التنمية البشرية
د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
التنمية البشرية
ساد رأس المال المادي في الفكر الاقتصادي سنيناً وسنيناً باعتباره المهم وهو الأهم في الحياة الاقتصادية، وباعتباره يمتلك نصيب الأسد في تحقيق النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية. وكان جل اهتمام الفكر التقليدي منصب على هذا الجانب المادي المنزوع الروح والكيف، والذي يضيف إضافة او يزيد زيادة مستمرة في متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي أو المحلي الحقيقي، ويعتبرون ذلك هو الطريق القويم لتحسين مستوى المعيشة والقضاء نهائياً على المشكلات المزمنة التي تعاني منها الدول المتخلفة.
ولكن عملياً، أثبتت التجربة بُعد هذا الاعتقاد عن الحقيقة، وقالت بأن الزيادة في متوسط الفرد من الدخل القومي، لم ولن تسهم فعلياً في علاج الأمراض الاقتصادية التي تنخر في جسد الدول النامية كالسوس المبثوث، بل تفشت سريعاً كالسرطان -حماكم الله وحمانا- وأدت الي زيادة ومضاعفة حدة التضخم وتفاقم مشكلات البطالة والإسكان ونزول مستويات المعيشة الي الحضيض وانفلجت وزادت الفجوة أو الهوة في التفاوت وفي التباين في توزيع الدخول، فالنمو الاقتصادي لا يؤدي بالضرورة الي تحقيق التنمية بمفهومها الشامل.
وعليه اهتم الفكر الاقتصادي مع نهايات عقد الستينيات من القرن الفائت اهتماماً جاداً برأس المال البشري، باعتباره أحد أهم العوامل الرئيسية المسئولة عن حدوث النمو الاقتصادي وتنميته.
وكان أن أبرزت التنمية ووضحت أن الاستثمار في مجال التعليم والصحة، يؤدي بلا محالة الي زيادة القدرات البشرية والي نمو مستويات الإنتاجية وانتعاش الحياة وتقوية القدرة الإنتاجية للأفراد، مما يؤدي الي تحقيق النمو من خلال زيادة متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي.
وقد طفحت على السطح دلائل كثيرة وعديدة وكافية تعضد من أن مساهمة رأس المال البشري في النمو أعلى مما تساهم به الموارد الطبيعية وكذلك رأس المال المادي أو هما الاثنين معاً، في بعض أو في كثير من الحالات.
ومع ظهور عقد التسعينيات على سطح الواقع، ظهر معه منهجاً جديداً للتنمية قائماً على أساس أن التنمية البشرية هي الهدف الأخير والنهائي لعمليات التنمية في أي دولة وفي كل الدول، فالتخلف من منظور هذا المنهج الجديد لا يعتبر افتقاراً للدخل ولكنه افتقاراً للقدرات البشرية.
ولذا يستند منهج التنمية البشرية على أن رفع وتعزيز قدرات الأفراد يعتبر غاية أساسية وحياتية لعملية التنمية، يجب الاهتمام به وتحقيقه وانجازه. وهذا يعني ويعكس أن التنمية البشرية تتمحور حول الانسان، باعتباره الوسيلة وباعتباره هدف التنمية في أي زمان وفي أي مكان. وقد عمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، منهج التنمية البشرية من خلال سلسلة تقارير التنمية البشرية التي بدأ إصدارها منذ 1990م.
وتعريفاً للتنمية البشرية، صدر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في 1990م، كلاماً يعرف التنمية البشرية على انها عملية توسيع نطاق الخيارات للأفراد -للإنسان-. وأعظم وأهم هذه الخيارات هي أن يحيا الانسان حياةً كريمة معمرة، نظيفة خالية من الشوائب ومن الأمراض، وأن ينال قدراً معقولاً من التعليم، وأن يكون بوسعه الحصول على الموارد وعلى الحاجات التي تضمن له مستوي معيشي كريم ومحترم، بالإضافة، لتمتعه بالحريات السياسية وغيرها من حريات، وكذلك حقوق الانسان الأساسية واحترام الذات الإنسانية.
اذاً، هل هناك أي فرق أو أي اختلاف بين النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية والتنمية البشرية والتنمية المستدامة؟ الإجابة عن هذا السؤال، دائماً، تأتي بنعم، ولما لا! فالتنمية الاقتصادية كمفهوم تعتبر أوسع اتساعاً وأكثر شمولاً من النمو الاقتصادي.
ففي الوقت الذي يكلمنا النمو الاقتصادي عن الزيادة الكمية للإنتاج، تحدثنا التنمية الاقتصادية عن أنها تحتضن وتضم بين جنباتها النمو الاقتصادي ومكوناته كلها، بالإضافة الي اجراء تغيرات جذرية في الهيكل الاقتصادي القومي، بما يتيح الفرصة لكي يتم تصحيح الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد المعني، وتحسين نوعية السلع والخدمات، مع انجاز عدالة أكبر في توزيع الدخل القومي بين المواطنين وبين فئات المجتمع المختلفة.
ولكننا نجد أن التنمية البشرية هي الأشمل وهي الأكثر اتساعاً من مفهوم التنمية الاقتصادية، لأنها لا تكتفي بالجانب المادي والسلام وعليكم السلام، والمتشكل في زيادة الدخل ونصيب الفرد منه اضافةً للعناصر المادية الأخرى، ولكنها تضيف لهم وعليهم جوانب أخرى، تساعد في رفع قدر رفاهية وكفاءة وانتاجية الانسان ذات نفسه، باعتباره هو الغاية الكبرى لعملية التنمية، وهذا يتحقق من خلال الاستثمار في كيان الانسان نفسه وفي ذاته من خلال التعليم والصحة.
أما التنمية المستدامة فهي الأعم وهي الأشمل وهي الأكثر اتساعاً على الاطلاق، لأنها تحيط بكل المفاهيم السالفة الذكر، ولكنها لا تخاطب رفاهية الانسان الحاضر وارتفاع مستوى معيشة الأجيال الحالية فقط، وانما تخطب ود الأجيال المستقبلية القادمة كذلك، وذلك من خلال الاهتمام بالبيئة والمحافظة على استمرارية الموارد الطبيعية خاصةً القابلة للنضوب وللنفاد وللغياب الأبدي.
التعليم والتنمية الاقتصادية
لم تكن علاقة التعليم بالتنمية الاقتصادية مستجدة وجديدة يوماً ما، ولم تكن قط حديثة في يوم من الأيام، ولكنها كانت قديمة قدم التاريخ الاقتصادي ذات نفسه. فقد تناول الفيلسوف آدم سميث أهمية التعليم في كتابه ثروة الأمم، ذلك الكتاب الذي غطت شهرته الآفاق الماضية والحاضرة وبلا أدني ريب اللاحقة.
إذ يقول بكل ثقة العلماء، إن اكتساب الفرد للمواهب أثناء تعليمه ودراسته هي تكلفه حقيقية، لا شك في ذلك، ويمكن أن تكون باهظة متطرفة وعالية جداً، ولكنها، وبكل تأكيد، تعد بمثابة راس مال ثابت ومتحقق في شخصه، وهي ثروة فردية ولكنها أيضاً تعد بدورها جزء من ثروة المجتمع أجمع.
ولقد فشلت كل الدعوات المتلاحقة والمتتالية الداعية الي تحقيق التنمية المنشودة، ولم يقدر لها تحقيق تطلعات اغلب البلدان المتخلفة أو النامية. فقد غابت أكثر من ستة عقود في رحم الماضي، بدايةً من منتصف القرن الماضي ولا زالت الدول النامية بما فيها السودان محلك سر، ولم تستطع، بل عجزت تماماً عن تحقيق التقدم والنمو الاقتصادي المطلوبين، وما زالت، لغاية اللحظة الماثلة، شعوباً تعتمد اعتماداً كلياً على استخراج أو إنتاج المواد الأولية وتصديرها في تكوين دخلها القومي.
وتعد واحدة من أبرز التحديات التي تواجه هذه الشعوب هي تلك المتمثلة بنوعية البشر وكيفه، وشكل انسانها محتواً وجوهراً من ناحية التعليم، ومن ناحية قدرتهم على اكتساب المهارات، وعلى صقل ما يملكون منها، فهذه البلدان تواجه نقصاً حاداً وكبيراً في الكوادر البشرية، التي يمكنها قيادة عملية التنمية ورحلة التقدم المستمرة، وكما إن هذا العمل يحتاج ويتطلب تهيئة البشر لتحولات قيمية تولدها هذه التنمية، ومتطلبات تقع ثقيلة على عاتقهم، كونهم وسيلة وغاية لعملية الإنماء والتنمية والتقدم.
وأول ما يتطلب ذلك هو محاربة العادات البالية والتقاليد المتخلفة، بجرأة وبشفافية، تلك التي لا تتلاءم أبداً والتحول نحو المجتمعات الصناعية المتقدمة، لذا فمن الضروري والحتمي إكسابهم مستويات عالية من التعليم ومن الخبرات ومن المهارات، وأن يكون هناك تدريباً مستمراً لغرض تقبلهم واستيعابهم لقيم ومهارات جديدة تنسجم وتتوافق مع التطور السريع المسرع في جريانه كونياً ووجودياً، وفي ظل تحولات معرفية سريعة متدفقة ومتدافعة ترافق، حذو الكتف بالكتف، التطور في المجتمعات الصناعية المتحضرة، والتي بفضلها وبها تم تحقيق استدامة واستمرارية في تصاعد دخلها القومي وفي نموه، وفي نمو متوسط نصيب فردها من الدخل الحقيقي وتصاعده.
ومن أبرز العوامل التي حرضت الاقتصاديين وشجعتهم على الالتفات الي التعليم والاهتمام به، هي العوامل التالية التي نقوم بذكرها حالاً وبدون ابطاء:
o معرفة وإدراك الدول المتخلفة المتزايد لأهمية التعليم وحتمية دوره الفريد والمتميز في تحقيق التنمية الاقتصادية.
o ميل دول العالم قاطبة أو جلها الي زيادة النفقات التعليمية في الآونة الأخيرة، الأمر الذي دعا الاقتصاديين إلى البحث في مدى الجدوى الاقتصادية لتلك النفقات على المجتمع.
o عجز غالبية البلدان في مواجهة أعبائها التعليمية أمام تزايد أعداد الطلاب، وظهور الحاجة إلى دراسة تكاليف التعليم بهدف الحصول على مردود أمثل بنفقات أقل .
o وأمام تزايد أعداد الطلبة أو الطلاب، ظهرت الحاجة إلى البحث عن مصادر تمويل مختلفة ومتعددة، تلك التي يمكن أن تسد نفقات التعليم ومتطلباته، وأيضاً عن ايجاد أفضل السبل الممكنة لتوزيع أعباء التعليم المالية بين ميزانية الدولة والهيئات الخاصة وبين السلطة المركزية.
لماذا الانفاق على التعليم؟
غالباً هناك اجماع كبير وطاغي حول أهمية التعليم وأثره العميق والمحسوس على جانبي الإنتاج والاستهلاك، وأكدنا بدون ريب على أن الانفاق على التعليم هو في الأساس استثمار وليس استهلاك ولا هو تكاليف ضارة هالكة، وأن هذا النوع أو هذا الضرب من الاستثمار أي الاستثمار في الانسان يأتي بعوائد عظيمة، لا شبيه لها، سواء للفرد أو للمجتمع ككل.
وهناك مؤشرات مهمة نستعملها للتعرف على المستوى التعليمي والثقافي في المجتمع، وهذه المؤشرات هي:
نسبة الذين يلمون بالقراءة والكتابة (عدد الذين يفكون الخط) من عدد أفراد المجتمع الكلي.
نسبة الملتحقين أو المسجلين في مراحل التعليم المختلفة من عدد أفراد المجتمع الكلي.
نسبة الانفاق أو المنفق على التعليم الي اجمالي الناتج المحلى، وأيضاً الي اجمالي الانفاق الحكومي.
وقد أثبتت العديد من الدراسات والتجارب الكونية، وأكدت على وجود علاقة وثيقة بين التوسع في قاعدة التعليم بشكل عام وبين معدلات النمو الاقتصادي، حيث أن للتعليم دور مشهود في خلق رأس المال البشري القائم على اكتساب مهارات ومعرفة جديدة، وعلى تطوير المهارات والقدرات والإمكانات الكامنة وكشفها واكتشافها، هذا فضلاً عن دور التعليم في تعزيز المعرفة عبر برامج وأنشطة البحث والتطوير العلمية.
وقد بدأ الكثير من قادة ومفكري الاقتصاد في الدول المتقدمة أو الأكثر تقدماً في الاقتناع والايمان في هذه الأفكار والحض والتشديد على أهمية الانفاق أو الاستثمار في رأس المال البشري المتبلور في النظام التعليمي كضامن أساسي ورئيسي لإنتاج القوى البشرية المطلوبة والمرغوبة.
ووجدت الكثير من الشعوب أن هناك علاقة عميقة بين الزيادة في رأس المال البشري المؤهل وبين معدلات النمو في دولها، متمثلة في نمو الناتج المحلي الإجمالي. وبمعنى محدد ومبسط غاية البساطة، سنجد أن كل هذه المشاهدات وتلك التأكيدات تؤكد على أن الإنفاق على التعليم هو بالضرورة يدخل في خانة الاستثمار وليس الإنفاق بمعناه المطلق.
لقد قام “ارفج فشر” بتضمين رأس المال البشري في مفهوم رأس المال، متخذاً من التمعن والنظر إلى راس المال، وكأنه أي شيء له امكانية تحقيق دخل مستمر مستدام، خلال فترة من الزمان، وان الدخل يتولد ويُخلق من قبل رأس المال.
ولكن ماركس كان له راي آخر مختلف، حيث عد الإنسان أثمن وأغلى رأس مال في الوجود. بينما يرى ألفريد مارشال ان التعليم يُنظر اليه باعتباره نوعاً من الاستثمار القومي، ومن الضروري اهتمام الاقتصاد به، لدرجة الرعاية الحنونة الخاصة، وبخاصة في مجال التنمية الاقتصادية، وهو ما يترتب على الدولة حتمية زيادة الإنفاق على التعليم، كما أكد الاقتصادي تيودور شولتز على أهمية الموارد البشرية القصوى، وضرورة تنميتها بالتعليم وبالتدريب.
ولكن، لا بد ان تكون الزيادة في الإنفاق على التعليم زيادة حقيقية، وليست نقدية اسمية في ميزانيات الدول المتخلفة، رغم إن اغلب هذه البلدان تعاني معاناة عظيمة من محدودية وتواضع دخولها وايراداتها.
وهنا، في السطور التاليات، نحاول بإخلاص، تسليط الأضواء على أبرز الحاجات أو الأسباب التي شجعت الاقتصاديين ودفعتهم لاعتبار الاستثمار في التعليم يحمل ثماره اليانعة لرؤوس الأموال، ويؤدي الي ابراز دورها الهام في التنمية الاقتصادية:
o أنه يزيد من دخل االمواطنين من خلال حصولهم على الوظائف والأعمال التي تحتاج الي تعليم ومهارات خاصة جداً.
o إن التعليم بشكل عام يؤدي إلى زيادة الإنتاجية، والتي تعتبر ذات أهمية متميزة ومتفردة في تحقيق التنمية الاقتصادية.
o يقود التعليم إلى زيادة قابلية الأفراد وامكانياتهم ومواهبهم، والكشف عنها في المجتمع والاستفادة منها اقتصادياً.
o يغذي التعليم قدرة الأفراد في التكيف والتأقلم مع ظروف العمل وتقلباته الناجمة عن النمو الاقتصادي.
الأمية السودانية
من المؤسف حقاً أن نتجاذب أطراف الأمية ونسبتها، ونحن نعيش في باحات القرن الحادي والعشرين الالكترونية، وكأننا مازلنا هناك في الزمان الغابر السحيق، نقبع في عصر من العصور القديمة البالية، التي لم يتعرف انسانها على ماهية الكتابة ولا ما هي القراءة، وما المقصود بفك الخط، ولماذا؟
ولكننا في اضطرار ملح لكي نتقاذف اللوم ونتبادل الاتهامات، ونحاول الهروب بعيداً عن حمل أمانة المسئولية، لنعلن عن نسبة أمية بلغت حوالي 57% في عام 2006م، حيث بلغ العدد الكلي نحو (8,623,618)، منهم حوالي (3,277,152) ذكور، ونسبتهم 38%، مقارنة بعدد الأميات واللاتي بلغن حوالي (5,346,565) ونسبتهن وصلت الي 62%.
ويُعتبر السودان ثالث أكبر دولة في القارة الأفريقية، ويمتاز شعبه بالتنوع التراثي الثقافي والتاريخي وغناه. إلا أنّنا واجدين ما يقرب أو ما يقارب ال 97٪ من السكان، هم من مسلمي المذهب السني، والجميع أو قل معظمهم يتحدّثون اللغة العربيّة بطلاقة وبدونها.
وهناك وجود لأقليّة مسيحية صغيرة تعيش في أمان وتتعايش في سلام، ويقطن أكثر من مائة وخمسين جماعة إثنيّة وقبيلة في حضن السودان الواسع، لها عدّة انتماءات دينيّة متميّزة ولغويّة متفردة في عرض البلاد وطولها، ونحو 9٪ من السكان هم من البدو الرحل العاشقين لعدم الاستقرار (الوزارة الاتّحاديّة للتّعليم العام، 2012).
وقد أجبر تاريخ السودان المليء بالمنازعات وبعدم الاستقرار وبالتنافر السياسي وبالحروب الأهلية، أعداداً كبيرة على النزوح الي أعماق البلاد. فنمى عدد النازحين وتضخم داخلياً بشكل مطّرد وملحوظ من (841,949) في 2005م إلى (2,174,000) في ديسمبر 2015م (مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، 2015).
ويُعرَف ويمتاز السودان أيضاً بتقاليده العريقة لجهة استضافته للاجئين ولطالبي الملاذ والملجأ والأمان، هروباً من شبح الموت (معظمهم من دول أفريقيّة مجاورة، بما في ذلك إريتريا وجنوب السودان وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى)، حيث كان يعيش حوالي (254,740) لاجئاً في ربوع السودان المضيافة المترامية الأطراف في ديسمبر 2015م.
وكان أكثر من 39 مليون في 2014م، يعيشون في مساحات السودان المرحبة بهم والضامة لهم بالرفق كله، وانتشر معظمهم في المناطق الريفيّة، وحوالي فقط الثّلث منهم في محيط المدن وداخلها. ويتشكل معظم سكان البلاد من الشّباب، حيث نجد حوالي 41٪ من الشّعب السوداني يبلغون 14 عاماً أو قل أقل من ذلك، و20٪ هم الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً. مع معدل نمو سنوي قدره حوالي 2.1٪ في 2014م، فضلاً عن ارتفاع معدّل الخصوبة إلى 4.4 أطفال مولودين لكل امرأة من النساء، وينمو ويزداد عدد السكان بسرعة مطّردة.
بالتّالي، هنا تظهر المفارقة العجيبة وهي، بالرّغم من ارتفاع معدّل وفيّات الرّضع وتسجيل أحد أعلى معدّلات ومستويات في وفيات الأمهات في العالم أجمع، إلاّ أنّه من المتوقع، وبدون أدني شك، أن يستمر عدد السكّان في النمو وفي الصعود وفي الارتفاع.
وإذا استمر هذا السلوك التكاثري السوداني واستمرّت الاتجاهات على حالها، تأكد وتأكدوا من أن التوقعّات تقول بأنّ عدد السكان سيبلغ عنان ال (56,442,992) نسمة في 2030م، 50.2٪ منهم سيكونون من الذكور و49.8٪ من الإناث (استعراض عدد سكّان العالم، 2016م).
في الوقت ذاته، اتّخذ الطلب على التعليم (تعليم ما قبل الابتدائي) اتجاهاً تصاعدياً جميلاً من 2010م إلى 2013م (اليونيسف، 2015). وخلال عمر الزمان نفسه، زادت معدلات الالتحاق الإجماليّة (GER) في المدارس الابتدائيّة وكذلك الثانوية بشكل طفيف وخفيف، رّغماً عن سلوك النمو غير المستقر.
ويمكننا أن نؤكد على أن السودان يسجّل أكبر عدد وأعلى معدل من الأطفال الذين يتخبطون خارج حوش المدرسة في ضياع لا قرين له في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (مينا). إذ يشير بنان بيانات نظام معلومات إدارة التعليم (EMIS) للعام 2010م إلى أن نحو ثلاثة ملايين طفل، تتراوح أعمارهم بين 3 و5 سنين ما زالوا ضائعين وتائهين خارج أسوار المدارس.
لذلك، يمثل الضغط الديموغرافي تهديداً حقيقياً للتعليم ومستقبله في البلاد، حيث أنّ الطّريق أمام السودان لا تزال طويلة وبعيدة في سبيل تحقيق وانجاز تعميم التعليم الابتدائي (وهناك حديث أسوأ مع حرب السلطة غير الوطنية المستمرة الآن). (السودان -مراجعة سياسة التعليم- تمهيد الطريق الي عام 2030م- منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة).
…….. نواصل
bakoor501@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم