التعليم (14)

التنمية والتعليم
د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهدي
التنمية والتعليم
بالرغم من أهمية أطروحة أمارتيا سن، ومخاطبتها المباشرة لشئون وقضايا الدول المتخلفة كالسودان. وبالرغم من جلبها الكثير من الحلول لمشاكل التنمية، وأيضاً ملاءمتها لبيئات التعدد الثقافي، كالبيئة السودانية، ولكن ويا للأسف لم تلفت هذه الأطروحة الا قليل القليل من انتباه السودانيين.
ومن بين الدراسات العلمية المهمة التي تناولت هذه الأطروحة بشيء من الاهتمام وبشيء من الجدية دراسة للبروفيسور على عبد القادر على، أستاذ اقتصاديات التنمية، بالإضافة الي بعض الاشارات والشذرات الموجزة، وبعضها مقالات عابرة غير متعمقة لمهتمين آخرين.
وقد قدم على عبد القادر تفسيراً وطرح شرحاً لأطروحة أمارتيا سن وحفها بتلخيص ذو أهمية، من خلال بحثه، “اقتصاديات التنمية وسودان ما بعد النزاع”. وأشار قائلاً، بأن سن يعتبر من أعظم المنتقدين لنظرية الرفاه الاجتماعي النيو كلاسيكية، التي ترى أن الرفاه اعتماده الأساسي على المنفعة التي تستند على استهلاك المنتجات والخدمات.
وأردف قائلاً بأن مساهمات أمارتيا لم تكتفى بنقدها لأساسيات نظرية الرفاه وكفى، ولكنها رغبت وأنشدت إيجاد بديل فلسفي مقنع. ويعتبر قرطاسه “التنمية صنو الحرية”، بمثابة خلاصة مكثفة لأهم تلك المساهمات في انزالها وتطبيقها على مسائل التنمية.
وتتمركز فكرة “سن” المحورية في أنه “يجعل من الممكن النظر الي التنمية على أنها عملية توسيع الحريات الحقيقية والأساسية التي تتمتع بها البشرية”. ويعتقد عبد القادر أن هذه الرؤية السنية التي تتكثف حول حريات الانسان، تتجاوز المقاربات السطحية والضيقة الأفق للتنمية باعتبارها فقط تتشكل في نمو الناتج المحلي الإجمالي، أو نمو دخل الفرد، أو اعتبارها التصنيع أو أنها التقدم التقني أو هي التحديث الاجتماعي.
وواصل قائلاً… “على الرغم من أن بعض هذه المقاربات تمثل وسائل لتوسيع حريات البشر الا أن الحريات تعتمد على محددات أخرى، كالترتيبات الاجتماعية لتوفير خدمات الصحة والتعليم، والحقوق السياسية والمدنية التي تهيئ الفرص للمشاركة في الجدل حول القضايا العامة ومساءلة أولى الأمر”.
ويواصل عبد القادر موضحاً بأن الأهمية المركزية للحرية في العملية التنموية تندلع وتنبع من مصدرين. يعتني ويُعنى الأول منهما بتقييم أداء السجل التنموي، وهذا يعني أن أي تقدم يتم احرازه بواسطة العملية التنموية لا بد ومن الضروري أن يتم تقييمه بالنظر الي ما إذا كانت الحريات التي يستمتع بها البشر ويتمتعون بها، قد تم دعمها وقد تم توسيعها”.
أما الثاني فهو يهتم بكفاءة الأداء التنموي، وهذا يعني أن أي تقدم يُنجز في حقل التنمية لا بد وأن يكون قد استند على التفاعل الحر من خلال الناس ومساهماتهم واشتراكهم في انجاز التقدم المقصود كشركاء، وليس فقط كأطراف مستقبلة لثمرة البرنامج التنموية التي تُنفذ وتُطبق عليهم بواسطة طرف آخر”.
وأردف قائلاً بأنه وبتسليط الضوء على التنمية كعملية تعمل على توسيع حريات الانسان، يتركز كل الاهتمام على “توسيع” (استطاعة)، أو (مقدرة)، البشر ليعيشوا وليحيوا حياة ينشدونها وحياة يثمنونها، ويسعون الي تحقيقها، أو “حياة لديهم من الأسباب ما يدعوهم لتثمينها”.
وسعي عبد القادر بكل جد وبكل اجتهاد الي ربط فكرة “سن” وأطروحته باقتصاديات التنمية السودانية، عندما لاحظ وسارع بمغازلة انتباهنا باتفاقية السلام الشامل، وبعدها بدستور جمهورية السودان الانتقالي لعام 2005م، بأنهما كانتا مواكبتان للتطورات النظرية والتطبيقية في حقل اقتصاديات التنمية. وهي نفسها التطورات التي شجعت وحرضت المجتمع الدولي من خلال قمة الألفية التي كان انعقاد جلساتها في شهر سبتمبر 2000م في نيويورك، على تبني “الأهداف الإنمائية للألفية”.
وقد جاءت مواكبة الاتفاقية من أن الدستور الانتقالي نص في فصله الثاني، من الباب الأول، حول “المبادئ الهادية والموجهات”، وتحت المادة (10-1) على أن “تكون الأهداف الأشمل للتنمية الاقتصادية هي القضاء على الفقر وتحقيق أهداف ألفية التنمية وضمان التوزيع العادل للثروة وتقليص التفاوت في الدخول وتحقيق مستوى كريم من الحياة للمواطنين”.
وأشار عبد القادر الي أن القراءة العميقة للأهداف الإنمائية للألفية، والتي واكبتها الاتفاقية (اتفاقية السلام الشامل)، توضح أن المجتمع الدولي قد اتفق وتراضى على اعتبار أن الهدف المركزي للتنمية، وخاصةً في البلدان المتخلفة، هو التخفيف والتقليل من الفقر.
وبالرغم من أن هذا الاتفاق الجمعي قد تأخر، بعد تنفيذ وتطبيق متتالي لعقدين من الزمان لوصفات اقتصادية غير تنموية، عُرفت بوصفات “وفاق واشنطن”، ولكنه أتى كنتيجة لتراكم معرفي في حقل اقتصاديات التنمية أفضى الي تعريف واسع وعريض للتنمية باعتبارها عملية (لتوسيع الحريات الحقيقية التي يتمتع بها البشر)”، كما قال بذلك بروفيسور أمارتيا سن.
وكما نوه وأشار أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم، عطا الحسن البطحاني، الي أمارتيا سن من خلال مقالته، “مشاريع متنافسة”، وهو يتناول تجارب بعض البلاد في تحقيق التنمية. وكان أن أكد، بأن جل أو معظم البلدان التي أنجزت التنمية ونجحت فيها، كان وراء هذا النجاح ثمناً ليس بالهين، تحملته شعوب تلك البلاد أو هذه الدول، وكما تم استعمال شيء من قهر الحكومة تجاه وضد مواطنيها.
ومع حرصه بعدم التعميم، ذكر البطحاني، أن في الغالب الأعم يستلزم المشروع الوطني التنموي درجة ما من “تسلط وقهر الدولة التنموية”. وذكر أن كل من الاتحاد السوفيتي السابق والصين في عصر ماو تسي تونغ، أو كما كان في مصر في أيام عبد الناصر واثيوبيا مع مليس زناوي.
ولكنه يستدرك ليقول بالمقابل، ليس ضرورياً ولا يشترط ممارسة مثل هكذا قهر، فالواقع يقول بأن هناك بلدان لم تلجأ لأسلوب العصا الغليظة تلك، بصورة سافرة من أجل استخراج الفائض الكامن والعمل على استثماره انتاجياً. فالهند تقف شامخة كمثال حي لوجود منظومة حكم ديمقراطية ولكنها وبالرغم من ذلك حققت وأنجزت تنمية، وهناك أيضاً ماليزيا مهاتير، وهناك أمثلة وأمثلة متعددة. ويؤمن الاقتصادي الأشهر أمارتيا سن بأن الديمقراطية هي الشرط الأساسي لتحقيق التنمية الاقتصادية.
ولم يتأخر الوزير مدني عباس مدني في الادلاء بدلوه، وفي الافصاح عن رايه في “سن” وفي كتابه القيم، من خلال متن مقالته، التي تحدث فيها عن تجربة السبعة أشهر من عمر الحكومة الانتقالية في السودان، حيث قال، أن سن أشار في كتابه “التنمية حرية” الي القدرة العظيمة للبلدان الديمقراطية على مواجهة الكوارث ومواجهة الأزمات، مستنداً ومستشهداً بذلك على أن الحرية تتيح مساحات واسعة من الشفافية وتفرضها على سلطات وعلى حكومات الدول الديمقراطية.
وأيضاً لم يستثني أحمد يوسف نفسه من التعرض الي أمارتيا سن والتنمية حرية، في مقالته “حرية، ديمقراطية، مساواة، مشاركة: أفكار في السياق السوداني، (2018). فقد بدأ يوسف مقالته بمقولة لأمارتيا، كان صداها، “لا يوجد أدلة كافية لحدوث تنمية بمعزل عن الحرية”.
ونبه يوسف الي أطروحة أمارتيا سن.. التنمية حرية، ذاكراً بأن سن هو القائل، أنه لا يكفي أن ننظر للحرية كنتيجة للتنمية، بل يجب أن ننظر لها كاستحقاق ضروري لإحداث التنمية، فالتنمية بالنسبة لامارتيا سن هي تحرير الانسان، فالفقر قيد، والجهل قيد، فتحرر الانسان من هذه القيود وغيرها هو التنمية وهو عين التنمية.
وأردف يوسف، متفوهاً بأن تحرر وتحرير الانسان هذا مرتبط مبدئياً وابتداءً بحريته، فالحرية ضرورة ملحة للمعرفة، وحتمية ليصبح الانسان حراً في خيار كسبه وفي خيار انفاقه.
وقد أشار أستاذ العلوم السياسية، وعميد كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية، بمعهد الدوحة للدراسات العليا، عبد الوهاب الأفندي، من خلال مقالته (كبيرة افقار الفقراء)، الي أمارتيا سن، قائلاً، بدون تردد، في بحثه وفي تحقيقه الفريد في المجاعات، ازاح “سن” الستار كاشفاً عن أن وقوع المجاعات لا يرتبط وليس له علاقة مباشرة بعدم توفر الغذاء، ولكن بعدم القدرة على الحصول عليه وعلى شرائه.
وكذلك اعتمد محمد أحمد محمود أبو عبدة في ورقته، “الشباب والمشاركة السياسية من منظور التنمية كصنو الحرية”، على فكرة أمارتيا، وقد كان غرض ورقته هو الاسهام في صياغة إطار مفاهيمي عام للبحث في قضايا مشاركة الشباب، باعتبار أن عملية توسيع حريات الناس الهدف الأساسي للتنمية والطريقة الوحيدة أو الرئيسية في تحقيق التنمية المنشودة والمرغوبة.
وقال محمد أحمد بأن بحثه ينظر الي العوامل التي تحدد المشاركة السياسية للشباب من خلال مفهوم أمن الانسان الذي عملت الأمم المتحدة على تبنيه. وقد تم تعريف أمن الانسان بأنه (تحرير الانسان من التهديدات الشديدة، والمنتشرة والممتدة زمنياً وواسعة النطاق التي تتعرض لها حياته وحريته).
ويعتبر أمن الانسان هو العمود الفقري للتنمية البشرية، ففي الوقت الذي تهتم التنمية بتوسيع قدرات الأشخاص والأفراد وبالفرص المتوفرة لهم، يُعنى أمن الانسان بمساعدة الشعوب لتتمكن من احتواء أو تجنب المخاطر التي تعرض حياتهم وسبل معيشتهم وكرامتهم للإهانة وللتهديد وللمشاكل من كل نوع ولون، وهذا ما لخصه أمارتيا في مفهوم واصطلاح “التوسع مع الانصاف”، التنمية البشرية و”الانتكاس مع الأمن” أمن الانسان، وعدم مقدرة الدولة وضعفها على حماية حريات وحقوق مواطنيها وضمان هذه الحريات وتلك الحقوق، وذلك بسبب تفشي الفقر وانتشار البطالة وكثرة الحروب الأهلية، ويعتبر الاهتمام بأمن الانسان وتوطيده هو الذي يمنح الدولة أو حكومة الدولة شرعيتها، وهو ما يخلق وما يجعل التنمية بمفهومها وبمعناها الواسع العريض أمراً من الممكن ومن الامكان إنجازه وتحقيقه وتنفيذه وتكون واقعاً معاشاً.
وقد أوضح أستاذ الاقتصاد، بكلية هوارد الجامعية بالولايات المتحدة، محمد محمود الطيب بان الأساس النظري وكذلك الفلسفي لسياسات التحرير الاقتصادي قد أصابته سهام الانتقادات الحادة من قبل كبار المفكرين الاقتصاديين من الحائزين على جائزة نوبل في الاقتصاد، كبروفيسور أمارتيا سن.
وكان أن نال قرطاس “التنمية حرية” نصيباً عظيماً من الاهتمام من قبل قصي همرور، خبير الحوكمة ودراسات التنمية، من خلال سفره الذي تزين بعنوان، “حوكمة التنمية: قضايا واطروحات”، والذي طرح فيه ثلاث تعريفات للتنمية، وهي كالآتي، التعريف الليبرالي للتنمية، والتعريف الجذري للتنمية، وتعريف التنمية حرية.
وفي تناوله للتعريف الأخير والثالث (التنمية حرية)، والذي طُرح من قبل سن، في تسعينيات القرن الماضي، قال قصي أن أمارتيا سن كان يرى “أن تعريفنا للتنمية ينبغي أن يكون تعريفاً لما نريده منها، أي أن يكون تعريفاً معيارياً (normative) وليس وصفياً (descriptive) كالتعريف الليبرالي”.
وأردف قصي قائلاً، بأن تعريف التنمية عند أمارتيا سن هو الزيادة في شروط وفي محتوى الحرية، على المستويين، المستوي الفردي والمستوي الجماعي. والحرية المقصودة هنا هي الحريات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مجتمعات معاً.
وكان هناك حوار تلفزيوني مهم جداً تناول سفر أمارتيا سن “التنمية حرية”، تم بثه من خلال شاشة قناة سودانية 24، وكان غسان على عثمان، هو قائد دفة هذا الحوار، وكان ضيفه هو أستاذ علم النفس بجامعة الخرطوم، الدكتور محمد محجوب هارون، وقد تفضلا بالقول بأن الموضوع الرئيسي للاقتصاد كان هو علم الأرقام والمؤشرات والرموز، وبقيت المؤسسات العظمي كالبنك الدولي، وغيره، وغيره، تتناول وتتعامل مع الاقتصاد من خلال هذا المنظور الجاف وبتلك المفهومية الميتة.
وأضاف الدكتور هارون بأن الاقتصاد كان علماً لا حياة فيه، وكان علماً “ضعيف الإنسانية”، ولم يكن للإنسان أي حضور فيه، الي أن ظهرت أجيال من المفكرين الاقتصاديين، الذين نفخوا فيه روح الحياة وروح الإنسانية فأحدثوا نقلة في النموذج (Paradigm Shift)، فأصبح موضوع الاقتصاد هو الانسان، وأضحى الكلام عن التنمية البشرية، وصارت المؤسسات تعمل على التنمية البشرية ومؤشراتها، وأصبح المفكر أمارتيا سن أحد فرسان هذه النقلة في النموذج. (البشير، 2022)
تعليمنا.. تعليم من أجل الاستبداد والقهر
هل سياستنا التعليمية تتيح لإنساننا الفرصة كاملة ليتمتع “بالحرية الفردية”؟ وهل تغرس تلك المناهج وهذه الطرق فيه قيمة الحرية؟ لكيما يقف هو بكل شجاعة أمام المجتمع، وفي وجه القديم البالي، مطالباً بالحرية وبالتحرر من كل طغيان ومن كل تسلط.
وأردد ما ردده الدكتور الفيلسوف زكي نجيب محمود، وما قاله الفيلسوف برتراند رسل: ولكن الظاهر بجلاء هو تأثر تعليمنا ومناهجه وطرقه بطغيان التقاليد الاجتماعية وطغيان الحكومات. فنظمنا الاجتماعية والسياسية -على اختلاف عهودها وتباين ألوانها- مؤامرة كبرى، يراد بها الحد من حرية الفرد، التي كان ينبغي أن تكون هي الأساس، وهي المدار لكل نظام في اجتماع أو في سياسة.
وأنظر يا انسان وتمعن ملياً فيما يسمونه “تربية” في مجتمعاتنا! لا بد أنك واجد أنها ما هي الا تسابقاً محموماً من الهيئات ومن المؤسسات ذات السلطان للاستيلاء على عقول النشء ومشاعره ووجدانه وعلى حاضره وعلى مستقبله! وقم وأرهن مسامعك لرجال “التربية” -سود العيون كانوا أو زرقها- وهم يسألون جهراً وليس سراً: ما الغاية من التربية؟ ثم هم يجيبون: هي انتاج “المواطن الصالح”.
اذن، من هو المواطن الصالح؟ بيد أن صلاح وصلاحية المواطن عندهم هي دائماً وأبداً -كما ينبهانا “رسل وزكي محمود”- الموافقة على النظم القائمة. ومن سابع المستحيلات عندهم أن يكون معني هذه “الصلاحية” هو الثورة على تلك النظم.
وانه لمن العجب العجاب، “أنه بينما تستهدف الحكومات -جميعها باختلاف أشكالها- اخراج رجال من طراز يؤيد الأنظمة القائمة، ترى أبطالها من رجال الماضي هم على وجه الدقة أناس من نفس الطراز التي تحاول الحكومات والمؤسسات أن تمنع ظهورهم في الحاضر.
فطرقنا وأساليبنا التعليمية المتبعة جد تقليدية، وانها لغارقة حتى أذنيها في القديم العتيق لدرجة الابهار، قائمة على أسلوب الحشو والحفظ والتلقين والأبوية، ومحاطه بسوار أيدلوجي جامد ماضوي، لا حياة فيه ولا رجاء منه، ولا تتيح للطالب فرصة أو مساحة أو سانحة ليناقش وليعترض وليحاور حتى يشكل رأيه ويبلور فكره المستقل، وهي تسعى بكل جهد جهيد وبكل إخلاص مخلص الي تجهيز شخص مقولب سلفاً ومرسوم مسبقاً، يهتم بالتبعية وبالنقل، ويراهما بمثابة عرضه المقدس ويعتبرهما شرفه الشريف، ولا يستطيع ان يحيد عن ذلك قيد أنملة، ولا عن خط السير المرسوم له سلفاً من السلف العدول، فيصبح أو يبدو، حقيقةً، كسيحاً عاجزاً عن الابداع وعن الابتكار، وفقيراً غير قادر على انتاج المعرفة ولا خلقها ولا اكتشافها.
والناظر الثاقب المتفحص لشؤون جامعاتنا ومن ثمّ دور التعليم لدينا للاحظ ورأى بأم عينيه وبكل سهوله، ما نقوله وما نكتبه في السطور القليلة الفائتة، لهو فعلاً ما آل إليه الحال، وقد صار واقعاً ملموساً لا تخطئه العين. فهي جامعات لا يُسمع لها حساً ولا تحس لها حركة في باحات الاكتشافات العلمية والمعرفية، ولا تضيف ذرة معرفة لمكتبة الإنسانية.
والواجب يحتم علينا أن نسأل ونتساءل عن عدد المؤسسات التي تُعني بالعلم وبالبحث العلمي في بلادنا؟ ولا بد لنا أيضاً أن نتذكر ونذكر ما قاله الفيلسوف أريك فروم عن وظيفة العلم والفن، حيث قال: (أن وظيفة العلم هي جعل فكر الانسان أكثر نقدية، ووظيفة الفن هي جعل الانسان أكثر حساسية تجاه كل ظواهر الحياة).
ولا ننسى أن نسأل أديبنا الطيب صالح نفس السؤال، ليجيبنا هكذا، (نعلم الناس لنفتح أذهانهم ونطلق طاقاتهم المحبوسة، ولكننا لا نستطيع أن نتنبأ بالنتيجة. الحرية.. نحرر العقول من الخرافات، نعطى الشعب مفاتيح المستقبل ليتصرف فيه كيف يشاء).
ولم يكتفي الصالح بذلك ولكنه أمعن في الامعان، وخاض في الأعماق، وتناول أهمية العلم الحر، وألح على ديمقراطية التعليم، وأشار الي تعليم المرأة وأنضب وأبدع، والي حتميته وضروريته للتنمية الاقتصادية، وفي حياة التمدن والتحضر، وفي تقدم الشعوب. ويصور لنا الطيب صالح نزعة البشر وميلهم الفطري للتعليم والتعلم في روايته “مريود”، فلنرهف السمع له في مقتطفات من تلك الرواية العزيزة اليانعة:
((طغت خشخشة الجريد اليابس على الأصوات في خياله فأنتبه. أصغي لجريد النخلة في هبوب الريح مثل هيكل عظمي في أكفانه. شاخت الآن، تلك النخلة كما شاخ هو، وقد كانت في شبابها تثمر أبكر وتعطي أكثر، من تمر السكوت العزيز، زرعها بيديه منذ أربعين عاماً، وأطلق اسمها على مريم “القُنديل”. تسميه مريود ويسميها مريوم. رف طيف الصبا مثل برق في أفق بعيد، وأحس للحظة عابرة، مذاق الثمر، ونهد مريم يضغط على صدره وهما متماسكان في الماء. كان ثغرها مثل برق يشيل ويحط. ينتظرانها هو ومحجوب خارج الحي في الصباح. ومعهما الجلباب والعمة والحذاء، وما تلبث مريم أن تخلع هذا وتكتسي هذا فتتحول من بنت الي ولد. كانت تتعلم كأنها تتذكر أشياء كانت تعرفها من زمن.
ثلاثة أعوام والخدعة لم تنكشف. لم يتركوا حيلة لم يلجؤوا اليها. ثم فارت الطبيعة فورتها، وأخذ جسم مريم يذعن لنداء الحياة الأعمق. وذات يوم استقرت عينا الناظر عليها وهي مدبرة عنه في حوش المدرسة. اعترفت في الحال كأنها كانت قد سئمت اللعبة. غضب أول الأمر، ثم لاحت له وجوه الطرافة في الموضوع، فأسرع الي حاج عبدالصمد وعلى ود الشايب. وبين يوم وليلة، تحولت مريم، تحت سلطان تيارات الطبيعة التي لا تقاوم الي مخلوق آخر)).
هكذا صاح فينا الصالح شاقاً عباب اسماعنا بأهمية العلم الحر، الذي لا يميز بين جنس وجنس، ولا بين انس وانس. وصدح بالعلم الذي يحرر الانسان من خرافات المجتمع ومن عاداته المتخلفة، العلم الذي يخرجه من ظلام الماضي الي نور المستقبل.
……. نواصل
bakoor501@yahoo.com

عن د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

شاهد أيضاً

التعليم (18)

المعرفة 2/4د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهديعلم المعرفة“كلما ازدادت جزيرة المعرفة اتساعاً، ازدادت شواطئ التعجب …