التعليم والتدريب المهني – رافعة اقتصادية

د. عمر محجوب الحسين

يعاني اقتصاد السودان، منذ بداية السبعينيات، من مشكلات بنيوية مزمنة تمثّلت في ضعف الإنتاج، وتدهور البنية التحتية، والاعتماد على قطاعات محدودة، إلى جانب الاعتماد المفرط على المساعدات الخارجية، والهجرة وفقدان الكفاءات، وانخفاض متوسط دخل الفرد، ومحدودية سوق الصادرات، فضلًا عن الارتباك المزمن في تنفيذ الخطط الاستراتيجية. ومع ذلك، يمكن لعدد من البرامج أن تسهم في تحسين الإنتاجية وتحقيق نمو اقتصادي شامل، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والتخطيط السليم. في هذا السياق، يُعدّ التعليم المهني أحد المحركات الرئيسة للتنمية الاقتصادية، إذ يساهم في سد فجوات المهارات، وتقليص البطالة، وتعزيز نمو قطاعات الزراعة والصناعة والابتكار وريادة الأعمال، وذلك من خلال الاستثمار في رأس المال البشري عبر التعليم والتدريب المهني، وهو ما يعزز التغيرات التقنية القائمة على المهارات، ويُفضي إلى آثار إيجابية على الإنتاج. ويمكن اعتبار التعليم المهني أداة استراتيجية للاستفادة من العائد الديموغرافي في العديد من ولايات السودان، خاصة مع النمو السكاني السنوي الذي يبلغ نحو 2.4%، مما قد يُسفر مستقبلاً عن فائض في القوى العاملة الشابة.
تُشير تجارب دول مثل الهند، وإندونيسيا، وماليزيا، والفلبين، وكينيا، إلى وجود تأثير مزدوج للتعليم المهني على النمو الاقتصادي، على المديين القصير والطويل. وبناءً على ذلك، فإن تطوير برامج التعليم المهني لإعداد كوادر عالية الكفاءة يُعدّ أمرًا ضروريًا لتحسين الإنتاجية والنتائج الاقتصادية الكلية في السودان. في منظومة التعليم التقني والمهني، تتنوع مستويات التعلم بين المهارات الأساسية والمعرفة النظرية والتطبيق العملي والابتكار المتقدّم. وتُصنّف هذه المستويات غالبًا ضمن أطر معرفية مثل تصنيف بلوم (Bloom’s Taxonomy)، وهو تصنيف هرمي للمستويات المعرفية التي يتم تطويرها خلال عملية التعلم، حيث يتدرج المتعلمون من المعارف الأساسية إلى التفكير النقدي والتحليل والابتكار، مما يؤسس لنمو معرفي ومهني مستدام.

وتشير تقارير عام 2023م إلى أن التعليم المهني يُعدّ من القطاعات الأسرع نموًا عالميًا، حيث تصدّرت أمريكا الشمالية السوق بنسبة 35% من الإيرادات، تلتها منطقة آسيا والمحيط الهادئ بنسبة 30%، ثم أوروبا بـ20%، وأمريكا اللاتينية بـ8%، وأخيرًا الشرق الأوسط وأفريقيا بنسبة 7%. وتُعدّ منطقة آسيا والمحيط الهادئ الأسرع نموًا، نتيجة الطلب المتزايد على المهارات المهنية والاستثمارات الحكومية المتصاعدة. وقد بلغ حجم سوق التعليم المهني عالميًا نحو 200 مليار دولار أمريكي في عام 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 350 مليار دولار بحلول 2033م، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 7.5% خلال الفترة بين 2026م و2033م.
تتمثل أبرز آثار التعليم والتدريب المهني على الاقتصاد في تعزيز كفاءات العمال ومهاراتهم، مما يؤدي إلى تنمية رأس المال البشري وزيادة الإنتاجية الفردية، حيث يُمكّن العمال المهرة من أداء المهام بكفاءة أكبر. كما يُسهم التعليم المهني في رفع معدلات الابتكار وحل المشكلات، ويدعم قدرة القوى العاملة على التكيّف مع التغيرات الهيكلية في سوق العمل، مثل التحوّل من الصناعات التقليدية إلى القطاعات المتطورة. كذلك، يسهم التعليم المهني في زيادة الدخل وتحفيز الاقتصاد، إذ يحصل الكادر المهني المؤهل على أجور أعلى، ما يرفع من مستوى الإنفاق الاستهلاكي ويُنعش السوق. كما تتيح برامج التدريب للعمال ذوي المهارات المحدودة فرص الانتقال إلى وظائف ذات رواتب أفضل، مما يُقلل من تفاوت الدخل. وتُعدّ القوى العاملة المؤهلة عامل جذب للاستثمار الأجنبي المباشر، حيث تفضل الشركات العالمية الاستثمار في بيئات غنية بالكفاءات المهنية. ومن جهة أخرى، يُساعد التعليم والتدريب المهني في خفض معدلات البطالة وتكاليفها الاجتماعية، عبر مواءمة المهارات مع متطلبات سوق العمل، وتسهيل انتقال العمال من القطاعات المتراجعة إلى القطاعات النامية، مما يُقلل من الضغط على الإنفاق الحكومي ويُعزز الإيرادات الضريبية.
رغم هذا الدور المحوري، يعاني التعليم والتدريب المهني في السودان من إهمال مزمن، يتجلى في ضعف البنية التحتية، وعدم تحديث المناهج، وقلة الكوادر المؤهلة. كما أن نفقات التعليم المهني تمثل نسبة ضئيلة من إجمالي الإنفاق على التعليم. ففي عام 2018، لم تتجاوز حصة التعليم التقني والمهني 1% من موازنة وزارة التربية والتعليم، في وقت لم يتجاوز فيه الإنفاق العام على التعليم 2.6% من الميزانية الحكومية. تُضاف إلى ذلك التحديات الثقافية، إذ لا يزال التعليم المهني يُنظر إليه كمجال أدنى من التعليم الأكاديمي، ويرتبط في المخيال الشعبي بالفشل الدراسي وتدنّي الذكاء. وهذه الصورة النمطية تُشكل حاجزًا نفسيًا واجتماعيًا أمام انخراط الشباب في هذا المسار، رغم أنه يشهد نموًا عالميًا متسارعًا.
اكتسب التدريب المهني خلال السنوات الأخيرة زخمًا دوليًا باعتباره بديلًا عمليًا ومجديًا للمسارات الأكاديمية، حيث تستثمر حكومات عديدة، مثل الولايات المتحدة، بشكل متزايد في هذا القطاع. فعلى سبيل المثال في عام 2020م، خصص قانون بيركنز الخامس (Perkins V) أكثر من 1.3 مليار دولار لتطوير التعليم المهني والتقني.
كذلك، تتطلب الثورة التكنولوجية المتسارعة قوة عاملة مرنة ومزوّدة بمهارات حديثة، خصوصًا في قطاعات مثل تكنولوجيا المعلومات، والرعاية الصحية، والطاقة المتجددة، والصناعة والزراعة الذكية.
إن التعليم والتدريب المهني ركيزة من ركائز التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لما يعززه من إنتاجية وابتكار واستقرار. وقد أثبتت التجارب أن الاقتصادات التي تستثمر في رأس المال البشري تحقق نموًا أعلى، وتفاوتًا أقل، ومرونة أكبر في مواجهة التقلبات العالمية. ووفقًا للبنك الدولي، يُعدّ التعليم والتدريب التقني والمهني استثمارًا استراتيجيًا ذكيًا، خاصةً في دعم الفئات الفقيرة واللاجئين والفئات المهمّشة. ومع ذلك، لا يزال التمويل العام لهذا القطاع ضعيفًا، إذ تتراوح نسبته بين أقل من 1% إلى نحو 15% من إجمالي الإنفاق على التعليم.

omarmahjoub@gmail.com

عن د. عمر محجوب الحسين

شاهد أيضاً

بريكس تتحدى أنظمة الدفع الغربية- هل تنجح ؟ 

د. عمر محجوب محمد الحسين لا شك أن اتجاه إيجاد أنظمة دفع وتسويات مالية بديلة …