الثروة الحيوانية في السودان: حين يهزم “العقل المركزي” أحلام النهضة

في العام 2019 حضرتُ ندوة للدكتور أحمد التجاني المنصوري في العاصمة السعودية الرياض حول مستقبل الثروة الحيوانية في السودان. خرجتُ يومها بقناعة راسخة أن الرجل يمتلك رؤية مهنية عميقة، وأنه محق في اعتقاده بأن الثروة الحيوانية يمكن أن تكون المدخل الحقيقي لتنمية السودان واستقراره الاقتصادي. فالسودان بلد غني بموارده الرعوية، ويمتلك ميزة نسبية نادرة في محيطه الإقليمي، وكان – ولا يزال – قادراً على تحويل هذا المورد إلى رافعة اقتصادية كبرى.
غير أن ما تلا ذلك من تجارب، وما شهده السودان من انهيارات وحروب، دفعني لإعادة النظر في العلاقة بين الفكرة ووسيلة تحقيقها. فسلامة الغاية لا تضمن بالضرورة سلامة الوسيلة، خاصة حين تُصاغ الأحلام التنموية بعقل مركزي معزول عن واقع الهامش الذي تُنتج فيه الثروة فعلياً.
لا يمكن إنكار أن الاستراتيجية التي طرحها د. المنصوري ، بعد توليه وزارة الثروة الحيوانية، كانت متقدمة من حيث المفاهيم. فقد ركزت على تعظيم القيمة المضافة بدلاً من تصدير الماشية الحية، وعلى بناء صناعات تحويلية للحوم والجلود والألبان، وتحسين الصحة الحيوانية، وإدخال التقانة وجذب الاستثمار. وهي عناوين صحيحة وضرورية لأي دولة تسعى للتحرر من أسر الاقتصاد الريعي نحو اقتصاد إنتاجي أكثر استدامة.
لكن الإشكال الجوهري لم يكن في ماذا نريد أن نفعل، بل في من أين نبدأ، وفي أي سياق سياسي واجتماعي يمكن لهذه الرؤية أن تتحقق. فقد صيغت الخطة وكأن السودان يعيش حالة طبيعية من الاستقرار، بينما الواقع كان – ولا يزال – مشبعاً بالحرب وانهيار مؤسسات الدولة. والحقيقة البسيطة أن لا تنمية يمكن أن تُنجز في ظل الحرب. فالحرب لا تعطل الإنتاج فحسب، بل تدمّر البنية المؤسسية، وتغيب حكم القانون، وتحول الاقتصاد إلى منظومات تهريب ومعاش. وفي مثل هذا المناخ، تتحول أفضل الخطط الفنية إلى وثائق أنيقة معلقة في الهواء.
غير أن العائق الأعمق لا يقتصر على الحرب وحدها، بل يتصل بنمط تفكير بنيوي لازم الدولة السودانية منذ الاستقلال، ويتمثل في هيمنة العقل التخطيطي المركزي. فالثروة الحيوانية لا تُنتج في الخرطوم ولا في محيط المركز، بل في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وشرق السودان، أي في ذات المناطق التي عانت تاريخياً من ضعف الخدمات وغياب التنمية المتوازنة.
حين تُخطط المصانع الكبرى والمسالخ الحديثة لتكون قريبة من الموانئ أو المركز، بعيداً عن حواضن الإنتاج، فإننا نعيد إنتاج المعادلة القديمة نفسها: مناطق الإنتاج تظل مجرد مخازن للمواد الخام، بينما تُجنى القيمة المضافة والوظائف والعوائد في المركز. ويُطلب من الرعاة والمنتجين الصغار تحمّل كلفة السياسات والضبط والرسوم، دون أن يروا أثراً تنموياً ملموساً في مناطقهم. هذا المنطق هو جوهر ما عُرف لاحقاً بأزمة التهميش، حيث يُستنزف الهامش اقتصادياً، ثم يُلام سياسياً حين يحتج أو ينفجر.
وقد أثبتت التجربة السودانية أن التهميش ليس شعاراً سياسياً أو خطاباً أيديولوجياً، بل واقعاً يومياً معاشاً. وحين تُدار موارد استراتيجية مثل الثروة الحيوانية دون إشراك حقيقي لأصحابها الأصليين في القرار والعائد، تصبح النتيجة متوقعة: نزاعات متكررة على الأرض والماء، وعسكرة الدولة للمجتمعات الرعوية، والنظر للرعاة بوصفهم مخزونًا أمنيًا أكثر من كونهم شركاء في التنمية، ضمن مقاربات أمنية قصيرة النظر ترى في الثروة الحيوانية موردًا استراتيجيًا، بينما تُهمل المجتمعات الزراعية في الهامش. وبهذا التحول، انتقلت الموارد من نعمة اقتصادية محتملة إلى وقود دائم للصراعات، ودخلت البلاد في دوامة عنف مستدامة.

من هنا يتضح أن الخبرة التقنية وحدها لا تكفي. فنهضة قطاع الثروة الحيوانية لا تبدأ من عقود التصدير ولا من المسالخ الحديثة، بل من تأمين المراعي ومسارات المراحيل، وتوفير المياه والخدمات البيطرية المتنقلة، والاعتراف بالمنتج الصغير كشريك أصيل في التنمية، لا كترس في آلة المركز. التنمية في هذا السياق ليست مجرد تحديث تقني، بل توطين حقيقي للتنمية.
يمكن، حتى في ظل الظروف الراهنة، البدء بخطوات عملية تخطّط من القاعدة للأعلى. فبدلاً من انتظار المصانع الكبرى، يمكن التركيز على دعم تعاونيات المنتجين المحلية في مناطق الإنتاج نفسها لإنشاء وحدات تصنيع أولية متنقلة للألبان، ومدابغ مجتمعية، ومسالخ تجميع صغيرة. هذه المشاريع الصغيرة لا تحقق قيمة مضافة ملموسة فحسب، بل تبني الثقة وتخلق حاضنة مجتمعية للاستثمارات الكبرى في المستقبل، وتثبت عملياً أن التنمية يمكن أن تبدأ من حيث تُنتَج الثروة، لا من حيث تُدار السلطة.
إن د. أحمد التجاني المنصوري كفاءة وطنية لا غبار عليها، ومساهمته الفكرية في تطوير قطاع الثروة الحيوانية تظل رصيداً مهماً. غير أن الدرس القاسي الذي علمتنا إياه التجربة السودانية هو أن أفضل الخطط ستظل عاجزة ما لم تتغير البنية السياسية التي تُنفذ داخلها. فالحكم المدني الديمقراطي الفيدرالي ليس ترفاً سياسياً، بل شرطاً تنموياً، لأنه وحده القادر على تفكيك مركزية القرار، وتوزيع السلطة والثروة بعدالة، وبناء بيئة قانونية مستقرة تجذب الاستثمار الحقيقي لا الاستثمار القائم على الاستنزاف.
إن معركة الثروة الحيوانية في السودان ليست معركة تقانة أو تصدير، بل معركة عدالة مكانية وسياسية. فحين تُفصل التنمية عن السلام، وتُدار الموارد بعقل المركز، تتحول النِعم إلى نقم. ولا خلاص للسودان إلا بتنمية تبدأ من الهامش، وتُدار بشراكة أهله، وتُحرس بحكم مدني ديمقراطي فيدرالي يعيد وصل الاقتصاد بالإنسان.

صلاح الدين أحمد عيسى أبوسـارة

salahabusarah@gmail.com

عن صلاح الدين أبوسارة

صلاح الدين أبوسارة

شاهد أيضاً

شجرة البونساي والأيكيدو الروحي: حين تُطفئ كلمةٌ طيّبة نيرانَ الغضب

في خِضمّ عالمٍ يركض لاهثًا، حيث يغدو التوتر لغةً سائدة، وتتطاير فيه الكلمات كشظايا؛ يصبح …