باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأربعاء, 14 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

«الثقافة والإمبريالية» لإدوارد سعيد، قراءة سودانية

اخر تحديث: 14 أكتوبر, 2026 11:35 صباحًا
شارك

«الثقافة والإمبريالية» لإدوارد سعيد، قراءة سودانية
كيف كَتَبَت الروايةُ الأوروبيةُ الإمبراطوريةَ، وكيف ردّ عليها المستعمَرون بالكتابة
د. الرشيد خليفة
حين تكتب الإمبراطورية رواياتها
يُقال إن الإمبراطوريات تُبنى بالمدافع، والبوارج، وسكك الحديد، وهذا صحيح إلى حدٍّ بعيد، غير أن إدوارد سعيد جاء ليذكّرنا بأن المدفع وحده لا يكفي، وأن الجندي يحتاج قبل أن يعبر البحر إلى حكايةٍ تقنعه بأن الأرض التي سيدخلها شبه فارغة، وأن أهلها ينتظرونه على أحرّ من الجمر ليعلّمهم النظافة، والانضباط، ومواعيد القطارات. وفي كتابه «الثقافة والإمبريالية» الصادر سنة 1993 [1]، ينقل سعيد المعركة من ساحة القتال إلى المكتبة، ومن الثكنة إلى الصالون، فيقرأ جين أوستن، وجوزيف كونراد، وروديارد كبلنغ، وألبير كامو، قراءةً لا تسرّ الذين ظنّوا أن الأدب بريءٌ براءة الذئب من دم ابن يعقوب.
وهذا الكتاب هو الشقيق الأصغر سنًّا والأوسع خريطةً لكتاب «الاستشراق» الصادر سنة 1978 [2]، الذي خصّصنا له مقالًا سابقًا بعنوان «”الاستشراق” لإدوارد سعيد، قراءة سودانية». وإذا كان «الاستشراق» قد حصر نفسه في صورة الشرق العربي الإسلامي في عيون الغرب، فإن «الثقافة والإمبريالية» يمدّ يده إلى الهند، والجزائر، وأيرلندا، والكاريبي، وأفريقيا، حتى يكاد القارئ يظن أن الإمبراطورية البريطانية لم تكن وحدها التي لا تغيب عنها الشمس، بل، إن الرواية الإنجليزية نفسها لم تكن تغيب عنها المستعمرات. وقد اعتمدنا في هذه القراءة على الأصل الإنجليزي، وعلى الترجمة العربية التي أنجزها الناقد السوري كمال أبو ديب [3]، وهي ترجمة يحتاج قارئها أحيانًا إلى ترجمةٍ ثانية تشرح الأولى، لكنها تبقى أمينةً على المعنى.
ويبدأ هذا المقال بتعريف المفهومين اللذين يحمل الكتاب اسمهما، ثم يعرّف بالمؤلف ومنهجه، ويعرض أطروحاته بالتفصيل، ويزنها بميزان النقد، وينتهي بقراءة سودانية تبحث عن السودان في هوامش الكتاب، إذ لا يكاد السودان يحضر فيه إلا عبر رواية الطيب صالح، كما يمرّ المسافر بقريةٍ على طريقٍ طويل فيلوّح لأهلها من نافذة القطار ولا ينزل.
في تعريف الثقافة
الثقافة كلمةٌ إذا سألت عنها عشرة مثقفين خرجت بأحد عشر تعريفًا، والحادي عشر هو تعريف من سألته مرتين، والثاني عشر نعرفه كلنا. وقد عدّها الناقد البريطاني ريموند وليامز (Raymond Williams) واحدةً من أعقد كلمتين أو ثلاث في اللغة الإنجليزية [4]، لأن أصلها اللاتيني انتقل من معنى الحرث والزراعة إلى معنى تهذيب العقل، ثم إلى معنى طريقة حياةٍ كاملة لشعبٍ من الشعوب. والطريف أن الفعل العربي «ثقّف» سلك طريقًا قريبًا، فقد كان يعني تقويم الرمح وتسويته، ثم صار يعني تقويم العقل، وكأن اللغتين اتفقتا من غير موعد على أن المثقف رمحٌ معوجٌّ في الأصل.
وفي علم الإنسان (الأنثروبولوجيا)، قدّم الإنجليزي إدوارد تايلور (Edward B. Tylor) سنة 1871 تعريفه الشهير الذي جعل الثقافة ذلك الكلّ المركّب من المعارف، والمعتقدات، والفنون، والأخلاق، والقوانين، والأعراف، وسائر القدرات والعادات التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوًا في مجتمع [5]. وهو تعريفٌ واسعٌ سعة الخيمة البدوية، يدخل تحته كل شيء، من ترتيل الأوراد في الخلوة إلى طريقة صبّ القهوة من الجَبَنة.
أما الشاعر والناقد الفيكتوري ماثيو أرنولد (Matthew Arnold) فقد ضيّق تلك الخيمة حتى صارت صالونًا، إذ رأى في الثقافة أفضل ما فُكِّر فيه وقيل في العالم [6]. وهو تعريفٌ أنيق، لكنه يحمل في جيبه سؤالًا ماكرًا، من الذي يقرّر ما هو الأفضل؟ والجواب، كما سيكشف سعيد، كان في الغالب رجلًا إنجليزيًّا يجلس في أكسفورد ويحتسي الشاي المستورد من سيلان.
ويأخذ سعيد بمعنيين متداخلين للثقافة [1]، المعنى الأول يشمل كل الممارسات التي تتمتع باستقلالٍ نسبيٍّ عن الاقتصاد والسياسة، كالوصف، والتمثيل، والسرد، وأهم أشكالها الرواية، والمعنى الثاني يجعل الثقافة خزانةً لأفضل ما أنتجه مجتمعٌ ما، وهي خزانةٌ تتحول بسهولة إلى مصدرٍ للهوية، بل، إلى ساحةٍ تتصارع فيها القضايا السياسية. ومن هذين المعنيين أستخلص تعريفًا إجرائيًّا (operational definition)، والتعريف الإجرائي هو التعريف الذي يضعه الباحث لمفهومٍ فضفاض ليعمل به في بحثه وحده، فلا يدّعي أنه الحقيقة الكاملة، وإنما يتخذه أداةً عملية تحدّد له ما يقيسه وما يهمله. وعلى هذا فالثقافة، في هذا المقال، هي مجموع ما ينتجه مجتمعٌ من معانٍ، وصور، وحكايات، عن ذلك المجتمع نفسه وعن غيره من المجتمعات، وهذه الحكايات ليست بريئة، لأنها تحدّد من يحقّ له أن يتكلّم، ومن يكتفي بأن يُتكلَّم عنه.
في تعريف الإمبريالية
الإمبريالية مشتقةٌ من الكلمة اللاتينية (imperium)، أي السلطة والأمر النافذ، وقد شاعت الكلمة في بريطانيا منتصف القرن التاسع عشر تهمةً يرمي بها الإنجليز حكم الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث، قبل أن يكتشفوا أن الثوب يليق بهم أكثر، فارتدوه ونسوا من كانوا يعيّرون به. ثم جاء الاقتصادي الإنجليزي جون هوبسون (John A. Hobson) سنة 1902 ليشرح أن الإمبريالية ثمرةُ فائض رؤوس الأموال الباحثة عن أسواق ومنافذ استثمار وراء البحار، وأن المستفيد الأكبر منها فئةٌ ضيّقة من المموّلين، لا الأمة التي تدفع ثمنها من دماء أبنائها [7].
وبعده بخمسة عشر عامًا كتب فلاديمير لينين (Vladimir Lenin) كتابه الذي جعل الإمبريالية «أعلى مراحل الرأسمالية»، أي مرحلة الاحتكار، واندماج رأس المال المصرفي برأس المال الصناعي، واقتسام العالم بين القوى الكبرى [8]. والطريف أن الرجلين اتفقا على أن الإمبراطورية صفقةٌ تجارية في جوهرها، واختلفا فقط في العلاج، فهوبسون أراد إصلاح التاجر، ولينين أراد إغلاق الدكان كله ومصادرة البضاعة.
أما سعيد فيعرّف الإمبريالية بأنها ممارسةُ مركزٍ حضريٍّ مهيمن، ونظريته، ومواقفه، في حكم أرضٍ بعيدة، ويجعل الاستعمار (colonialism) نتيجةً شبه دائمة لها، أي زرع المستوطنات في تلك الأرض البعيدة [1]. ويذكّر سعيد بأن أوروبا كانت تملك سنة 1914 ما يقارب خمسةً وثمانين في المائة من سطح الأرض، في صورة مستعمرات، ومحميات، وتوابع، وممتلكات [1]. أما الخمسة عشر في المائة الباقية فكانت في أغلبها جليدًا قطبيًّا لا يرغب فيه أحد، أو صحاري لا يشتهيها أحد، أو بلدًا عنيدًا كالحبشة علّم الإيطاليين درسًا في الجغرافيا عند عدوة.
وخلاصة التعريف في هذا المقال أن الإمبريالية علاقة هيمنةٍ لا تعيش على الجيوش وحدها، بل، على فكرةٍ مسبقة تقول إن بعض الشعوب «تحتاج» إلى من يحكمها، وإن الحاكم الغريب يتجشّم مشقّة الحكم تضحيةً منه لا طمعًا. وهذه الفكرة هي ما يسمّيه سعيد «بنية المواقف والإحالات» [1]، وهي الموضوع الحقيقي للكتاب.
إدوارد سعيد في سطور
وُلد إدوارد وديع سعيد في القدس في الأول من نوفمبر 1935، لأسرةٍ فلسطينية مسيحية ميسورة، ونشأ متنقّلًا بين القدس والقاهرة، ودرس في «كلية فكتوريا» بالقاهرة، وهي مدرسةٌ بريطانية كانت تعاقب تلاميذها العرب إذا تكلّموا العربية في فنائها [9]. ويبدو أن الإمبراطورية علّمت الصبيّ الإنجليزية إتقانًا زائدًا عن الحاجة، فاستعملها لاحقًا في محاكمتها، وهذا ما يحدث حين تعطي خصمك السلاح وتنسى أن تأخذ منه الذخيرة.
انتقل سعيد إلى الولايات المتحدة سنة 1951، ونال البكالوريوس من جامعة برينستون سنة 1957، ثم الدكتوراه من جامعة هارفارد سنة 1964 عن الروائي جوزيف كونراد (Joseph Conrad)، وهو روائي بريطاني من أصلٍ بولندي، وُلد سنة 1857 في مدينة برديتشيف (Berdychiv) الواقعة اليوم في أوكرانيا، وقضى نحو عشرين عامًا بحّارًا في الأساطيل التجارية، وكتب بالإنجليزية وهي لغته الثالثة بعد البولندية والفرنسية، وأشهر أعماله «قلب الظلام» المستوحاة من رحلته في نهر الكونغو سنة 1890. وكان كونراد في عصره ناقدًا لوجه الاستعمار الأوروبي القبيح، ولعل دراسة سعيد لأعماله مهّدت الطريق إلى مشروعه النقدي اللاحق. ثم التحق بجامعة كولومبيا في نيويورك أستاذًا للأدب الإنجليزي والمقارن حتى وفاته. وكان عضوًا في المجلس الوطني الفلسطيني بين 1977 و1991، ثم صار من أشدّ منتقدي اتفاق أوسلو، وكان إلى جانب نقد الأدب ناقدًا موسيقيًّا، أصدر كتاب «متتاليات موسيقية» (Musical Elaborations) سنة 1991، وكان عازف بيانو متمكّنًا أسّس مع الموسيقار دانيال بارنبويم (Daniel Barenboim) «أوركسترا الديوان الغربي الشرقي» سنة 1999، وتوفي في نيويورك في 25 سبتمبر 2003 بعد صراعٍ طويل مع سرطان الدم [10].
ما يميّز الكتاب عن سواه
يتميّز الكتاب بستّ سمات تفصله عن «الاستشراق» وعن كثيرٍ مما كُتب في نقد الاستعمار. أولاها الاتساع، فالكتاب لا يقف عند الشرق العربي، وإنما يجوب الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، ثم يعرّج على الوريث الأمريكي، فكأن سعيد قرّر أن «الاستشراق» كان مجرد مقدّمة، وأن الكتاب الحقيقي يحتاج إلى خريطة العالم كلها مفروشةً على طاولته.
وثانيتها حضور المقاومة، فقد أُخذ على «الاستشراق» أنه جعل الشرق صامتًا تحت نظرة المستشرق، فجاء هذا الكتاب ليُسمِع صوت المستعمَرين وهم يردّون، ويقاتلون، ويكتبون، حتى بدا كأن سعيد اعتذر للشرق عن صمتٍ نسبه إليه في كتابه الأول. وثالثتها القراءة الطباقية، التي سيأتي تفصيلها في المنهج، وهي أن يُقرأ النص الأوروبي ومعه الصوت الغائب عنه، كما يسمع العازف لحنين متداخلين في آنٍ واحد.
ورابعتها أنه لا يحرق الكتب، فسعيد يقرأ أوستن، وكونراد، وكبلنغ، بإعجابٍ صادق، ويرفض أن تُرمى هذه الأعمال في سلة المهملات بحجة تواطئها مع الإمبراطورية، وهو موقفٌ أغضب المحافظين الذين رأوا فيه اعتداءً على مقدساتهم، وأغضب بعض الثوريين الذين أرادوا إعدام الروائيين معنويًّا بلا محاكمة. وخامستها أنه ينتقد المستعمَر أيضًا، فلا يعفي القومية الضيقة ولا النزعة الأصلانية من النقد، ويرى فيهما مرآةً معكوسة للإمبريالية. وسادستها راهنيته، إذ يصل الكتاب إلى حرب الخليج سنة 1991، ويقرأ الإعلام الأمريكي بالأدوات نفسها التي قرأ بها روايات القرن التاسع عشر.
منهج المؤلف ومصادره
أهم أدوات سعيد ما يسمّيه «القراءة الطباقية» (contrapuntal reading)، وهي مستعارةٌ من الطِّباق الموسيقي، أي أن تجري في المقطوعة الواحدة ألحانٌ مستقلة متزامنة، كما في «الفوغات»، وهي جمع «فوغة» (fugue)، أي شكلٌ موسيقي يعرض فيه صوتٌ لحنًا ثم تردّده أصواتٌ أخرى تباعًا، فتتداخل الألحان وتبقى كل منها متميزة، وأشهر الفوغات فوغات باخ (Johann Sebastian Bach)، فلا يطغى لحنٌ على لحن [1]. والمقصود أن يَقرأَ القارئ النص الإمبراطوري وهو يُصغي في الوقت نفسه إلى التاريخ الذي سكت عنه، فإذا ذكرت رواية إنجليزية مزرعةً في جزر الكاريبي عَرَضًا، توقّف القارئ الطباقي عندها وسأل عن العبيد الذين يزرعون قصب السكر هناك، بينما تشرب بطلة الرواية شايها المحلّى بالسكر في الريف الإنجليزي. وقد يبدو هذا المنهج للقارئ المتعجّل ضربًا من التلصص على الروايات، وهو في الحقيقة تلصصٌ مشروع على التاريخ، يُبرز للقارئ التاريخ الاجتماعي الذي سكتت عنه الرواية، وقامت عليه حياة أبطالها.
ويستند سعيد إلى المفكر الإيطالي أنطونيو قرامشي (Antonio Gramsci) في مفهوم الهيمنة، أي السيطرة التي تتحقق بالرضا والقبول أكثر مما تتحقق بالقهر، وفي انتباهه إلى الجغرافيا السياسية للثقافة، أي إلى أن للثقافة خريطةً تتوزع عليها مراكز القوة، فتكون بعض المدن والأقاليم مراكز تُصنع فيها الأفكار، وبعضها أطرافًا تتلقاها، كما بيّن في كتاباته عن «المسألة الجنوبية» في إيطاليا (Southern Question)، حين رأى أن شمال إيطاليا الصناعي هيمن على جنوبها الزراعي اقتصاديًّا وثقافيًّا [11]، ويستند كذلك إلى فرانز فانون (Frantz Fanon) في تحليل نفسية المستعمَر ومخاطر القومية بعد الاستقلال [12]. ويحاور ريموند وليامز معاتبًا، لأن وليامز كتب عن الريف والمدينة في الأدب الإنجليزي ونسي أن «الريف» الحقيقي للإمبراطورية كان في الهند وجامايكا.
أما مصادره فثلاثة أصناف، الصنف الأول نصوص المركز الإمبراطوري، ويُقصد بالمركز عواصم الدول المستعمِرة، كلندن وباريس، حيث كُتبت هذه النصوص لقراء يعيشون فيها لا في المستعمرات، وهي تشمل روايات أوستن، وديكنز، وكونراد، وكبلنغ، وفورستر، وكامو، وجيد، إلى أوبرا «عايدة» لفيردي، ونصوص الإداريين والرحالة، والصنف الثاني نصوص المقاومة، كأعمال فانون، وسي. إل. آر. جيمس، وجورج أنطونيوس، وأميلكار كابرال، ونغوغي وا ثيونغو، وتشينوا أتشيبي، والطيب صالح، والصنف الثالث الصحافة والإعلام الأمريكي المعاصر. ويلاحظ القارئ قلّة الوثائق الأرشيفية وغلبة النص الأدبي، وهذا مفهومٌ من ناقدٍ أدبي، لكنه يجعل الكتاب أحيانًا محاكمةً يكون فيها الشاهد الوحيد روايةً لا تستطيع الدفاع عن نفسها.
الفترة والأحداث التي غطّاها الكتاب
يمتدّ الكتاب زمنيًّا من أواخر القرن الثامن عشر إلى مطلع تسعينيات القرن العشرين، أي من حملة نابليون على مصر سنة 1798 ورواية «مانسفيلد بارك» لأوستن سنة 1814، إلى حرب الخليج سنة 1991. وهي فترة تبدأ بإمبراطوريات تخجل قليلًا مما تفعل، وتنتهي بإمبراطورية لا تخجل أبدًا لأنها تسمّي ما تفعله «نشرًا للديمقراطية».
ومن أبرز الأحداث التي يتوقف عندها الكتاب الحكم البريطاني في الهند، وثورة 1857 التي اندلعت في الهند نفسها، في شمالها ووسطها، وبدأت بتمرد الجنود الهنود (السيبوي) في جيش شركة الهند الشرقية بمدينة ميروت (Meerut) في مايو 1857، ثم امتدت إلى دلهي، وكانبور، ولكناو، وجانسي، وانتهت بنقل الحكم من الشركة إلى التاج البريطاني سنة 1858، والغزو الفرنسي للجزائر سنة 1830 وحرب تحريرها بين 1954 و1962، والتدافع الأوروبي على أفريقيا بعد مؤتمر برلين (1884–1885)، ودولة الكونغو التي امتلكها الملك البلجيكي ليوبولد الثاني ملكيةً شخصية، والمسألة الأيرلندية حتى استقلال أيرلندا سنة 1922، وثورة العبيد في هايتي (1791–1804)، وموجة التحرر الوطني بعد الحرب العالمية الثانية، وحرب فيتنام، ثم الصعود الأمريكي وحرب الخليج.
أطروحات الكتاب بالتفصيل
يمكن جمع أطروحات الكتاب في ثلاث عشرة أطروحة، هي الأقاليم المتداخلة، وبنية المواقف والإحالات، وتوأمة الرواية والإمبراطورية، ونقد كونراد من الداخل، وأوبرا «عايدة»، ومتعة الإمبريالية عند كبلنغ، وكامو والجزائر، والمقاومة الأولى والثانية، وييتس شاعر التحرر، والرحلة إلى الداخل، وفخاخ القومية، والصعود الأمريكي، والهجرة والهجنة. وفيما يلي تفصيلها.
الأطروحة الأولى، الأقاليم المتداخلة والتواريخ المتشابكة. يرى سعيد أنه لا توجد ثقافةٌ نقية مكتفية بذاتها، فالإمبراطورية جعلت لندن وكلكتا، وباريس والجزائر، تاريخًا واحدًا بوجهين [1]. فالإنجليزي الذي يظن أن ثقافته نبتت في حديقة بيته ينسى أن السكّر في شايه، والقطن في قميصه، والتوابل في طعامه، جاءت كلها من «مستعمرات» يظنّها خارج حكايته.
الأطروحة الثانية، بنية المواقف والإحالات. يستعمل سعيد هذا التعبير ترجمةً لقوله (structure of attitude and reference) [1]، ويقصد بـ«المواقف» تسليم الكاتب الضمني بحق أوروبا في السيطرة على غيرها، وبـ«الإحالات» إشارات النص المتكررة إلى المستعمرات، وهما معًا ليسا مجرد خلفية (background) تُرسم لتزيين المشهد، وإنما بنيةٌ فاعلة تشكّل الحبكة وتمنح الأحداث مسوّغها الأخلاقي. والرواية الأوروبية لا تتحدث عن الإمبراطورية صراحةً في الغالب، لكنها تفترض وجودها خلفيةً طبيعية، كما يفترض المسرح وجود الكواليس. والمثال الأشهر رواية «مانسفيلد بارك»، إذ يقوم نظام الضيعة الإنجليزية الأنيق على مزرعةٍ يملكها السير توماس برترام في جزيرة أنتيقوا (Antigua) الكاريبية، وحين تسأل البطلة فاني برايس (Fanny Price) عن تجارة العبيد يخيّم على المجلس صمتٌ تام [1]. ويرى سعيد أن هذا الصمت ليس فراغًا، بل، هو أبلغ ما في الرواية.
الأطروحة الثالثة، الرواية والإمبراطورية توأمان. نشأت الرواية الأوروبية الحديثة ونضجت في عصر التوسع الإمبراطوري، وليس ذلك مصادفة، فرواية «روبنسون كروزو» عند سعيد نموذجٌ أوّل، رجلٌ أبيض ينشئ مملكةً على جزيرةٍ بعيدة ويسمّي الرجل الأسود الذي وجده فيها «فرايدي» باسم اليوم الذي التقاه فيه [1]، كأنه يسمّي قطعة أثاث اشتراها يوم الجمعة.
الأطروحة الرابعة، كونراد ينتقد الإمبراطورية من داخلها. يقرأ سعيد رواية «قلب الظلام» قراءةً مزدوجة، فكونراد يفضح وحشية الاستعمار في الكونغو، لكنه لا يستطيع أن يتخيّل الأفارقة أصحاب تاريخٍ وصوتٍ خاصّين بهم، فيبقون في الرواية ظلالًا تصرخ على ضفة النهر [1]. وهنا يقف سعيد في منتصف الطريق بين من يرى كونراد ناقدًا للإمبريالية، ومن يراه، مع الروائي النيجيري تشينوا أتشيبي، عنصريًّا تامّ الأوصاف، ويقول إن كونراد كان ناقدًا للإمبراطورية بأدواتها، كالطبيب الذي يشخّص المرض ثم يصف للمريض مزيدًا منه.
الأطروحة الخامسة، أوبرا «عايدة» في خدمة الخديوي. يخصّص سعيد فصلًا لأوبرا «عايدة» (Aida) للموسيقار الإيطالي جوزيبي فيردي (Giuseppe Verdi)، وبطلتها الأميرة الحبشية عايدة (Aida) التي تقع في حب قائد مصري، وقد عُرضت الأوبرا أول مرة في القاهرة في 24 ديسمبر 1871 بتكليفٍ من الخديوي إسماعيل، وهو حفيد محمد علي باشا، مؤسس الأسرة الحاكمة في مصر، فأبوه إبراهيم باشا هو ابن محمد علي الأكبر، وقد مات إبراهيم قبل أبيه سنة 1848، فانتقل الحكم إلى عباس الأول، وهو حفيد آخر لمحمد علي من ابنه طوسون، ثم إلى سعيد باشا، وهو ابن آخر لمحمد علي وعمّ إسماعيل، ثم آل إلى إسماعيل سنة 1863، ويرى فيها مشهدًا إمبراطوريًّا يقدّم مصر القديمة كما يحبّ الأوروبيون أن يتخيّلوها، ويُعرض في دار أوبرا بناها حاكمٌ يريد أن يجعل بلاده «قطعةً من أوروبا» [1]. ولهذه الأطروحة صلةٌ وثيقة بتاريخ السودان، يأتي تفصيلها في القراءة السودانية.
الأطروحة السادسة، متعة الإمبريالية عند كبلنغ. في رواية «كيم» الصادرة سنة 1901، تبدو الهند ملعبًا واسعًا لصبيٍّ أيرلندي يتيم يتنقّل بين الأسواق والمعابد، ويخدم الاستخبارات البريطانية في «اللعبة الكبرى» ضد روسيا [1]. ويعترف سعيد بجمال الرواية، لكنه يلاحظ أن كبلنغ لم يكن قادرًا على تخيّل هندٍ حرّة، تمامًا كما لا يتخيّل صاحب البستان أن الأشجار قد تطالب يومًا بملكية الأرض.
الأطروحة السابعة، كامو والعربي الذي بلا اسم. في رواية «الغريب» يقتل ميرسو رجلًا لا تمنحه الرواية اسمًا، فهو «العربي» فقط، وفي «الطاعون» تبدو مدينة وهران خاليةً تقريبًا من أهلها العرب [1]. ويقرأ سعيد كامو بوصفه ضميرَ الجزائر الفرنسية، الذي عارض استقلال الجزائر، وأدان العنف، دون أن يرى أن العنف الأول كان وجود فرنسا نفسه. والمفارقة الساخرة أن الأدب الفرنسي احتاج إلى قتيلٍ عربي ليكتب روايةً عن عبث الوجود، دون أن يسأل عن عبث وجوده هو في الجزائر.
الأطروحة الثامنة، المقاومة الأولى والمقاومة الثانية. يقرّر سعيد أن المقاومة رافقت الإمبريالية منذ لحظتها الأولى، وأنها مرّت بمرحلتين، المقاومة الأولى وهي القتال المسلّح ضد الغازي، والمقاومة الثانية وهي المقاومة الأيديولوجية والثقافية التي تسعى إلى استعادة الذاكرة والصوت والرواية [1]. والمستعمِر لم يكن يواجه شعوبًا مستسلمة تنتظره بالورود، بل، شعوبًا تقاومه بالسيف أولًا ثم بالقلم.
الأطروحة التاسعة، ييتس شاعر التحرر. يضع سعيد الشاعر الأيرلندي وليم بتلر ييتس (W. B. Yeats) في صفّ شعراء التحرر الوطني إلى جانب بابلو نيرودا ومحمود درويش [1]، لأن أيرلندا كانت أول مستعمرةٍ لإنجلترا وأقربها، ولأن ييتس استعاد أساطيرها ولغتها في مواجهة ثقافة المستعمِر. وهي أطروحة أزعجت الدارسين الإنجليز الذين اعتادوا اعتبار ييتس ملكًا من أملاك الأدب الإنجليزي، فإذا بسعيد يعيده إلى صاحبه.
الأطروحة العاشرة، الرحلة إلى الداخل. يقصد سعيد بها هجرة مثقفي المستعمرات إلى عواصم الإمبراطورية، وكتابتهم بلغتها، ومن داخل مؤسساتها، ليعيدوا رواية التاريخ من موقع المستعمَر [1]. ومن أمثلتها كتاب سي. إل. آر. جيمس عن ثورة هايتي، وكتاب جورج أنطونيوس «يقظة العرب»، وأعمال المؤرخ الهندي رانجيت غوها، والماليزي سيد حسين العطاس صاحب كتاب «أسطورة المواطن الكسول»، ورواية الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال». وكأن المستعمَرين قالوا للإمبراطورية، جئتِ إلى بيوتنا دون استئذان، فها نحن ندخل جامعاتك ومكتباتك ومطابعك، ونردّ الزيارة.
الأطروحة الحادية عشرة، فخاخ القومية والنزعة الأصلانية. يحذّر سعيد، متّبعًا فانون، من أن التحرر الوطني قد ينتهي إلى مجرد استقلال، أي إلى نخبةٍ محلية ترث مكاتب المستعمِر وكراسيه وأختامه، وتعيد إنتاج القهر بلهجةٍ وطنية [12]. ويرفض سعيد النزعة الأصلانية (nativism) التي تبحث عن هويةٍ نقية سابقة للاستعمار، ويراها قبولًا خفيًّا بمنطق المستعمِر نفسه، لأنها تقسم البشر إلى جواهر ثابتة كما فعل المستعمِر نفسه [1]. والمقصود بالجوهر الثابت (essence) أن يُنسب إلى كل شعبٍ طبعٌ واحد لا يتغير عبر الزمن، ولا يتأثر بالتاريخ ولا بالاحتكاك بغيره، فيقال إن الشرقي بطبعه كذا والغربي بطبعه كذا. وقد اتخذ المستعمِر هذه الفكرة حجةً ليقول إن المستعمَر لا يتغير ولا يستحق الحرية، وتتخذها النزعة الأصلانية معكوسةً لتقول إن أصالة الشعب المستعمَر نقيةٌ لم تمسّها التأثيرات الخارجية، فكلاهما ينظر إلى الإنسان كأنه حجرٌ ثابت لا نهرٌ جارٍ.
الأطروحة الثانية عشرة، الصعود الأمريكي. يرى سعيد أن الولايات المتحدة ورثت الدور الإمبراطوري بعد الحرب العالمية الثانية، مع لغةٍ جديدة تتحدث عن «المصالح الحيوية» (vital interests) و«المسؤولية العالمية» (global responsibility) بدلًا من «عبء الرجل الأبيض» (The White Man’s Burden)، وهو عنوان قصيدة روديارد كبلنغ (Rudyard Kipling) سنة 1899 التي دعا فيها الأمريكيين إلى حكم الفلبين، ويقرأ تغطية الإعلام الأمريكي لحرب الخليج سنة 1991 بوصفها مشهدًا إمبراطوريًّا تُقدَّم فيه الحرب عرضًا تلفزيونيًّا نظيفًا بلا ضحايا [1]. وكان سعيد قد طرح قبل ذلك سؤال «الإذن بالسرد»، أي من يُسمح له بأن يروي حكايته في الإعلام الغربي ومن يُمنع [13].
الأطروحة الثالثة عشرة، الهجرة والهجنة والمنفى. يختم سعيد بأن المستقبل للهويات المهجّنة، وأن المهاجر واللاجئ والمنفي هم الشخصيات المعبّرة عن عصرنا [1]. والهوية المهجّنة (hybrid identity) هي هويةٌ تتكوّن من اختلاط أكثر من ثقافةٍ ولغةٍ وتاريخ، فلا تنتسب إلى أصلٍ واحدٍ نقي، كالجزائري الذي تعلّم بالفرنسية ويصلّي بالعربية، أو الهندي الذي يكتب بالإنجليزية ويحلم بلغته الأم. ويرى سعيد أن الإمبراطورية، على قسوتها، خلطت الثقافات والهويات على نطاق عالمي، فلم تعد هناك ثقافةٌ نقية تعيش في عزلة، وأن الاعتراف بهذا الاختلاط أصدق من أوهام النقاء التي يتمسك بها الجميع. وهي خاتمةٌ تشبه صاحبها، فسعيد نفسه كان فلسطينيًّا في نيويورك، ومسيحيًّا يدافع عن الإسلام، وناقدًا للغرب يعلّم أدبه في أعرق جامعاته.
موقف المؤلف، تأييدٌ، أم نقدٌ، أم حياد
لم يكن سعيد محايدًا، ولم يدّعِ الحياد، فهو ناقدٌ صريح للإمبريالية في صورتيها الأوروبية والأمريكية، ومنحازٌ إلى المستعمَرين وحقّهم في رواية تاريخهم. لكنه في الوقت نفسه ليس عدوًّا للغرب، ولا للأدب الأوروبي، بل، هو من أشدّ عشّاقه، وينتقد القومية المتعصبة، والأصولية، ودعاوى النقاء العرقي، بالحدّة نفسها التي ينتقد بها الإمبراطورية [3]. والمقصود بالأصولية (fundamentalism) هنا اتجاهٌ ديني أو فكري يتمسك بحرفية ما يعدّه أصول الدين أو الأمة، ويرفض التأويل والتجديد والاختلاط، ولا تقتصر على دينٍ بعينه، فهي موجودة في الإسلام والمسيحية واليهودية والهندوسية على السواء. ويرى سعيد أنها صورةٌ معكوسة للاستعلاء الإمبراطوري، لأن كليهما يدّعي أنه يملك الحقيقة الواحدة ويقصي ما عداها.
ويمكن وصف موقفه بأنه موقف «الإنساني النقدي»، الذي لا يريد إحراق المكتبة الإمبراطورية، ولا يريد أن يسكنها مطمئنًّا، وإنما يريد أن يفتح نوافذها لتدخل منها أصوات من كانوا يعملون في حقول قصب السكر. فهو ليس محامي الإمبراطورية ولا جلّادها، وإنما قاضٍ يحبّ مكتبة المتهم ويرفض جرائمه في آنٍ واحد.
نقدنا للكتاب، الإيجابيات والحدود
أما الإيجابيات فأولها أن الكتاب أعاد ربط الأدب بالتاريخ والسياسة، بعد أن كادت مدارس النقد الشكلاني، وهي مدارس ظهرت في القرن العشرين، كالشكلانية الروسية والنقد الجديد (New Criticism) في بريطانيا وأمريكا، وتدرس النص الأدبي بوصفه بناءً لغويًّا قائمًا بذاته، من حيث الصورة والإيقاع والتركيب، دون النظر إلى سيرة كاتبه أو مجتمعه أو سياسته، تجعل النص جزيرةً معزولة لا يصل إليها إلا المختصون، وثانيها أنه منح منهجًا قابلًا للتطبيق في ثقافاتٍ أخرى، هو القراءة الطباقية، وبيان قابليتها للتطبيق أن خطواتها واحدة في أي ثقافة، فهي أن يلتقط القارئ في النص إشارةً عابرة إلى مزرعةٍ أو تجارةٍ أو خادمٍ أجنبي، ثم يسأل عن التاريخ الذي تقف عليه تلك الإشارة، ثم يقرأ ما كتبه أهل تلك الأرض عن الأمر نفسه، وبهذه الخطوات يمكن قراءة الأدب الفرنسي عن الجزائر، والروسي عن منطقة القوقاز، والإيطالي عن إثيوبيا، وما كتبه الموظفون البريطانيون عن السودان، كلٌّ منها مع صوت أصحاب الأرض، وثالثها أنه أدخل المقاومة في صلب التاريخ الثقافي للإمبراطورية، ورابعها شجاعته في نقد المستعمَر والمستعمِر معًا، وخامسها أنه أسّس مع «الاستشراق» حقل دراسات ما بعد الاستعمار، الذي صار اليوم قسمًا قائمًا في كثير من الجامعات.
أما الحدود فأولها النزعة النصية، فقد رأى المؤرخ البريطاني جون ماكنزي (John M. MacKenzie) أن سعيد يحمّل النصوص الأدبية أكثر مما تحتمل، وأن الفنون والثقافة الشعبية في الغرب كانت أكثر تنوعًا وتناقضًا في نظرتها إلى الشرق والمستعمرات مما يصوّره سعيد [14]. وثانيها النقد الماركسي، إذ أخذ الناقد الهندي إعجاز أحمد (Aijaz Ahmad) على سعيد تذبذبه بين نقد الإنسانية الأوروبية والاحتماء بها، وإهماله للطبقة والاقتصاد لحساب الخطاب [15]. وثالثها هجوم الفيلسوف وعالم الاجتماع البريطاني إرنست غيلنر (Ernest Gellner) الذي اتهم سعيد بالمبالغة في الربط بين الإمبريالية وكل شيء، وباستغلال إحساس الغرب بالذنب، وبازدواج المعايير [16]، والمقصود بـ«كل شيء» هنا أن سعيد، في اعتراض غيلنر، يكاد يجد بصمة الإمبراطورية في كل عملٍ ثقافي أوروبي، حتى الأعمال التي لا تمسّ المستعمرات إلا مسًّا عابرًا، كإشارة أوستن العابرة إلى جزيرة أنتيقوا، فيحمّل الإشارة العابرة وزن قضيةٍ كبرى، وقد ردّ سعيد عليه، فدار بينهما سجالٌ حادّ على صفحات الصحافة الأدبية البريطانية.
ورابع الحدود، وهو الأهم للقارئ السوداني، أن الكتاب يكاد يحصر الإمبريالية في الإمبراطوريات الغربية، ولا يلتفت إلى الإمبراطوريات غير الغربية، كالعثمانية، والإمبراطورية الخديوية المصرية في السودان، والتوسع الحبشي في عهد منليك الثاني. فقد عرف السودان إمبرياليةً جاءته من الشمال بعمائم وطرابيش قبل أن تأتيه بالقبعات الإنجليزية، وهذه حقيقةٌ لا يتّسع لها منهجٌ يجعل الغرب وحده مصدر الشرّ الإمبراطوري. وخامسها قلة حضور أفريقيا جنوب الصحراء والأدب العربي في الكتاب، رغم عروبة المؤلف، فحصة الأدب العربي فيه رواية الطيب صالح وإشارات قليلة، بينما تنال الرواية الإنجليزية نصيب الأسد والضبع معًا. وسادسها أن قراءته لرواية أوستن عُدّت عند بعض الدارسين إسقاطًا لوعي القرن العشرين على كاتبةٍ من القرن التاسع عشر، وسابعها كثافة الأسلوب وتشعّبه، حتى ليحتاج القارئ أحيانًا إلى قراءةٍ طباقية لكتاب القراءة الطباقية نفسه.
حقائق واستنتاجات إضافية
أولى هذه الحقائق أن الكتاب ليس تنظيرًا مجرّدًا، وإنما هو أيضًا سيرةٌ ذاتية مقنّعة، فسعيد عاش الإمبراطورية تلميذًا في «كلية فكتوريا» بالقاهرة، حيث كان المدرّسون الإنجليز يعاقبون الطلاب على الكلام بلغتهم، ويعلّمونهم أن تاريخهم الحقيقي يبدأ مع شكسبير [9]. فالكتاب، بهذا المعنى، هو ردّ التلميذ على المدرسة بعد خمسين سنة، وبالإنجليزية التي فُرضت عليه.
وثانيتها أن الكتاب نشأ من محاضرات ألقاها سعيد في جامعات بريطانية، وأمريكية، وكندية، في النصف الثاني من الثمانينيات [1]، ثم صدر سنة 1993 بعد حرب الخليج، فجاء في لحظةٍ كانت فيها الولايات المتحدة تحتفل بانتصارها وتعلن «نظامًا عالميًّا جديدًا». وثالثتها أن سعيد توفي بعد ستة أشهر تقريبًا من غزو العراق سنة 2003، فبدا الكتاب كأنه تنبأ بالمشهد الذي لم يعش ليكتب عنه، مشهد إمبراطوريةٍ تحمل الديمقراطية على ظهر دبابة.
ورابعتها أن مفهوم «القراءة الطباقية» لم يكن استعارةً عابرة، بل، امتدادًا لحياة سعيد الموسيقية، وقد ترجمه عمليًّا حين أسّس مع بارنبويم أوركسترا تجمع موسيقيين عربًا وإسرائيليين يعزفون معًا [10]، فكأنه أراد أن يثبت أن الأصوات المتنازعة يمكن أن تتجاور دون أن يُلغي أحدها الآخر. وخامستها، وهي استنتاجٌ يخصّ هذا المقال، أن الإمبراطورية انتهت على الخرائط لكنها لم تنتهِ في المناهج، ولا في لغة النخب، ولا في الأحلام، فما زال كثيرٌ من الآباء في بلادنا يفاخرون بأن أطفالهم يتكلمون الإنجليزية قبل العربية، دون أن يدروا أنهم يكرّرون، بحسن نية، درس «كلية فكتوريا».
قراءة سودانية
تناولنا في مقالنا السابق عن «الاستشراق» صورة السودان في عيون المستشرقين وكتّاب الاستخبارات والمراسلين الحربيين، ولن نعيد هنا شيئًا مما ورد هناك. فهذه القراءة تبحث في السودان عن مفاهيم جديدة طرحها «الثقافة والإمبريالية» ولم يطرحها «الاستشراق»، كأوبرا «عايدة» وإمبريالية الخديوي، والجندي المستعمَر في خدمة الإمبراطوريات، والمدرسة الإمبراطورية، والمقاومة الأولى والثانية، والسياسة الثقافية للفصل، والرحلة إلى الداخل، وفخاخ القومية، والهجنة، والإذن بالسرد.
عايدة على خشبة القاهرة، والجيش في الحبشة والسودان
عرض الخديوي إسماعيل أوبرا «عايدة» سنة 1871، وهي حكاية جيشٍ مصري ينتصر على الحبشة، وأميرةٍ حبشية أسيرة تحبّ قائد الجيش المصري [1]. ولم تكن هذه الحكاية مجرد خيالٍ فرعوني، فإسماعيل كان في تلك السنوات نفسها يبني إمبراطوريةً أفريقية حقيقية في السودان، فقد استأجر الرحالة الإنجليزي صمويل بيكر (Samuel W. Baker) بين 1869 و1873 ليمدّ سلطانه إلى أعالي النيل، ويؤسس ما سُمّي «مديرية خط الاستواء»، وكتب بيكر حكاية حملته في كتابٍ سمّاه باسم سيّده «الإسماعيلية» [17]، كما يسمّي المقاول العمارة باسم صاحب المال.
ثم خلف الضابط البريطاني تشارلز غوردون بيكر على المديرية نفسها سنة 1874، وفي السنة ذاتها ضُمّت دارفور إلى السودان الخديوي بعد أن هزم الزبير رحمة السلطان إبراهيم قرض في معركة منواشي. وتكتمل المفارقة حين نتذكر أن الجيش الذي انتصر على الحبشة في الأوبرا انهزم أمامها في الواقع بعد أربع سنوات فقط، في معركتي غُندِت سنة 1875 وغُرع سنة 1876، فقد كتب فيردي النصر، وكتب الإمبراطور يوحنا الرابع الهزيمة، وكانت خشبة القاهرة أرحم بالخديوي من هضبة الحبشة.
وهنا تكتسب أطروحة سعيد عن «عايدة» بُعدًا سودانيًّا لم يتوقف عنده سعيد نفسه، فالأوبرا التي رأى فيها مشهدًا إمبراطوريًّا أوروبيًّا هي أيضًا احتفالٌ بإمبرياليةٍ مصرية بالوكالة، يديرها حاكمٌ مدينٌ للمصارف الأوروبية، ويحكم السودان بضباطٍ أوروبيين، ويستعرض أمام الأوروبيين صورة مصر التي يحبّونها. فالسوداني كان، في تلك اللحظة، مستعمَرًا من الدرجة الثانية، تحكمه دولةٌ هي نفسها تحت وصاية الدائنين.
كتيبة سودانية في المكسيك، حين صُدِّر الجسد الأسود علاجًا للحمّى
من أغرب صور «الأقاليم المتداخلة» أن الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث، حين غزا المكسيك ليقيم فيها إمبراطوريةً تابعة لفرنسا، طلب من والي مصر سعيد باشا جنودًا سودانيين، فأُرسلت كتيبةٌ من نحو أربعمائة وخمسين جنديًّا سودانيًّا مسلمًا من الأرقّاء المجنّدين، خدمت في ميناء فيراكروز (Veracruz) بين 1863 و1867 [18]. وكان المبرّر «علميًّا» في ظاهره، فقد اعتقد الفرنسيون أن الأفارقة أقدر على احتمال الحمّى الصفراء التي كانت تفتك بالجنود الأوروبيين في السهول الساحلية الحارة [18].
وهذا المبرّر هو «بنية المواقف والإحالات» في أنقى صورها، فالجسد الأسود في نظر الإمبراطورية ليس إنسانًا له وطنٌ وأسرة، وإنما مادةٌ مقاومة للحمّى، تُشحن عبر المحيط كما يُشحن الكينين. وتقول المصادر إن الجنود السودانيين أبلوا بلاءً حسنًا فاق أداء بعض الوحدات الأوروبية، وإن الإمبراطور كافأهم بعد عودتهم بزيارةٍ إلى باريس على نفقته استمرت أيامًا [18]، فكانت تلك على الأرجح المرة الأولى التي يرى فيها سودانيون عاصمة إمبراطوريةٍ قاتلوا من أجلها دون أن يعرفوا لماذا.
ولم ينتهِ الأثر بعودتهم، فقد تعلّم قدامى حرب المكسيك الأساليب العسكرية الفرنسية، وترقّوا في الرتب، ونقلوا ما تعلموه إلى غيرهم في الجيش الخديوي في السودان [18]. فالإمبراطورية الفرنسية صنعت، دون أن تقصد، خبرةً عسكرية سودانية انتقلت لاحقًا إلى جيوشٍ متصارعة على أرض السودان نفسه، وهذا ما يقصده سعيد حين يقول إن التواريخ متشابكة إلى حدٍّ لا يسمح بفصل خيوطها.
كلية غوردون، المدرسة التي أرادت كتبةً فأنجبت ساسة
يرى سعيد أن التعليم الإمبراطوري كان من أخطر أدوات الهيمنة، لأنه يصنع نخبةً محلية ترى العالم بعيون المستعمِر. وفي السودان كانت «كلية غوردون التذكارية»، التي افتُتحت في الخرطوم سنة 1902، المثال الأوضح، فقد أُنشئت لتخريج الكتبة، والمحاسبين، والمعلمين، وصغار الموظفين الذين تحتاجهم الإدارة الاستعمارية بأجورٍ أقلّ من أجور الموظفين البريطانيين والمصريين [19]. فالإمبراطورية لم تكن تريد مفكرين، وإنما كانت تريد آلاتٍ كاتبة تتكلم الإنجليزية وتعرف مكانها.
غير أن المدرسة، كما يقول سعيد عن نظيراتها في الهند والجزائر، أنجبت حفّاري قبر المدرسة نفسها، فقد صار خرّيجوها، الذين عُرفوا بالأفندية، نواة الحركة الوطنية، فمنهم من شارك في أحداث 1924 مع جمعية اللواء الأبيض، ومنهم من أسّس «مؤتمر الخريجين» سنة 1938، الذي خرجت منه الأحزاب التي قادت البلاد إلى الاستقلال سنة 1956 [19]. فالإمبراطورية علّمت الكاتب أن يكتب، فكتب في النهاية مذكّرة المطالبة برحيلها.
المقاومة الأولى في الهوامش، نيالا والنوير
تنطبق مقولة سعيد عن «المقاومة الأولى» على مقاوماتٍ سودانية مسلحة تلت إخضاع البلاد، وقلّما تحضر في الرواية الرسمية للحركة الوطنية التي كتبها أفندية المدن. ففي سبتمبر 1921 هاجم أتباع الفكي عبد الله السحيني مدينة نيالا، وهي مدينة في إقليم دارفور بغرب السودان، وقُتل في الهجوم موظفون من الإدارة الاستعمارية قبل أن تُقمع الحركة [20]. وفي الجنوب قاوم النوير، وهم شعبٌ نيلي رعوي يسكن منطقة أعالي النيل، الإدارة البريطانية في أواخر العشرينيات، فقصفتهم الطائرات، وقُتل نبيّهم قويك نقوندينق سنة 1929 [20].
والمفارقة التي يكشفها منهج سعيد أن هذه المقاومات الأولى صُوّرت في تقارير الإدارة على أنها «فتن» يقودها «دجالون» و«سحرة»، أي أنها نُزعت عنها صفتها السياسية، كما تُنزع عن الجندي صفته حين يُسمّى قاطع طريق. وهي أيضًا مقاوماتٌ همّشتها الذاكرة الوطنية في الشمال، لأنها جاءت من الأطراف لا من المركز، فظلّ أبطالها خارج كتب التاريخ المدرسية، ينتظرون من يمنحهم الإذن بالسرد.
المقاومة الثانية، حين صار الشعر والمجلة سلاحًا
أما «المقاومة الثانية»، أي المقاومة الثقافية، فقد عرفها السودان في شعر خليل فرح وغنائه في العشرينيات، حين صار الغزل في محبوبةٍ رمزية غطاءً للحديث عن الوطن، فكانت الرقابة البريطانية تسمع أغنية حبٍّ بينما يسمع الجمهور نشيدًا وطنيًّا، وهذا هو الطباق الموسيقي الذي تحدث عنه سعيد، لكن في صالات الغناء لا في قاعات الجامعة. ثم جاءت مجلة «الفجر» في الثلاثينيات، التي جمع حولها عرفات محمد عبد الله جيلًا من المثقفين يناقش الهوية، والأدب، والإصلاح الاجتماعي، ويبحث عن قوميةٍ سودانية لا هي مصرية ولا هي بريطانية [19].
السياسة الجنوبية، الثقافة أداةً للفصل
لا يكاد يوجد في تاريخ السودان مثالٌ أوضح على استعمال الثقافة أداةً إمبراطورية من «السياسة الجنوبية». فقد جعل قانون المناطق المقفولة سنة 1922 دخول الشماليين إلى الجنوب مشروطًا بتصاريح، ثم جاءت مذكرة السياسة الجنوبية سنة 1930 لتقرّر تطوير الجنوب على أسسٍ «أفريقية» منفصلة، فشُجّعت اللغة الإنجليزية واللغات المحلية بدلًا من العربية، ورُوقب الزيّ والأسماء العربية، وأُبعد التجار الشماليون، وتُرك التعليم للإرساليات المسيحية [21]. وقبل ذلك، اختار مؤتمر الرجاف اللغوي سنة 1928 لغاتٍ محلية لتُكتب بالحرف اللاتيني في مدارس الإرساليات [20].
وهنا تنطبق أطروحة سعيد بدقة، فالإمبراطورية لم تكتفِ بحكم الأرض، وإنما رسمت خريطةً ثقافية تقسّم البلد الواحد إلى «عربي» و«أفريقي»، وصاغت الهوية بالمدرسة، واللغة، والكنيسة، والتصريح الإداري. ثم تراجعت بريطانيا عن هذه السياسة سنة 1946، وعُقد مؤتمر جوبا سنة 1947 ليقرر وحدة الشمال والجنوب [21]، بعد أن صار الجداران قائمين في النفوس. فالمستعمِر بنى الحائط ثم طلب من الطرفين أن يتصافحا من فوقه.
موسم الهجرة إلى الشمال، الرحلة إلى الداخل بلهجة سودانية
رواية الطيب صالح هي الحضور السوداني الأبرز في الكتاب، فقد نُشرت أول مرة في مجلة «حوار» البيروتية سنة 1966، وترجمها دنيس جونسون ديفيز إلى الإنجليزية سنة 1969 [22]، ويعدّها سعيد مثالًا نموذجيًّا على «الرحلة إلى الداخل»، لأنها تعكس رحلة كونراد عكسًا متعمّدًا، فبدلًا من رجلٍ أبيض يصعد النهر إلى قلب أفريقيا، يذهب رجلٌ سوداني إلى لندن، قلب الإمبراطورية، على ضفاف التيمز [1].
وتزداد القراءة السودانية عمقًا حين نلاحظ أن بطل الرواية مصطفى سعيد وُلد سنة 1898، وهي السنة التي سقطت فيها الدولة المهدية ودخل البريطانيون السودان، فهو ابن الاحتلال بالمعنى الحرفي، تعلّم في مدارسه، وتفوّق في لغته، ثم ذهب ليغزو عاصمته بالطريقة التي ظنّ أنها انتقام، فدمّر نفسه وغيره. ورأى بعض الدارسين أن الرواية لا تنتقد الاستعمار وحده، وإنما تنتقد أيضًا النخبة السودانية بعد الاستقلال، التي ورثت الأمراض التي اتهمت بها المستعمِر [23]، فالراوي نفسه موظفٌ في وزارة المعارف بالخرطوم، يحضر مؤتمراتٍ فخمة عن التعليم بينما تبقى القرية على حالها.
وبهذا تكون الرواية قد سبقت سعيد إلى أطروحتين معًا، أطروحة الرحلة إلى الداخل، وأطروحة فخاخ القومية، وكأن الطيب صالح قرأ الكتاب قبل أن يُكتب بربع قرن، أو كأن سعيد وجد في القرية الواقعة عند منحنى النيل ما لم يجده في مكتبات نيويورك.
فخاخ الوعي القومي، حين ورثت الخرطوم مكتب المستعمِر
حذّر فانون، ومن بعده سعيد، من أن تكتفي النخبة الوطنية بأن تجلس على كرسي المستعمِر دون أن تغيّر الكرسي [12]. وفي السودان جاءت «سودنة» الوظائف سنة 1954 لتمنح الجنوبيين عددًا من الوظائف العليا لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من بين مئات الوظائف التي أخلاها البريطانيون، فاندلع تمرد توريت في أغسطس 1955، قبل الاستقلال بأشهر [21]. ثم جاءت حكومة الفريق إبراهيم عبود لتطرد الإرساليات الأجنبية من الجنوب سنة 1964، وتفرض سياسة تعريبٍ وأسلمة كانت صورةً معكوسة للسياسة الجنوبية البريطانية [21].
وهذا بالضبط ما يقصده سعيد بالنزعة الأصلانية التي تقبل منطق المستعمِر وهي تظن أنها تنقضه، فبريطانيا قالت إن الجنوب «أفريقي» يجب أن يُعزل عن الشمال، والدولة الوطنية ردّت بأن الجنوب يجب أن يصير «عربيًّا» كالشمال، وكلا الطرفين اتفقا، دون أن يدريا، على أن الهوية جوهرٌ ثابت تفرضه الدولة بالمرسوم. وكانت النتيجة حربًا أهلية طويلة انتهت بانفصال الجنوب سنة 2011، فكأن الخريطة التي رسمها المستعمِر بالقلم الرصاص أعاد الورثة رسمها بالحبر.
الغابة والصحراء، الهجنة قبل أن يُنظّر لها سعيد
يحتفي سعيد في خاتمة كتابه بالهويات المهجّنة، ويرفض الهويات النقية. وفي السودان سبقت جماعةٌ من الشعراء في الستينيات هذا التنظير، هي مدرسة «الغابة والصحراء»، التي ضمّت محمد المكي إبراهيم، ومحمد عبد الحي، والنور عثمان أبكر، فقد رأى هؤلاء أن الهوية السودانية لقاءٌ بين الغابة الأفريقية والصحراء العربية، لا انتماءٌ خالص لإحداهما، واستعادوا مملكة سنار رمزًا لذلك اللقاء. وهي رؤيةٌ تقترب كثيرًا من «الأقاليم المتداخلة» عند سعيد، وإني انتقدها لاحقًا من رأى فيها مصالحةً شعرية يقودها المركز، تحتفي بالغابة في القصيدة وتتجاهلها في الميزانية.
الإذن بالسرد، دارفور في الإعلام الأمريكي
تنتهي أطروحات سعيد بالصعود الأمريكي وسلطة الإعلام في تحديد من يروي حكاية من. وفي حرب دارفور التي تصاعدت منذ 2003، ظهرت في الولايات المتحدة حملةٌ واسعة باسم «أنقذوا دارفور»، ورأى عالم السياسة الأوغندي محمود ممداني (Mahmood Mamdani) أن هذه الحملة قدّمت الصراع حكايةً أخلاقية مبسّطة بين «عرب» قتلة و«أفارقة» ضحايا، ونزعت عنه جذوره السياسية في النزاع على الأرض، والجفاف، ونظام «الديار» القبلية الموروث من الإدارة الاستعمارية، وجعلت الأمريكيين أصحاب الحكاية والخلاص معًا [24].
ولا يعني هذا إنكار الفظائع التي وقعت في دارفور، فهي موثّقةٌ ومؤلمة، وإنما يعني أن السؤال الذي طرحه سعيد عن «الإذن بالسرد» [13] ما زال قائمًا، فأهل دارفور ظهروا على الشاشات الأمريكية ضحايا يُشفق عليهم، لا فاعلين سياسيين يُستمع إليهم، كما ظهر أفارقة كونراد ظلالًا تصرخ على ضفة النهر. فقد تغيّرت الوسيلة من الرواية إلى التلفزيون، وبقي الراوي واحدًا.
خاتمة
يعلّمنا «الثقافة والإمبريالية» أن الإمبراطورية ليست جيشًا يدخل ثم يخرج، وإنما حكايةٌ تُروى ثم تستقر في العقول، حتى يرويها المستعمَر عن نفسه بلسان مستعمِره. فقد رحل البريطانيون عن السودان سنة 1956، لكن كثيرًا من الحكايات التي صاغوها، عن «عرب» و«أفارقة»، وعن مركزٍ متحضر وأطرافٍ تحتاج إلى من يحكمها، بقيت تعمل في السياسة السودانية بعدهم، كما تبقى الساعة القديمة تدقّ في البيت بعد أن يرحل صانعها.
وإذا كان سعيد قد دعا إلى قراءةٍ طباقية تُسمع الصوت الغائب، فإن القراءة السودانية لكتابه تكشف أصواتًا غابت حتى عنه، صوت السوداني المجنّد في المكسيك، وصوت المقاوم في نيالا وأرض النوير، وصوت الجنوبي الذي حُكم عليه مرتين، مرةً باسم «أفريقيته» ومرةً باسم «عروبة» الدولة. وتلك هي مهمة المثقف السوداني اليوم، ألّا يكتفي بنقد الإمبراطورية التي رحلت، بل، أن ينقد أيضًا الإمبراطوريات الصغيرة التي ورثتها، وأن يمنح الإذن بالسرد لمن حُرموا منه داخل الوطن نفسه، فالبلد الذي لا يسمع كل أصواته محكومٌ بأن يعزف لحنًا واحدًا رتيبًا، حتى ينقطع الوتر.
المراجع
[1] ‎Said, Edward W. Culture and Imperialism. London: Chatto & Windus, 1993.‎
[2] ‎Said, Edward W. Orientalism. New York: Pantheon Books, 1978.‎
[3] سعيد، إدوارد. الثقافة والإمبريالية. ترجمة كمال أبو ديب. بيروت: دار الآداب، الطبعة الأولى، 1997.
[4] ‎Williams, Raymond. Keywords: A Vocabulary of Culture and Society. London: Fontana, 1976.‎
[5] ‎Tylor, Edward B. Primitive Culture. London: John Murray, 1871.‎
[6] ‎Arnold, Matthew. Culture and Anarchy. London: Smith, Elder & Co., 1869.‎
[7] ‎Hobson, John A. Imperialism: A Study. London: James Nisbet & Co., 1902.‎
[8] ‎Lenin, V. I. Imperialism, the Highest Stage of Capitalism. Petrograd, 1917.‎
[9] ‎Said, Edward W. Out of Place: A Memoir. New York: Alfred A. Knopf, 1999.‎
[10] ‎Brennan, Timothy. Places of Mind: A Life of Edward Said. New York: Farrar, Straus and Giroux, 2021.‎
[11] ‎Gramsci, Antonio. Selections from the Prison Notebooks. Edited and translated by Quintin Hoare and Geoffrey Nowell Smith. London: Lawrence & Wishart, 1971.‎
[12] ‎Fanon, Frantz. The Wretched of the Earth. Translated by Constance Farrington. New York: Grove Press, 1963.‎
[13] ‎Said, Edward W. “Permission to Narrate.” London Review of Books, vol. 6, no. 3, 16 February 1984.‎
[14] ‎MacKenzie, John M. Orientalism: History, Theory and the Arts. Manchester: Manchester University Press, 1995.‎
[15] ‎Ahmad, Aijaz. In Theory: Classes, Nations, Literatures. London: Verso, 1992.‎
[16] ‎Gellner, Ernest. “The Mightier Pen? Edward Said and the Double Standards of Inside-out Colonialism.” Times Literary Supplement, 19 February 1993.‎
[17] ‎Baker, Samuel W. Ismailïa: A Narrative of the Expedition to Central Africa for the Suppression of the Slave Trade. 2 vols. London: Macmillan, 1874.‎
[18] ‎Hill, Richard, and Peter Hogg. A Black Corps d’Elite: An Egyptian Sudanese Conscript Battalion with the French Army in Mexico, 1863–1867, and its Survivors in Subsequent African History. East Lansing: Michigan State University Press, 1995.‎
https://muse.jhu.edu/book/8881
[19] ‎Sharkey, Heather J. Living with Colonialism: Nationalism and Culture in the Anglo-Egyptian Sudan. Berkeley: University of California Press, 2003.‎
[20] ‎Daly, M. W. Empire on the Nile: The Anglo-Egyptian Sudan, 1898–1934. Cambridge: Cambridge University Press, 1986.‎
[21] ‎Deng, Francis M. War of Visions: Conflict of Identities in the Sudan. Washington, DC: Brookings Institution, 1995.‎
[22] ‎Salih, Tayeb. Season of Migration to the North. Translated by Denys Johnson-Davies. London: Heinemann (African Writers Series), 1969.‎
[23] ‎Tsaaior, James Tar. “Geo-spatial Politics and the Trope of Migration in Tayeb Salih’s Season of Migration to the North.” The Journal of North African Studies, vol. 14, no. 2 (June 2009): 221–234.‎
[24] ‎Mamdani, Mahmood. Saviors and Survivors: Darfur, Politics, and the War on Terror. New York: Pantheon Books, 2009.‎

rkhalifa747@gmail.com

Author
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
ما هي الحلقة القادمة في مسلسل البلطجة المصرية!
منشورات غير مصنفة
قصـر النجومـي .. يكتبها: السفير الرشيد أبوشامة
منبر الرأي
الهوية والمواطنة
منشورات غير مصنفة
رحمة بالموتى وأهلهم يا قنواتنا الفضائية .. بقلم: كمال الهدي
منشورات غير مصنفة
الحرب ليست قدرًا.. أوقفوا نزيف الوطن!

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الشهادة.. مَهَازل الوزارة والتلفزيون..! … بقلم: ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال
منبر الرأي

شريان السودان ذكريات وتطلعات .. بقلم: نورالدين مدني

نور الدين مدني
منبر الرأي

ذكرى معركة كرندنق .. بقلم: محمد احمد ادم علي

طارق الجزولي
منبر الرأي

مخير الله !! (2) .. بقلم: عصام جزولي

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss