التعليم (12)
د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
الإنقاذ ونظام التعليم
تبلورت السمات العامة لنظام التعليم خلال عمر الانقاذ في النقاط التالية:
• استبدال السلم التعليمي (6+3+3) بالسلم التعليمي الاسلامي (2+8+3)، ولا أحد يدري ما المقصود بالإسلامي، والذي يتألف من ثلاث عشرة سنة من التعليم المدرسي العام.
• تعريب نظام التعليم وأسلمته، وعليه صارت اللغة العربية خلال العام (1990-1991) هي اللغة الرسمية للتعليم (المكتب الدولي للتعليم، اليونيسكو، 2012).
• أصبح التراث الإسلامي (التراث وليس الإسلام) الجهادي الأيدلوجي محوراً أساسياً في تطوير المناهج الدراسية (أدلجة التعليم).
• أوكلت مهمة وضع المنهاج الجديد الي فقهاء المسلمين في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي (سعى مشروعهم الهجين الي حشر التراث الإسلامي والمعارف الغربية العلمية في المنهاج حشراً – ولكنهم وللأسف فقد كانوا فقراء للموارد الأكاديمية والمالية والفكرية).
• الاهتمام الكمي والعددي في توسيع التعليم الأساسي والتعليم العالي، مع الإهمال التام للجانب النوعي والكيفي.
• غياب تام للتعليم الفني والمهني.
• غلبة التعليم الخاص على العام، وغياب مبدأ مجانية التعليم.
• أصبح الحصول على وظيفة معلم (أساس وثانوي، الخ) بمثابة حل لمشكلة البطالة المستشرية في المجتمع. وهذا دليل قاطع على ضعف الاهتمام بالتعليم وعدم ايلائه أي نظرة أو أي قيمة.
إحصاء عام 2008 للتعليم
وبناءً على إحصاء عام 2008م، كان معدل معرفة القراءة والكتابة لسكان السودان ممن تجاوزوا الست سنوات حوالي 57.2%، للذكور منها حوالي 63.3% و51% للإناث. كذلك سُجلت فروق كبيرة بين المناطق الريفية وتلك الحضرية، فالمعدل كان أعلى في المناطق الحضرية (86.9%)، مقارنة بالريف (62.5%)، وبين الجنسين تتسع الفجوة، حيث إن للإناث في الخرطوم مثلاً فرصة لتعلم القراءة والكتابة أكبر بنسبة أربعة أضعاف مقارنة بالنساء في دارفور وفي شرق السودان.
وعلى الرغم من أن التحاق الأطفال بالمدارس في جميع القطاعات قد اتسع منذ العام 2000م، إلا أن عدد الذين لم يذهبوا إلى المدرسة مطلقاً كان مرتفعاً جداً، إذ إن واحداً من كل ستة من السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 10-17 سنة، والبالغ عددهم أكثر من 6 ملايين، لم يذهبوا اطلاقاً الي المدرسة، وتمثل الفتيات نحو 62% من هؤلاء، وأن 84% منهم من المناطق الريفية.
كذلك ظل التسرب من التعليم الأساسي مرتفعاً، ويقدر بنحو 7% لكل فصل دراسي. ويساهم الخلل في التعليم والخدمات الاجتماعية الأخرى بشكل كبير في زيادة تدفق الهجرة من الريف إلى الحضر، حيث يميل تاركو الدراسة في وقت مبكر إلى العمل في المناطق الحضرية في القطاع غير المهيكل.
وقد ربط تقرير التنمية البشرية الوطني (2012م) بين النزاعات والفقر وتراجع فرص التعليم واللامساواة في الفرص، على أساس أن التعليم بالنسبة للأسر الفقيرة في مناطق النزاعات غالباً ما يعني خسارة في الممتلكات وفي الدخل.
ومع قلة الموارد قد لا يكون هناك خيار سوى سحب الأطفال من المدرسة. وفي حالة الفتيات، تضاف إلى تأثير الفقر، المخاوف الأمنية الأسرية من العنف الجنسي كمبرر للإبقاء على الفتيات خارج المدرسة.
الإنقاذ وثورة التعليم العالي
تواصل الاهتمام بالتعليم العالي بعد تحرير البلاد من قبضة المستعمر، وان كان هناك تفاوت في اهتمام الحكومات الوطنية المتتابعة، ففي 1956م، وبتوصية من الرئيس جمال عبد الناصر تم افتتاح جامعة القاهرة فرع الخرطوم والتي أصبح اسمها في زماننا الحاضر “جامعة النيلين”، وكان هذا الزمان في 1993م، وتم تشييد جامعة أمدرمان الاسلامية في 1965م، وفتحت كلية الاحفاد الجامعية أبوابها في عام 1966م، وكان ميلاد جامعة الجزيرة في 1975م، وانفجرت صرخة جامعة جوبا الأولى في نفس العام، وظهرت جامعة امدرمان الاهلية على صفحات الوجود عام 1986م، بالإضافة الى استمرار امتداد المعهد الفني منذ فترة الاستقلال. (د. أمين، 2016)
في تحقيق لهما حول ثورة التعليم العالي، لخصا كل من ناهد عباس وعماد حسن نتيجة ما توصلا اليه في السطور التاليات، قائلين، مع سيطرة حكومة الانقاذ على مقاليد الحكم في 1989م، عملت على اتخاذ حزمة من القرارات المستعجلة، كان أبرزها زيادة المؤسسات التعليمية أو ما يعرف عندهم بـ(ثورة التعليم العالي) وزيادة ومضاعفة أعداد الطلاب المقبولين في المؤسسات التعليمية، وتبع هذا القرار نمو كبير في أعداد الخريجين، ويري كثير من الخبراء وعدد كبير من المهتمين بالشأن التعليمي أن النمو كان في الكم وفي الكميات وليس في الكيف ولا في النوع، حيث لم يدعم هذا القرار المرتجل المستعجل أي تطور في المناهج.
وقد وصف عدد من أساتذة الجامعات الثورة التعليمية بالثورة الفاشلة، وأن التوسع الذي صار لم يقابله نمو أو أي توسع في فرص العمل، وعزوا الزيادة في معدلات البطالة بين الخريجين الي تركيز الوزارة على المجالات والحقول النظرية، مع شح في الكليات التقنية وفي المعاهد الفنية.
وقد كان للدكتور عبد اللطيف محمد سعيد، نائب عميد كلية الإعلام بشرق النيل، رأياً سالباً، حيث قال، بإن ثورة التعليم كان جل اهتمامها وتركيزها على الكم دون الكيف، ولم يكن هناك توافق بين الجامعات وبين ما يحتاجه سوق العمل، وأردف قائلاً بأن هذه الثورة التعليمية كانت السبب المباشر في نمو وفي ازدياد البطالة وفي معدلاتها، وذلك لعدم وجود سوق عمل جاهز يرحب بالخريجين.
وأشار الي أن قيام ثورة التعليم العالي تسببت في اغلاق الكثير من المعاهد، والتي تحولت بضربة لازب إلى جامعات. ووصف عملية قفل واغلاق تلك المعاهد بالخطأ الشنيع والغلط الفظيع الذي لا يغتفر، وكان رأيه بأن المعاهد أفضل بكثير وأفيد بمراحل من الجامعات، لاهتمامها بتدريب الطلاب.
وقال الجامعات تعتمد اعتماد كلي على التعليم النظري فقط، الذي يفتقر للتدريب. وكما أنها تحتضن أعداداً مهولة من الحشود الطلابية، مما يستحيل أو يصعب عليها القيام بتدريبهم والاهتمام بهم، فكلما كان العدد قليلاً ومناسباً ساعد ذلك على تأهيلهم وعلى تدريبهم بصورة أفضل وبطريقة مثالية، وأضاف لما قاله، بأن القبول الخاص أضر ضرراً عظيماً بالجامعات، وطالب بكل جد وبكل إخلاص الاهتمام بالجوانب الفنية في الجامعات.
ويقول الهادي أحمد -أستاذ جامعي- أن ثورة التعليم العالي لها منتوجان. المنتوج الأول ساعد في نمو عدد خريجي الجامعات، والذي أدى بدوره الي زيادة الضغط على التوظيف وفرص العمل في القطاع العام. وكان للثاني أثر سالب، وذلك لأن هذا النمو الكبير جعل الجامعات تخرج خريجين يحملون شهادات جامعية في تخصصات محددة، ولكنهم وللأسف غير مؤهلين علمياً، صورة دون محتوى.
وأردف قائلاً بأن تردي التعليم وتدهوره صار عظيماً من حيث التعليم النوعي. وقد أثرت هذه الزيادة وهذا النمو على الفهم العام للعمل بالنسبة للخريج الجامعي، وصارت نظرته للتوظيف وللعمل تقتصر على الوظيفة، لأنه يرى بأنه كد وتعب ودرس وبذل الثمين وتخرج، ولا يمكن ولا يعقل أن يقوم بعمل أي عمل إلا وفق تخصصه، وهذا ما جعل البعض يعزف عن التعليم ويبعد عنه، لأنه أيقن يقينياً بأنه بعد سنين من الدراسة ومن الاجتهاد لن يجد عملاً بشهادته الجامعية، ورأى أن يختصر السبيل أمام نفسه ويحتفظ بجهده وبزمنه ويتحصل على عمل في زمن مبكر دون أن يتأخر بسبب الدراسة.
وابتدر حيدر إبراهيم (خريج جامعي) حديثه قائلا بأن ما يسمى بثورة التعليم العالي أفسدت حياة الكثيرين والكثير من الشباب من الجنسين. فقد جعلت هذه الثورة الشباب يدرسون ويتعلمون ويتخرجون ومن ثم يتخبطون كالسكارى وما هم بسكارى ويهيمون هنا وهناك بين المؤسسات تنقيباً وبحثاً عن وظيفة وعن وظائف هي في الأصل غائبة وجودياً، ودائماً تشترط المؤسسات والشركات توفر الخبرة الكافية للتقديم لوظيفة غير موجودة الا في أحلام اليقظة، في الوقت الذي تخرج فيه الجامعات، سنة بعد سنة، آلاف وآلاف الخريجين، الذين يتعذر عليهم أن ينالوا فرصاً مناسبة للتدريب في مؤسسة أي مؤسسة.
ويقص حيدر تجربته في السعي من أجل الظفر بوظيفة، حاكياً… قدمت أوراقي مئات ومئات المرات للحصول على وظيفة، ولم أترك إعلاناً شارداً ولا آخر وارداً في الصحف أو في المجلات، ان وجدت، عن وظيفة شاغرة، إلا وقدمت ولكن دون جدوى، وسلكت عدة طرق ووسائل في العمل الحر، ولكن كانت “لكن” هي الإجابة عن سؤالي الكامن جواي!
وبمناسبة ما يسمى بثورة التعليم العالي، جاءنا صاحب منسي ورفيقه الروحي بمقاربة نافذة بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وبين الذين يعملون والذين لا يعملون، وكانت النتيجة، بأنهم لا يستون، وهكذا كانت المقارنة…
(مدرسة الاقتصاد والعلوم السياسية، وهي أشهر كليات جامعة لندن، أنشأها “سدني وب“، كان ارستقراطياً، ولكنه انحاز مثل كثيرين من تلك الطبقة الي صفوف غمار الناس. أنشأوا جمعية الفابيانيين التي كانت في العشرينات والثلاثينيات من هذا القرن (القرن العشرين) بمثابة العقل الذي غذي حزب العمال بالفكر. انضم إليهم الكتاب أمثال “بيرناردو شو” والعلماء أمثال “برفسور توني” العتيد، وكان سدني وب وزوجته بياترس وب من أقطاب الفبيانيين، وقادة الرأي في حزب العمال.
أيضاً كان (سدني وب) أحد الذين رعوا كلية “قولد سمث” منذ بدايتها المتواضعة في عام 1891م. اشترت شركة “قولد سمث” التجارية، بخمسة وعشرين ألف جنية، مباني كانت تستعملها البحرية البريطانية في أغراض التدريب، وأنشأوا معهداً حددوا هدفه:
“تنمية المعرفة والقدرات الإبداعية ومنح الصحة والسعادة للشبان والشابات الذين ينتمون الي الطبقات العاملة والطبقات الفقيرة”.
ظلت الشركة تنفق على المعهد من مالها الخاص، وكانوا يؤملون أن يكون نواة لكلية جامعية تامة تستفيد منها مناطق جنوب شرقي لندن الفقيرة. وفي عام 1904م قدموا المباني هدية لجامعة لندن مشترطين أن تظل تستعمل في الأغراض التعليمية.
هذا الحلم لم يتحقق الا في عام 1988م، فبعد مفاوضات طويلة مع سلطات جامعة لندن، وجهود رجال ونساء أفذاذ نوه بهم “برفسور رزرفورد” في كلمته الافتتاحية – أخيراً “ميثاق ملكي” نص على أن تكون كلية “قولد سمث” (مدرسة)، أي كلية جامعية كاملة من كليات جامعة لندن.
وفكرت في السودان المسكين الذي أناخوا عليه بكلكلهم منذ أمد. كل يجيء بخيله وخيلائه ينادي بالإصلاح، ثم يذهب، فهم يذهبون ثلة ثلة طال الزمان أو قصر. وتتلفت حولك فلا تجد الا الخراب. هؤلاء قرروا الآن ضربة لازب أن يفتحوا جامعات جديدة، في كسلا وفي عطبرة وفي شندي. الله أعلم أين. أسموا ذلك ثورة تعليمية.
في أثناء ذلك خربوا الجامعات القائمة أصلاً، خربوا جامعة الخرطوم العريقة فهجرها أساتذتها واصفر عشب ميادينها. وقرروا أيضاً كما ينطلق السهم الطائش وخلاف ما نصح به العارفون، أن يعربوا التعليم في الكليات العلمية مثل الطب والهندسة والزراعة، علماً بأن هذه قضية معقدة لم يبت الخبراء في أمرها بعد، في منظمة اليونسكو وفي المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. عرب التعليم يا هداك الله، ولكن خذ الأهبة واستعد الاستعداد. انما هكذا، فإنك سوف تملأ البلد حملة شهادات لن ينفعوك ولن ينفعوا البلد.
قارن يا أصلحك الله بين عجلة أصحابنا أولئك، وبين حكمة هؤلاء القوم. انتظروا أكثر من تسعين عاماً حتى يجعلوا كلية “قولد سمث” كلية كاملة بنص ملكي، في نطاق جامعة لندن. أما كان باستطاعتهم أن يفعلوا ذلك بين غمضة عين وانتباهتها حسب هذه الأساليب “الثورية”؟ وهم عندهم المال والعدة والعتاد؟ هل قلت الحكمة؟ بلى، لعلهم أكثر حكمة منا).
…….. نواصل
bakoor501@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم