بقلم: إدوارد كورنيليو
في جنوب السودان، التاريخ لا يُكتب بالحبر بل بالدم، والنضال لا يُؤرشف بل يُورث، تتجلى ظاهرة التوريث السياسي كواحدة من أكثر المعضلات الأخلاقية والسياسية تعقيدًا. لم يعد الأمر مجرد تعيينات إدارية أو تفضيلات شخصية، بل أصبح طقسًا سياسيًا يُعيد إنتاج السلطة في شكلها الوراثي، ويُفرغ الذاكرة النضالية من معناها التحرري، ليُعيد تشكيلها كامتياز عائلي.
❖ رمزية النضال وتحولاته
كان النضال في جنوب السودان فعلًا جماعيًا، شارك فيه الفقراء والمهمشون، النساء والرجال، الحالمون والمجروحون. لكن حين يتحول هذا النضال إلى امتياز يُورث، يُصبح التاريخ أداة للتمكين لا للتذكير، وللسيطرة لا للتحرر. أبناء القادة السابقين والحاليين يُعيّنون في مواقع حساسة، لا لأنهم يحملون مشروعًا وطنيًا، بل لأنهم يحملون اسمًا وراثيًا.
❖ اغتيال الذاكرة النضالية
الذاكرة النضالية ليست مجرد سرديات، بل هي طقوس للشفاء الجماعي، ومساحات للتأمل في الجراح. حين تُختزل هذه الذاكرة في امتيازات وراثية، تُغتال رمزية النضال، ويُحوّل التاريخ إلى أداة للتمييز. يُصبح الماضي وسيلة لتبرير الحاضر، لا لتجاوزه.
❖ الآثار السياسية والاجتماعية
ظاهرة التوريث السياسي في جنوب السودان لا تُهدد فقط مبدأ تكافؤ الفرص، بل تُغذي مشاعر التهميش والانقسام، وتُضعف بنية الدولة كمؤسسة وطنية جامعة. من أبرز آثارها:
- انعدام الثقة العامة في الدولة: المواطنون يرون أن السلطة تُوزع وفق الولاء لا وفق الكفاءة، مما يُضعف الإيمان بالمؤسسات.
- تهميش الأجيال الجديدة: الشباب غير المنتمين للنخب الحاكمة يُقصون من فرص التمكين السياسي، مما يُكرّس الإحباط والاغتراب.
- تعميق الانقسامات القبلية: التعيينات تُفهم غالبًا كترضيات قبلية، مما يُعيد إنتاج الانتماء الضيق على حساب الهوية الوطنية.
- إضعاف المؤسسات الرسمية: غياب المعايير المؤسسية في التعيين يُحوّل الدولة إلى شبكة رعاية شخصية، لا إلى منظومة حكم رشيد.
- تشويه الذاكرة النضالية: تحويل نضال الآباء إلى امتيازات للأبناء يُفرغ التاريخ من رمزيته، ويُحوّله إلى أداة للتمكين الخاص.
- إعادة إنتاج التهميش في شكل جديد: بدلًا من مقاومة التهميش، تُعيد النخبة إنتاجه داخل الدولة المستقلة، ولكن بلغة الامتيازات الوراثية.
❖ نحو طقوس مقاومة جديدة
لا يكفي أن نُدين التوريث السياسي، بل يجب أن نُعيد بناء طقوس المقاومة. يجب أن نُعيد للذاكرة النضالية معناها الجماعي، وأن نُحوّل التاريخ إلى فضاء للتأمل لا للتملّك. المقاومة لا تبدأ من الشارع فقط، بل من اللغة، من الشعر، من القانون، من كل ما يُعيد للناس حقهم في الحلم.
❖ نقطة التحول الطقسية
في جنوب السودان، تُكتب القصائد على الجدران، وتُحفر الأحلام في القبور، يجب أن نُعيد للسياسة معناها الطقسي، وأن نُحرر التاريخ من قبضة الورثة. فالتاريخ ليس ملكًا لعائلة، بل ميراثًا لشعب. والذاكرة ليست امتيازًا، بل جرحًا مشتركًا، وطقسًا للشفاء.
tongunedward@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم