م. هيثم عثمان إبراهيم
في زمن الجراح المفتوحة، والحروب المتداخلة، والانهيار العام في السودان، يبدو أن أخطر ما يهدد الوعي ليس فقط الرصاص ولا الجوع، بل اللغة التي نفكر بها، والأنماط الخفية التي تتحكم في عقولنا دون أن ننتبه.
واحدة من أخطر هذه الأنماط هي ما يمكن أن نسميه: الثنائية المعيبة—منطق «مع أو ضد» الذي يختزل واقعًا شديد التعقيد في خيارين متقابلين، ويجبر الناس على الاصطفاف، ويحوّل النقاش إلى معركة، والاختلاف إلى خيانة.
هذا المقال ليس مجرد نقد لهذه الثنائية، بل محاولة لتشريحها: –
كيف نشأت؟ لماذا تجذبنا؟ كيف تعمل داخل الخطاب السوداني؟ ما آثارها على وعينا ومجتمعنا؟ وما البديل الذي يليق بجرحنا وبإنسانيتنا؟
أولًا: ما هي الثنائية المعيبة؟
الثنائية المعيبة ليست مجرد وجود طرفين أو رأيين مختلفين، فهذا طبيعي في أي مجتمع.
هي نمط تفكير يقوم على:
- اختزال الواقع في قطبين فقط (مع/ضد)، (وطني/خائن)، (ضحية/جلاد)، (ثائر/فلولي)، (مدني/عسكري)، (مركز/هامش) …الخ
- إلغاء كل ما بين القطبين من درجات، مواقف مركّبة، أو حالات إنسانية لا تنتمي بالكامل لأي طرف.
- إجبار الأفراد على الاصطفاف فإما أن تكون هنا أو هناك، ولا يُسمح لك أن تقف في منطقة ثالثة، أو أن تقول: «أنا مع هذا في شيء، وضده في شيء آخر».
- تحويل الخلاف إلى حكم أخلاقي بحيث لا يعود الخلاف مجرد اختلاف في الرأي، بل يتحول إلى إدانة، من ليس معنا فهو ضدنا، ومن ينتقدنا فهو خائن، ومن يتعاطف مع ضحايا الطرف الآخر فهو عميل.
بهذا المعنى، الثنائية المعيبة ليست مجرد «طريقة تفكير بسيطة»، بل منظومة كاملة تُعيد تشكيل: – - كيف نرى أنفسنا
- كيف نرى الآخر
- كيف نفهم الأحداث
- وكيف نحدد من هو «نحن» ومن هو «هم»
ثانيًا: الجذر النفسي… لماذا يحب العقل السوداني (والإنساني) الثنائيات؟
العقل البشري عمومًا، والسوداني اليوم خصوصًا في ظل الحرب والضغط، يميل إلى الثنائيات لعدة أسباب نفسية عميقة: –
- كراهية الغموض
بلا شك فان الغموض مرهق جداً للنفس الإنسانية والعقل البشري.
فبمجرد أن تقول: «الوضع معقد» هذا يعني أنك تحتاج إلى وقت للتفكير وقدرة على تحمل التناقض واستعداد للاعتراف بأنك لا تملك كل الإجابات. أما الثنائية فتمنحك راحة فورية وسطحية في إطلاق الاحكام هذا خير، وهذا شر. هذا معنا، وهذا ضدنا. وبالتالي فلا حاجة للتفكير الطويل، ولا لتحمل التوتر الداخلي. - الحاجة إلى الانتماء
في مجتمع مجروح، مهدد، منقسم، يبحث الإنسان عن شعور بالأمان.
فالانتماء إلى معسكر واضح (قبيلة، مدينة، جهة، موقف سياسي) يمنحه هوية وحماية وشعورًا بأنه ليس وحده، فمنطق «مع أو ضد» يقدّم الانتماء في أبسط صورة وهي أن تختار معسكرًا، وستشعر أنك جزء من «نحن» في مواجهة «هم». - تأثير الخوف والغضب
في حالات الخوف، الغضب، الصدمة، والنزوح، ينخفض الميل للتفكير المعقّد، ويزداد الميل للحكم السريع.
العقل في هذه اللحظات لا يبحث عن الحقيقة، بل عن:
- من ألوم؟
- من أحمّل المسؤولية؟
- من هو عدوي؟ ومن هو صديقي؟
وبالتالي فان الثنائية المعيبة تقدم إجابات جاهزة، هؤلاء أشرار، هؤلاء أخيار. هؤلاء ضحايا، هؤلاء جلادون، حتى لو كان الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.
- الراحة في الأبيض والأسود
الرمادي في نظر الكثيرين دائماَ متعب للتفكير وللاستيعاب.
أن تقول: «هذا الطرف أخطأ وهُضم حقه في نفس الوقت» أو «هذا الفعل مدان، لكن خلفه ظروف معقدة» يتطلب قدرة على حمل التناقض و نضجًا عاطفيًا و استعدادًا لعدم إرضاء أي طرف بالكامل.
أما الأبيض والأسود فيقدمان راحة نفسية فأنا على حق بالكامل، والآخر على باطل بالكامل.
وهذا يغذي الأنا، ويُسكت الضمير، ويُريح العقل من عناء المراجعة.
ثالثًا: الجذر الاجتماعي والسياسي… من يستفيد من الثنائية المعيبة؟
الثنائية المعيبة ليست فقط نتيجة ضعف في التفكير الفردي، بل هي أيضًا أداة سلطة تُستخدم بوعي أو دون وعي في المجتمع السوداني. - في الخطاب السياسي
السياسي الذي يريد تعبئة الناس بسرعة، لا يحب التعقيد، ومن الأسهل أن يقول:
- إما معنا أو ضد الوطن
- إما مع الثورة أو مع الفلول
- إما مع الجيش أو مع الفوضى
- إما مع المقاومة أو مع الخيانة
هذه الجمل لا تهدف إلى الفهم، بل إلى الاصطفاف.
هي لا تسأل: ما هو الوطن؟ ما هي الثورة؟ ما هو الجيش؟ ما هي الفوضى؟
بل تفترض أن المعاني واضحة، وتستخدمها كسلاح تعبوي.
- في الإعلام ووسائل التواصل
الإعلام الذي يبحث عن الإثارة، والسوشيال ميديا التي تغذيها الخوارزميات، تفضّل العناوين الحادة و القصص المبسطة و الأبطال والشريرين و الضحية المطلقة والجلاد المطلق.
منطق «مع أو ضد» ينتج محتوى سريع الانتشار، لأنه يثير الغضب و يغذي الانحياز و يمنح المتابع شعورًا بأنه في «المعسكر الصحيح» - في البنى الاجتماعية التقليدية
في مجتمع يقوم على القبائل والجهويات والانتماءات الضيقة وتاريخ من المظالم المتراكمة تجد الثنائية أرضًا خصبة. فهي تعيد إنتاج منطق: «نحن» في مواجهة «هم»، وتُلبسه ثوبًا جديدًا سياسيا أو ثورياً أو أخلاقياً.
رابعًا: كيف تعمل الثنائية المعيبة داخل الخطاب السوداني؟
يمكن أن نرسم آلية عملها في خطوات متتابعة: - اختيار موضوع معقّد مثل:
- الحرب الحالية
- علاقة المركز بالهامش
- دور الجيش
- دور الحركات المسلحة
- دور القوى السياسية
- الموقف من مدينة معينة أو قبيلة معينة
هذه كلها قضايا معقدة، متداخلة، مليئة بالتاريخ والدم والظلم والخيبات.
- اختزال الطيف إلى قطبين
بدل أن نرى:
- من هو متعاطف لكن ناقد
- من هو مؤيد جزئي
- من هو متحفظ
- من هو محايد
- من هو لا يملك معلومات كافية
- من هو متألم من الطرفين
تُختزل الصورة إلى مع أو ضد ويُلغى كل ما بينهما.
- فرض الاصطفاف
يُقال للناس صراحة أو ضمنًا أن الصمت خيانة و الحياد جريمة ومن لم يكن معنا فهو ضدنا
فيُجبر الفرد على اختيار معسكر، حتى لو لم يكن مقتنعًا بالكامل، وحتى لو كان يرى تعقيدًا لا يسمح له بالانحياز المطلق. - إعادة تفسير كل سلوك وفق الثنائية
بعد أن تُفرض الثنائية، تصبح هي «النظارة» التي يُرى بها كل شيء:
- إذا انتقدت طرفًا فأنت تلقائيًا مع الطرف الآخر.
- إذا تعاطفت مع ضحايا من جهة معينة فأنت متهم بالانحياز لها.
- إذا دعوت للسلام يُقال إنك تساوي بين الجلاد والضحية.
- إذا رفضت خطاب الكراهية يُقال إنك «خائن» أو «غير ثوري» أو «غير وطني».
بهذا الشكل، تتحول الثنائية إلى نظام مغلق، يبتلع كل محاولة للخروج منه، ويعيد تأويلها بما يخدمه.
خامسًا: الآثار العميقة للثنائية المعيبة على الوعي السوداني
- قتل التفكير النقدي
التفكير النقدي يعني أن تسأل وأن تشك وأن تراجع وأن تفرّق بين الفعل والفاعل وأن ترى الأخطاء حتى في صفوف من تحب وأن ترى بعض الحق حتى عند من تختلف معهم.
منطق «مع أو ضد» لا يحتمل هذا.
هو يريد منك ولاءً لا مراجعة وانحيازًا لا تفكيرًا وترديدًا لا سؤالًا فيُقتل التفكير النقدي، ويُستبدل بـالشعارات والهتافات وردود الفعل الانفعالية. - تشويه صورة الآخر
الآخر في منطق الثنائية ليس إنسانًا، بل خائن أو عدو أو كوز أو جلابي أو عنصري أو متمرد أو جنجويدي أو عب أو غرّابي أو أي وصف آخر حسب السياق. فلا يعود الآخر فردًا له قصة، وظروف، وتناقضات، بل يتحول إلى رمز يُحمَّل كل الشرور.
وهذا يفتح الباب واسعًا أمام نزع الإنسانية و تبرير العنف وتبرير الشماتة في الموت والدمار. - إفقار اللغة والمشاعر
حين تضيق اللغة، تضيق معها المشاعر، فمنطق «مع أو ضد» لا يسمح لك أن تقول:
- أنا متألم من الطرفين
- أنا ضد الجريمة، لكنني أفهم بعض دوافع الغضب
- أنا مع العدالة، لكنني ضد الانتقام
- أنا مع المقاومة، لكنني ضد استهداف المدنيين
هذه الجمل تحتاج إلى لغة واسعة، وإلى مشاعر ناضجة. أما الثنائية فتختزل كل هذا في (معنا أو ضدنا)، (مع الثورة أو ضدها)، (مع الجيش أو ضده). فتُفقَر اللغة، ويُفقَر معها الخيال الأخلاقي.
- إعادة إنتاج الكراهية والعنف
حين يتحول الآخر إلى «ضد»، يصبح من السهل شيطنته وتبرير الظلم ضده وتجاهل معاناته والشماتة في مصيبته. وهكذا بدل أن نخرج من دائرة العنف، نُعيد إنتاجها بخطاب جديد، لكن بالروح نفسها.
سادسًا: لماذا هي «معيبة» وليست مجرد «ثنائية»؟
ليست كل ثنائية خاطئة.
هناك ثنائيات ضرورية:
- ظلم/عدل
- عنصرية/مساواة
- تعذيب/كرامة
- إبادة/حياة
في هذه القضايا، لا يمكن أن نقف في المنتصف أخلاقيًا.
لكن تصبح الثنائية معيبة عندما:
- تدّعي الشمول كأنها تغطي كل الواقع، بينما هي في الحقيقة لا ترى إلا جزءًا صغيرًا منه.
- تلغي البدائل بحيث لا تعترف بموقف ثالث، أو مركّب، أو متطور.
- تُستخدم للوصم فتتحول من أداة تحليل إلى أداة إدانة أخلاقية.
- تُستخدم لإغلاق النقاش فبدلاً عن أن تفتح بابًا للفهم، فإنها تُغلق الباب أمام أي سؤال.
فالمشكلة ليست في وجود قطبين، بل في إلغاء المسافة بينهما، وإلغاء كل ما بينهما من درجات.
سابعًا: نحو لغة جديدة بين السودانيين… ما هو البديل؟
البديل ليس مجرد رفض منطق «مع أو ضد»، بل بناء إطار جديد للتفكير والحديث. - التحول من سؤال (مع أو ضد؟) إلى سؤال (كيف نفهم؟ وكيف نُصلح؟). فبدلاً من أن نسأل هل أنت مع هذا الطرف أو ضده؟ نسأل ما الذي حدث؟ ومن المسؤول؟ وما هي جذور المشكلة؟ وما هي الحلول الممكنة؟ وكيف نحمي المدنيين؟ وكيف نمنع تكرار المأساة؟
هذا التحول من (من مع من؟) إلى (كيف نُصلح؟) هو جوهر الوعي. - الاعتراف بالطيف بدل القطبين فعلينا أن نعترف بأن المواقف الإنسانية ليست خطًا مستقيمًا، بل طيفًا واسعًا، يضم كل من هو متعاطف لكنه ناقد وكل من هو مؤيد في جانب، ومعترض في جانب آخر وكذلك كل من هو متردد وكل من هو محايد لأنه لا يملك معلومات وكل من هو متعب لدرجة أنه لا يريد أن ينحاز لأي طرف.
كل هؤلاء بشر، وليسوا «خونة» أو «جبناء» بالضرورة. - إعادة الاعتبار للغة الإصغاء فنحن نحتاج إلى لغة تقول:
- «احكي لي أكثر»
- «أنا لا أتفق معك، لكن أريد أن أفهمك»
- «أختلف معك، لكن لا أنزع عنك إنسانيتك»
- «أرفض فعلك، لكن لا أرفض وجودك»
هذه اللغة لا تُلغي الخلاف، لكنها تمنعه من التحول إلى كراهية.
- وضع الإنسان قبل المعسكر فقبل أن نسأل: من مع من؟ يجب أن نسأل: من يتألم؟ ومن يموت؟ ومن يُهجّر؟ ومن يُغتصب؟ ومن يُجوّع؟.
الإنسان أولًا… قبل القبيلة، قبل المدينة، قبل السلاح، قبل الشعار. - قبول التعقيد كجزء من النضج فالتعقيد ليس ضعفًا، بل علامة نضج.
تعلم أن تقول:
- «أنا لا أستطيع أن أختزل هذا الصراع في خير وشر مطلقين»
- «أنا أرى مظالم تاريخية، وأرى أيضًا جرائم حاضرة»
- «أنا مع العدالة، لكنني ضد الانتقام الأعمى»
فهذا ليس ترددًا، بل شجاعة فكرية وأخلاقية.
ثامنًا: كيف يتحول هذا الوعي إلى ممارسة يومية في السودان؟
- في النقاشات اليومية تجنب سؤال: «مع من؟» وابدأ بسؤال: «كيف ترى ما يحدث؟» ولا تُسارع إلى تصنيف الناس، بل استمع أولًا، ولا تستخدم الأوصاف الجاهزة (خائن، كوز، عنصري…) كبديل عن الفهم.
- في الكتابة والنشر استخدم لغة تعترف بالتعقيد ولا تُسهم في شيطنة جماعية لأي مجموعة وكذلك انتقد الأفعال والسياسات، لا «الدم» ولا «الأصل» ولا «الهوية».
- في التربية والبيت علّم الأطفال أن الاختلاف طبيعي وعلّمهم أن يقولوا: «أنا لا أتفق» بدل «أنت غلطان» وعلّمهم كذلك أن يسألوا قبل أن يحكموا.
- في الفضاء العام شجّع الأصوات التي ترفض الاستقطاب ولا تُسهم في حملات التشهير الجماعي وادعم الخطاب الذي يضع الإنسان قبل المعسكر.
خاتمة: من الثنائية المعيبة إلى الوعي الحصيف
الثنائية المعيبة ليست مجرد خطأ في التفكير، بل سجن للعقل والروح.
هي آلية خفية تمسك بخناق الوعي السوداني، وتعيد إنتاج الانقسام، وتمنعنا من رؤية بعضنا كبشر قبل أن نكون معسكرات.
الخروج من هذا السجن لا يعني أن نصبح بلا مواقف، أو بلا غضب، أو بلا انحياز للعدل.
بل يعني أن:
- ننحاز للإنسان قبل الشعار
- ننحاز للحق دون أن نُلغِي التعقيد
- ننحاز للعدالة دون أن نُقدّس الانتقام
- ننحاز للوعي، لا للقطيع
السودان لن يشفى بلغة «مع أو ضد».
السودان يحتاج إلى لغة تعترف بالجراح و تحترم العقول وتفتح باب المراجعة وتبني جسورًا بين المختلفين، لا خنادق بينهم.
هذه ليست مجرد لغة…
هذه مسؤولية أخلاقية، وخيار حضاري، وشرط أساسي لأي مستقبل يستحق أن نعيش فيه معًا، لا ضد بعضنا.
haytham.compre@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم