د. أيمن بشرى
كنت قد نشرت مقالاً بعنوان «الثنائيات القاتلة: مدخل إلى إعادة بناء الدولة السودانية» (https://sudanile.com/الثنائيات-القاتلة-مدخل-إلى-إعادة-بناء/ وقد تكرم الأستاذ الصحفي زهير حمد بالرد عليه بمقال نقدي مطول في نفس الصحيفة (سودانايل) https://sudanile.com/الثنائيات-القاتلة-أم-أوهام-التحليل؟/. وأود في البداية أن أشكره على هذا النقد، لأن النقد والحوار هما الطريق الطبيعي لتطوير الأفكار واختبارها. فالأفكار لا تتطور في العزلة، وإنما تتطور بالنقاش والاختلاف، وكما يُقال: «نصف رأيك عند أخيك».
وسأحاول في هذا المقال الرد على أهم النقاط التي وردت في مقاله، ليس بغرض الجدل، وإنما بغرض توضيح الأفكار والمساهمة في نقاش أوسع حول قضية إعادة بناء الدولة في السودان.
- الاختزال وفهم التعقيد
أُخذ عليّ الأستاذ زهير حمد أنني اختزلت الواقع السوداني، والحقيقة أنني لا أنكر تعقيده، بل أرى أن الاختزال هو خطوة أولى لفهمه. فالعلم نفسه يبدأ بنماذج مبسطة، ثم يضيف إليها التعقيد تدريجيًا.
في علم الوراثة مثلًا، يُستخدم مفهوم “الجين” كنموذج مبسط لفهم انتقال الصفات، رغم أنه لا يفسر كل تفاصيل التعبير الجيني. وكذلك في العلوم الاجتماعية، نلجأ إلى نماذج ثنائية أو أقطاب متقابلة لفهم الظواهر، مع إدراك أن الواقع يحتوي على طيف واسع بين هذه الأقطاب. في السياسةمثلاً، يلجأ الدارسون الى تصنيف الاتجاهات السياسية إلى يمين ويسار، رغم معرفتهم بتعقيد واتساع الأفكار السياسية.
لكن يجب التمييز بين هذا النوع من الاختزال العلمي، وبين الاختزال الأيديولوجي، الذي يحول فكرة واحدة إلى تفسير شامل ونهائي للواقع، وهو ما يؤدي غالبًا إلى الصراع بدلًا من الفهم. - الهوية والسياق
الهويات في السودان متعددة ومتغيرة، ويمكن التمييز بين هويات رأسية متوارثة، وهويات أفقية مكتسبة. وما يحدد أيها يبرز هو السياق. ففي الحياة اليومية، قد لا يكون للانتماء الرياضي تأثير كبير، لكن في مباراة حاسمة بين الهلال والمريخ، قد تصبح الهوية الرياضية هي الأقوى، وقد يتوحد أشخاص من قبائل مختلفة خلف فريق واحد، بينما يتراجع الانتماء القبلي مؤقتًا. لكن في سياق مختلف، كالحروب أو النزاعات، قد تعود الهويات القبلية أو الإثنية لتتصدر المشهد. هذا المثال البسيط يوضح أن الهوية ليست ثابتة، بل سياقية. ومن هنا فإن فهم الهويات ليس غاية في حد ذاته، بل هو مدخل لفهم السلوك السياسي والاجتماعي، وهو ما يقودنا إلى نقطة أعمق.
قد يُقال إن المشكلة الأساسية في السودان هي غياب مشروع وطني أو هوية سياسية مشتركة، وهذا صحيح إلى حد كبير. لكن هذا المشروع لا يمكن أن يُفرض، بل يُبنى من خلال التوافق. وهذا التوافق يتطلب قدرًا من التعاطف (empathy)، أي فهم كل طرف لمخاوف الطرف الآخر وتصوراته للدولة.
ومن هنا، فإن النقاش حول “الثنائيات القاتلة” ليس هدفًا في ذاته، بل هو محاولة للوصول إلى فهم مشترك يمهد لبناء مشروع وطني جامع. - المركز والهامش: بين الدولة والمجتمع
من أكثر المفاهيم التي تعرضت لخلط كبير في السودان مفهوم “المركز والهامش”. في الأصل، العلاقة بين المركز والهامش هي علاقة مؤسسية تتعلق بتوزيع السلطة والموارد، مثل من يملك القرار؟ ما صلاحيات الأقاليم؟ كيف تُوزع الموارد؟
لكن في السودان، اختلط هذا المفهوم بالبُعد الاجتماعي، فأصبح “المركز” يُفهم ككيان قبلي أو سكاني، و”الهامش” ككيانات مقابلة له. هذا الفهم له جذور تاريخية تعود جزئيًا إلى فترة الحكم الاستعماري، حيث تركزت الإدارة والخدمات في مناطق معينة، بينما تُركت مناطق أخرى على هامش الدولة. لكن استمرار هذا الفهم بعد الاستقلال ساهم في تعقيد المشكلة بدلًا من حلها. لذلك، فإن إعادة بناء الدولة تتطلب إعادة تعريف هذا المفهوم. كل السودان يجب أن يُفهم على أنه أقاليم متساوية. “المركز” يجب أن يكون مركزًا سياسيًا افتراضيًا يمثل الدولة، لا مجموعة سكانية. أي فك الإرتباط بين المركزي بمفهومه المؤسسي والمركزي بمفهومه الإجتماعي.
بهذا يصبح النقاش حول علاقة الإقليم بالمركز نقاشًا مؤسسيًا، لا صراعًا هوياتيًا، وهو ما يفتح الباب أمام حلول قابلة للتطبيق. - الدستور والتوافق: درس 2005
فيما يتعلق بالدستور، أود التأكيد أن الدساتير لا تبني الدول، بل التوافق هو الذي يبنيها. وما الدستور إلا تصور تعبر عما تم التوافق عليه.
أحد أبرز الأمثلة في السودان هو الدستور الانتقالي لعام 2005، الذي جاء نتيجة مفاوضات طويلة بين الشمال والجنوب لإنهاء حرب استمرت لعقود. هذا الدستور لم يكن مجرد نص قانوني، بل كان تعبيرًا عن توافق سياسي حقيقي، وقد نجح بالفعل في إيقاف الحرب لفترة.
في المقابل، فشلت دساتير أخرى كثيرة في السودان، ليس لأنها ضعيفة نصيًا، بل لأنها لم تستند إلى توافق حقيقي. وبصورة أدق، لم تخاطب هذه الدساتير هذه الثنائيات وتخلص الى نصوص تحفظ لكل مجموعة بمصالحها وتعالج مخاوفها.
هذا يوضح أن قوة الدستور لا تأتي من نصوصه، بل من قدرته على التعبير عن التوافق المجتمعي. - الصراع على السلطة والثروة
أرى أن الصراع في السودان هو في جوهره صراع على السلطة والثروة، لكن هذا الصراع يتخذ أشكالًا مختلفة حسب السياق. والواقع أن أغلب الصراعات بين البشر إنما هي صراعات حول السلطة ومن ثم الثروة. تم توضيحي وجهة نظري حول هذا الموضوع في مقال منشور بصحيفة سودانايل بعنوان (السلطة: لماذا يسهر الخلق جرّاها ويختصموا) (https://sudanile.com/السلطة-لماذا-يسهرُ-الخلقُ-جرّاها-ويخت/).
في الدول المستقرة، يُدار هذا الصراع عبر مؤسسات مثل الانتخابات والقوانين. أما في السودان، حيث ضعفت الدولة أو انهارت في بعض الفترات، فإن هذا الصراع أخذ أشكالًا أخرى، مثل الصراعات القبلية أو العسكرية.
أما الحديث عن شبكات المصالح، فهو مهم في الدول المستقرة، لكنه يصبح أقل فاعلية في تفسير الوضع السوداني، لأن المشكلة في كثير من الأحيان ليست في تنظيم المصالح، بل في غياب الدولة نفسها التي تنظم هذه المصالح. هذا وضع لا يثير الإستغراب فيه أن يمارس الفساد بكافة أشكاله، بل وإستغلال مؤسسات الدولة ومواردها لتعميق الفساد. - المدني والعسكري: التفسير لا يعني التبرير
في مسألة الانقلابات، أؤكد أن العسكر يتحملون المسؤولية القانونية والأخلاقية عن الانقلابات. لكن في الوقت نفسه، فإن ضعف الممارسة الديمقراطية قد يخلق بيئة مواتية لها.
يمكن توضيح ذلك بمثال: إذا تُرك مال في مكان عام دون حماية فتمت سرقته، فإن السارق مذنب بلا شك، ولن يدافع عن سرقته أحد بحجة عدم حراسة صاحب المال لماله. فهو يستحق العقوبة على جرمه. لكن الإهمال أيضًا كان عاملًا مساعدًا، رغم انه لا يوجب أي عقوبة. وكما أن العقوبة للجاني تقلل خطر قيام غيره بنفس الجرم، فإن قام صاحب المال بحراسة ماله ربما يكون له أثر أبلغ في منع السرقة في المستقبل. والمستقبل هو الذي ينبغي علينا بناءه. - الدولة العادلة لا الدولة المحايدة
لم أدعُ إلى حياد الدولة تجاه الهويات بحيث تصير الدولة ذاتها بلا هوية، بل إلى دولة عادلة تمثل الجميع. فالدولة التي تنحاز لهوية واحدة ضد الأخرى لا يمكن أن تستقر. بناء هذه الدولة يتطلب فهمًا ليس فقط للمؤسسات، بل أيضًا للمشاعر والهويات والتصورات المختلفة داخل المجتمع.
الخلاصة: من الفهم إلى المشروع الوطني
قد يبدو أن المشكلة في السودان هي غياب مشروع وطني، وهذا صحيح. لكن هذا المشروع لا يمكن أن يُبنى دون توافق، ولا يمكن أن يتحقق التوافق دون فهم مشترك. وهذا الفهم لا يأتي من الشعارات، بل من تحليل عميق للهويات، والمصالح، والصراعات، والعوامل النفسية والاجتماعية التي تشكلها. بمعنى آخر، لا يمكن بناء مشروع وطني دون توافق ولا توافق دون فهم ولا فهم دون تحليل عميق للواقع. وهذا التحليل هو ما حاولت هذه الورقة المساهمة فيه، آملاً أن تكون دعوة مفتوحة لمزيد من الحوار الجاد الذي يقودنا من الفهم إلى التوافق، ومن التوافق إلى بناء الدولة.”
ومن هنا، فإن النقاش حول “الثنائيات القاتلة” ليس نهاية الطريق، بل هو بداية محاولة لفهم الواقع السوداني بطريقة تساعد في الوصول إلى هذا المشروع الوطني المنشود.
aymen.b.ahmed@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم