التكلفة الأخلاقية للحرب: من نحن بعد كل هذا؟

الحرب، كما يُقال، لا تُفسدُ الأخلاق، بل تكشف ما كان قابلاً للفساد. وما حدث في السودان، منذ أن أُطلقت أول رصاصة في 15 أبريل 2023، لم يكن فقط انهياراً سياسياً أو أمنياً، بل كان انهياراً أخلاقياً مدوّياً، تهاوى فيه جدار القيم، وانفلت فيه الوحش من قفصه.
لم تسقط المدن فحسب، بل سقط الضمير.
ولم تُغتصب النساء فقط، بل اغتُصب معنى الوطن.
في شوارع الخرطوم، وفي أنحاء الجنينة وأطراف الفاشر، كانت الأخلاق تُنحر على مرأى الجميع، ودموع النساء كانت تكتب بالدم أنشودة السقوط المُرّ.
قوات الدعم السريع، التي خرجت من رحم حرب دارفور، لم تكن بريئة منذ ولادتها. كان في تكوينها الأول بذرة الفوضى، وفي نشأتها الأولى رائحة الميليشيا. لكنها، في هذه الحرب، تجاوزت كل حدود التصنيف، فلم تعد ميليشيا، ولا جيشاً، ولا تنظيماً مسلحاً، بل تحوّلت إلى آلة همجية تدهس كل ما يقف أمامها: الإنسان، والذاكرة، والشرف، والكرامة.
اغتُصبت النساء في الخرطوم تحت سمع وبصر الكلّ. نُهبت البيوت كما تُنهب المدن المهزومة في قرون الغزو القديم. قُتل الأبرياء لا لذنب سوى أنهم لم يرفعوا أيديهم بسرعة، أو لأنهم انتموا للحيّ الخطأ، أو تحدثوا بلكنة تُفهم بصعوبة.
تحوّلت الحرب إلى وليمة للضباع. وتحوّلت الدعم السريع إلى شبح يتجوّل بين البيوت، يبحث عن فريسة جديدة، أو شاهد لم يُقتل بعد.
لكن الجريمة، مهما استقوت، لا تُبرر بالظلم القديم، والمأساة، مهما طالت، لا تمنح الجلاد الحق في كتابة روايته بدم الضحية.

توازياً مع ذلك، هل بقي الجيش السوداني ملاكاً في ميدان القتل والقتل المضاد؟ هل احتفظ بثوبه الأخلاقي أبيض منذ البداية وحتى الآن؟
الحقيقة، كما هي دائماً، أكثر تعقيداً، فما بين واجب الدفاع عن الدولة، ورغبة الثأر من التمرد، وبين تعقيدات التحالفات المحلية، تسلل الظل إلى ساحة الجيش.
ظهرت مجموعات تقاتل إلى جانبه تمارس الانتهاك باسم الردع، وتنهب باسم القانون، وتعتقل باسم الوطنية.
في مدن الجزيرة، وفي بعض أحياء العاصمة، لم يكن المواطن دائماً قادراً على التمييز بين من يحميه ومن يروعه، ومن يقاتل من أجله ومن يقاتل باسمه.
وكان ذلك بحد ذاته خسارة أخلاقية أخرى. فالجيش، مهما تبرأ من المتجاوزين، لم يُفلح في إعادة ترميم الصورة، ولا في عزل الشبهة، ولا في محاكمة الفعل. ظلّ ينزف أخلاقياً، كلما صمت على انتهاك، أو تباطأ في الاعتراف، أو غضّ الطرف عن حليف مشبوه.
المأساة أن الحرب لم تكن فقط صراعاً على السلطة، بل كانت كشفاً لما كان قابعاً في القاع.
كأنها زلزال ضرب بنية المجتمع، فظهرت التشققات القديمة: الجهوية، العنصرية، العنف المتوارث، والثأر المغطى بعباءة السياسة.
كل طلقة كانت تقتل شيئاً من الروح السودانية.
كل اغتصاب كان يهدم جدار الحياء الوطني.
كل جثة تُترك في الشارع، كانت بمثابة استقالة من الإنسانية.
لم تعد البلاد، كما كانت تُوصف بـ”طيب أهلها”، بل صارت تُوصَم بـ “فظاعة مأساتها”.
وبات السؤال الأخلاقي أكبر من كل السرديات السياسية:
من نحن بعد كل هذا؟ ومن نكون بعد أن نكفّ عن البكاء؟
الحرب، مهما طالت، ستنتهي حتماً، لكنها لا تملك الحق في كتابة التاريخ وحدها. ولا يجب أن تُترك لتُعلّم الأجيال القادمة أن الوحشية كانت بطولة، وأن الغدر كان شجاعة، وأن الاغتصاب كان عرضاً جانبياً.
سيجلس المتحاربون للتفاوض. لكن هناك مفاوضات أخرى لا تجري على الطاولات، بل تجري في الصدور، وفي الضمائر، وفي الكتب التي سيكتبها الأطفال الذين كبروا على صوت القذائف.
والسودان، إن أراد أن يعيش، لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار، بل إلى وقف انحدار الضمير أيضاً، وإلى عدالة تُعيد للضحايا كرامتهم، وإلى ذاكرة لا تسامح القتلة ولا تساوي بين الجلاد والضحية.
يقف السودان عند الحافة، يتهجّى في امتحانه الحالي، فيجد المساءلات لا في ساحة المعركة وحدها، بل في ساحة الضمير كذلك. الضمير الذي حين يُهزم، لا تصمد بعده خريطة ولا تُجدي مؤتمرات: إما أن ينهض وجرحه ينطق، شاهداً على الألم والصمود، أو أن يسقط في صمتٍ لا يرويه تاريخ.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …