلص حجم التلاميذ تقلصاً واضحاً مما أدي الي تجميد والي اغلاق بعض المدارس في الريف، وقد عجزوا عن اصدار الإحصاء التربوي ذلك العام حتى لا يعكسوا للشعب السوداني الواقع المرير الذي يعيشه ويعايشه ويعانيه.
ولقد كان من طبيعة السلطة الحاكمة وسلوكها هو التغني بالشعارات فحسب، اذ أنهم رغم اعلامهم واعلانهم بأن التعليم حق لكل طفل حسب قدراته وقدرته، نجد أن القبول للمدارس الابتدائية لا يسمح بدخول كل الأطفال في سن السابعة وذلك لضيق الأماكن والمواقع (في مدارس المدن)، وأيضاً نجد ان القبول للمرحلة المتوسطة لا يستوعب أكثر من 20% من الناجحين المستحقين لتعليم متوسط، وتضيق المساحات والمواقع كلما تدرجنا الي أعلى حتى نصل الي عنق الزجاجة في دخول الجامعة.
وبعد قرار إيقاف الإعادة (إعادة السنة الدراسية) زاد عدد المشردين من خريجي المرحلة المتوسطة ومن خريجي المدارس الثانوية. ومع ضيق فرص العمل أصبح مألوفاً جداً أن تجد وأن تقابل خريج الثانوي وهو يعمل باليومية (طلبة – في البناء) في العمارات وفي المباني التي تحت التشييد.
ان التدهور والتقهقر المستمر والمتواصل في جميع المستويات وفي كل المراحل التعليمية كان طبيعياً جداً في ظل هذه الحكومة وفي كنف هذا النظام. فنصف الأيام الدراسية يقضيها الطلاب والتلاميذ في ظل وتحت ظلال الاحتفالات وفي استقبال الحكام والوزراء والمحافظين وفي وداعهم، وأضف الي ذلك مهرجانات الشباب واجتماعات الكتائب والطلائع والرحلات الشبابية، بالإضافة الي النقص المريع في الكتب واشتراك عدد من التلاميذ ومن الطلبة في الكتاب الواحد، وتكدس وازدحام الفصول ازدحاماً مخلاً بالأداء، كأن نضع حوالي 90 طالباً في المبني المعد لأربعين طالباً فقط في المرحلة المتوسطة والثانوية.
ومن العوامل الهامة والمباشرة والتي أدت الي تدني المستويات هو ندرة المعلم المدرب المؤهل، فمن لم تنتدبه الحكومة أو الدولة، نجده يهاجر من تلقاء نفسه هارباً بجلده أو مستقيلاً. وقل إن تجد معلماً أكمل المدة وأتم الفترة القانونية وهو لا يزال يعمل في حقل التعليم، وطلبات المعاش أو التقاعد بالمئات وبالألوف أمام المسؤولين.
وفوق كل هذا فان التغيرات المتعددة في الجهاز الإداري في الوزارة وفي الأقاليم أحدثت اضطراباً وخلقت تقلبات في الأداء وتضارباً في الاختصاصات وتداخلات مما ادي الي تعطيل العمل وعدم اتخاذ القرارات.
وكل ما ذُكر وكل ما ذكرناه قاد وأدى الي التقهقر والي التدهور والي التدني في المستويات، صاحبه ورافقه تدني خلقي وافتقار للقيم، وظاهرة سرقة الامتحانات المتكررة المكررة خير شاهد ودليل على ذلك. فبالرغم من حراستها برجال الامن الأشداء الأقوياء، الا انه لن يمر عام دون أن يتسرب بعضها أو معظمها.
ومواعيد الامتحانات أصبحت متغيرة غير مستقرة، وصارت على حسب الظرف السياسي وعلى حسب الظروف، تُقدم تارة وتُؤخر تارة أخرى للإعداد للاحتفالات وللمهرجانات.
وبمثل ما تحدثنا عن التعليم الأكاديمي، لا بد لنا أن نتعرض بإيجاز للتعليم المهني والفني بأقسامه الزراعية والصناعية والتجارية.
فقد بدأ هذا التعليم بداية مركزة وفُرت له كل المعينات وكل الاعتمادات اللازمة المطلوبة بحكم ارتباطه الوثيق بالتنمية. ولكن أصابه ما أصاب التعليم الأكاديمي ومر بنفس أزماته ومشاكله ومقوماته من نقص في المعلم وفي الكتاب وفي الورش وانعدمت الرقابة وأصبح مصدر دخل وافر للقائمين به.
أما بخصوص فرص عمل خريجو هذه المدارس وتلك المعاهد، فضيقة للحد المذهل، وأيضاً فرص الدراسات العليا ضيقة ونادرة ومن لم يستطيع بجهده الخاص وصلاته الخاصة أن يحصل على بعثة يظل حبيس وظيفته مسجوناً في المكتب أو في الحقل سنيناً عددا وآماداً مديدة. وهكذا أصبح شأن أعظم البعثات للدراسات العليا الفنية والأكاديمية.
ولكي تكتمل الصورة، وجب علينا أن نمر مروراً سريعاً على التعليم الجامعي لنرى ما آل اليه حاله في هذا العصر الفاشل. فجامعة الخرطوم لم تكن منارة للعلم فحسب بل كانت مشعلاً وضاءً للفكر وللديمقراطية وللحرية، ومن منابرها الحرة كان ازكاء الحماس الوطني والروح القومي، وفي ظل استقلالها واستقلاليتها عبر السياسيون وكشف الاقتصاديون عن آرائهم، تجميعاً للشعب بأكمله حول الأهداف والغايات القومية.
وكانت المرة الوحيدة التي تعرض فيها استقلالها وحريتها للخطر سبباً في قيام ثورة أكتوبر المجيدة، فحمتها وردت للشعب حريته، وما الدور الذي لعبه أساتذتها وطلبتها في أكتوبر بخاف على أحد.
وقد وعت السلطة المايوية كل هذا وعرفت ما يمكن أن يصيبها من هذه المنابر الحرة ومن هذا الاستقلال الجامعي، فسعت وعمدت الي الأساتذة المخلصين فشردتهم واضطرتهم للهجرة وللسفر الي الخارج، ومن لم تفصله عرضته للإذلال ففروا بكرامتهم وعلمهم ومُثلهم وقيمهم الي خارج البلاد.
ثم عكفت على وضع القوانين وعلى صياغة اللوائح متدخلة في شؤون الطلاب صغيرها وكبيرها مفسدة للحياة الجامعية الأصلية باثه في الطلاب روح الكراهية وأسلوب العنف والقتل والإرهاب في حل النزاعات والخلافات، التي كانت تُحل بروح ديمقراطي حر وباحترام رأي الأغلبية وتوقير رأي الأقلية. ولم تعد الجامعة قدوة للشعب بل أصبحت صورة من الوضع الجاثم على صدر الشعب.
وفي هذا الجو المشحون بالغموض وتحت ظل الحالة التي تعرضنا لها تخرج العديد في الجامعة ومن المعاهد ومن المدارس وانضموا الي الخدمة المدنية في كل مرافقها حاملين معهم كل هذه التناقضات وكل هذه الاضطرابات والمثل الجديدة القبيحة التي غُرست فيهم بكل ما فيها من فساد وبكل ما فيها من افساد وما فيها من ضعف فحملوا لها روح اللامبالاة والإهمال والتسيب.
…….. نواصل
bakoor501@yahoo.com

عن د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

شاهد أيضاً

التعليم (18)

المعرفة 2/4د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهديعلم المعرفة“كلما ازدادت جزيرة المعرفة اتساعاً، ازدادت شواطئ التعجب …