الثورة الخضراء

يقولون حقاً، بأن الشعوب الحية هي تلك التي تتفاعل مع تجاربها ومع تجارب غيرها من شعوب ومن مجتمعات، دراسةً وتحليلاً وتدقيقاً وتنقيحاً، بحثاً عن العبرة وعن الدرس، فتبدأ مسيرتها من حيث انتهى الآخرين، فلا اهدار لوقت ولا بعثرة لفكر ولا ضياع لجهد.
واعتماداً على ما ذكرنا، نحاول جادين ومتفانين بقدر المستطاع، أن نتيح الفرصة كاملة لتجربة من التجارب لكي تتحدث عن نفسها بكل صراحة وبكل تواضع، ولكي تكشف لنا عن إيجابيات تجربتها، وما كانت تحمله في أحشائها من سلبيات ومن مثالب، والي أين انتقلت بمجتمعها من حال الي حال، وهل لنا أن نسير في ركابها وأن نعمل بما عملت مع عدم التقليد الأعمى، عسانا نخرج من واقعنا السوداوي الي واقع فيه من خيوط الأمل خيط ولو رفيع، وفيه اضاءات أو قل ومضات تبشر بمستقبل غني. انتبه! فالثورة الخضراء ستدلق دوايتها أو محبرتها في التاليات من سطور.
لقد أصبحت مشكلة الغذاء أكثر خطورة مما كانت عليه بعد تقسيم البلد الواحد الي هند والي باكستان أو بعد انفصال باكستان عن الهند في 1947م، مما خلق وشكل سلسلة طويلة من التحديات للقطاع الزراعي في الهند. وحتى خلال سنوات الحصاد الناجحة المزدهرة، وعندما كانت واردات الهند الغذائية مرتفعة وكانت محلقة عالياً جداً وعالياً، ظلت هناك شريحة كبيرة وطبقة عظيمة جداً من الهنود الفقراء ومن الذين يعيشون أوضاعاً مأسوية تملأ مكانها العدمي بدون حراك.
وللتخفيف من هذه المشاكل ولرفع بعضها وقتل بعضها، اعتمدت الهند استراتيجيات زراعية في ظل “الثورة الخضراء” في منتصف عقد الستينيات من القرن المنصرم. وكان ذلك بتطبيق تكنولوجيا الزراعة الحديثة، وإدخال أصناف عالية الإنتاجية من البذور، وزيادة استخدام الأسمدة، وتطوير وتوسيع شبكات الري، وتقديم الائتمان والخدمات التعليمية للمزارعين.
وكان أن أدت هذه الأنشطة إلى زيادة كبيرة والي نمواً محترماً في المنتجات الزراعية مما ساعد الهند في أن تنجز وتحقق اكتفاءها الذاتي من الغذاء خلال فترة زمنية قصيرة كانت غير متوقعة. وقد ساهمت “الثورة الخضراء” في الزراعة الهندية بشكل هائل وحولت الهند من دولة تتضور جوعاً إلى دولة منتعشة مصدرة للغذاء الي بلاد العالمين في المشارق وفي المغارب. ولا نتردد في أن نقول ونردد بإن الأنشطة التي تشكل “الثورة الخضراء” تستحق المحاكاة في البيئة السودانية وفي أي بيئة مشابه ومماثلة.
اذن، ما الثورة الخضراء؟
يشير مصطلح “الثورة الخضراء” إلى التكنولوجيا الزراعية الجديدة، تلك التي تم تطويرها خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الفائت من قبل فريق من الخبراء الزراعيين في المركز الدولي لتحسين الذرة والقمح في المكسيك وفي المعهد الدولي لبحوث الأرز (IRRI) في الفلبين.
وقد تم فيما بعد اعتماد التكنولوجيا التي تم تطويرها في هذين المركزين من قبل معظم الدول النامية في آسيا وفي أمريكا اللاتينية، مما ساعد وساهم في تحسين الإنتاجية الزراعية وفي تحقيق الاكتفاء الذاتي من الحبوب الغذائية في هذه البلدان.
وقد تضمنت التكنولوجيا توظيف أو استعمال بذور متنوعة عالية الإنتاجية (HYV) واعتماد مجموعة من المدخلات ومن الأدوات ومن الممارسات الزراعية الحديثة مثل الأسمدة الكيماوية، والمبيدات الحشرية، والري المضمون والمتحكم فيه، والجرارات، والدراسات، والمضخات الكهربائية ومضخات الديزل، وما إلى ذلك، وهكذا.
ورغم أن الاستراتيجية الزراعية الجديدة انحصرت واقتصرت في بداياتها على محاصيل القمح والأرز، إلا أنها امتدت وأيضاً تمددت فيما بعد إلى محاصيل أخرى مختلفة. وكان أن تم وضع هذه الممارسات بدلاً عن تلك الممارسات الزراعية التقليدية التي كانت مستعملة ومستخدمة قبلاً ومن قبل، والتي كانت تعتمد في الغالب وبصورة تامة على المدخلات وعلى الموارد المملوكة للمزارعين كالبذور المحلية، وكروث المزرعة، والري اليدوي، واستخدام قوة الجر (الطاقة الحيوانية)، وما إلى ذلك من طرق قديمة وتقليدية وعتيقة.
وكانت مشكلة البذور المحلية تكمن في أنها لم تكن قادرة وليس لها القدرة على تحمل جرعات عالية من الأسمدة الكيماوية المستخدمة والمستغلة من أجل زيادة الإنتاجية، في حين أن بذور (HYV)، جنباً إلى جنب مع الأسمدة الكيماوية والري، حققت إنتاجية أعلى وأعلى بكثير كانت هي في أمسى الحاجة إليها ولها.
وكان مصطلح “الثورة الخضراء” من ابداعات وصياغات الدكتور ويليام جود (مدير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية آنذاك) والذي استخدم واستعمل هذا المصطلح في عام 1968م لشرح ولوصف ولتفسير النجاح الذي حققته التكنولوجيا الزراعية الجديدة في البلدان النامية في آسيا وتلك الموجودة في أمريكا اللاتينية.
الملامح الرئيسية للثورة الخضراء
وخلافاً للممارسات الزراعية التقليدية والمتخلفة والتي اعتمدت في الغالب الأعم على البذور المحلية وعلى المدخلات الداخلية (المدخلات غير المشتراة)، اعتمدت التكنولوجيا الزراعية الجديدة بصورة أساسية ورئيسية على المدخلات الخارجية (المدخلات المشتراة) التي تطلبت والتي احتاجت لموارد مالية كبيرة وضخمة لاعتمادها.
وقد جاءت تقنية الثورة الخضراء في عبوة من بذور (HYV) -الري- الأسمدة. وكانت كل هذه الأمور مطلوبة معاً تضامنياً وبنسب صحيحة لا خلل فيها، لأن عدم كفاية المياه وكذلك الإفراط في استخدامها واستعمالها كانا ضارين جداً بهذه البذور.
وهكذا أصبح توفر الري المضمون والمتحكم فيه واستخدام الأسمدة الكيماوية عاملين حاسمين في زيادة ونمو إنتاجية بذور (HYV). ولذلك، كانت تكنولوجيا الموارد الوراثية أكثر ملاءمة للمناطق التي لديها مرافق الري الكافية وكذلك نظام الري/الصرف المناسب للمياه. في حين أن بذور (HYV) تتطلب وتحتاج جرعات عالية من الأسمدة الكيماوية لنموها وانتعاشها، ونسبةً لإن استخدام الأسمدة بدوره يؤدي ويولد الأعشاب الضارة، نحتاج، في نفس الوقت، لاستخدام مبيدات الأعشاب.
إحدى السمات الرئيسية لبذور (HYV) هي أنها كانت تتمتع بفترة نضج أقصر مما أتاح المجال وأعطي الفرصة للمزارعين لزراعة عدد أكبر وأكثر من المحاصيل خلال عام واحد. وهكذا، ساهمت وساعدت تكنولوجيا الموارد الوراثية على زيادة كثافة المحاصيل. وأدى ارتفاع مستوى الإنتاجية وكثافة المحاصيل في ظل تكنولوجيا الموارد الوراثية إلى جعلها تكنولوجيا موفرة للأراضي.
ومع ذلك، ومن أجل تحرير الأرض للمحصول التالي، كان على المزارعين القيام بعمليات زراعية مختلفة، بما في ذلك حصاد المحاصيل وإعداد الأرض للمحصول الذي يليه في الوقت المناسب. ولهذا كان من الضروري استخدام الآلات الزراعية الحديثة مثل الجرارات والاهتمام بالدراسات واستعمال مضخات الري وغيرها. وهكذا، ساعدت تكنولوجيا الموارد الوراثية في جذب المزيد من الاستثمار في تصنيع الآلات الزراعية ومضخات الري وما إلى ذلك، وكذلك في إنشاء مرافق البنية التحتية المصرفية والتسويقية في المدن الصغيرة وفي المناطق الريفية.
وبالتالي، وبما أن تكنولوجيا الموارد الوراثية تنطوي على استثمارات ضخمة في البنية التحتية، فقد كانت التكنولوجيا أكثر ملاءمة لكبار المزارعين الذين يستطيعون شراء الآلات والمعدات الزراعية لتحسين استخدامها بسبب أحجام مزارعهم الكبيرة. على الرغم من أن الاستثمار في الآلات الثقيلة كان ضرورياً لتبني محاصيل (HYV)، إلا أن المزيد من الاستثمار في استئجار وفي شراء المدخلات الأخرى كان ضرورياً حتى في المزارع الصغيرة. ولم يكن لدى صغار المزارعين والهامشيين القدرة والمقدرة على مثل هذا الاستثمار لأن إمكانية الحصول على الائتمان كانت محدودة جداً.
وهكذا، وعلى الرغم من أن تكنولوجيا الري بالأسمدة ذات الجهد العالي كانت تعتبر محايدة على نطاق واسع وزادت من إنتاجية الأراضي بغض النظر عن حجم الحيازات التشغيلية، إلا أنها من الناحية العملية لم تكن بالتأكيد محايدة للموارد. ولذلك، كان من الضروري استخدام التكنولوجيا الجديدة بشكل فعال من حيث التكلفة في الحيازات الصغيرة والهامشية من خلال بعض تدابير بناء المؤسسات مثل تشكيل الزراعة الجماعية.
باختصار شديد، نقول بإن بذور (HYV)، واستخدام الأسمدة الكيماوية والمبيدات الحشرية، وتطبيق الآلات الزراعية الحديثة، ومرافق الري الواسعة، والمحاصيل المتعددة، وتحسين التسهيلات الائتمانية، وسياسة دعم الأسعار، وتحسين البنية التحتية للبحث والتطوير والإرشاد، جاءت للبرهان وللدلالة على السمات الرئيسية لـحركة الثورة الخضراء في الهند.
النقد المالتوسي
دائماً تنطوي بعض الانتقادات بصورة عامه على بعض التباينات وعلى بعض الاختلافات المرتبطة بمبدأ مالتوس السكاني. وتحملق هذه المخاوف جاحظة العينين في فكرة عدم استدامة أو ديمومة الثورة الخضراء، وحالة الانفجار السكاني المتوقعة، والتي بلغت أقصى مداها فيما يتعلق بالقدرة الاستيعابية المستدامة والحاجات البيئية في كوكبنا الأرضي.
ويمكننا أن نقول وبدون تردد، بان توقعات مالتوس الأكثر تطرفاً قد كتب الله لها الفشل البائن في التبلور وفي التشكل وفي التكون مراراً وتكراراً، رغم فقدان حوالي 36 مليون شخص لحياتهم والانتقال الي العالم الآخر سنوياً، بسبب الجوع والعوز وسوء التغذية بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر.
وكان أن تنبأ توماس مالتوس بوقوع وحدوث المجاعة الوشيكة والحتمية بحلول عام 1798م. وفعلاً تضاعف عدد سكان الكرة الأرضية مع قدوم عام 1923م، وتضاعف مجدداً في 1973م، ولكن دون تحقيق نبوءة مالتوس الذهبية.
وقد صرّح داعم ومناصر هذه النظرية، “بول آر. إرليخ” في كتابه لعام 1968م، المسمى “القنبلة السكانية”، بأن “بلد كالهند مع انفجاراتها السكانية لن تتمكن من إطعام مئتي مليون شخص آخر اضافي مع حضور عام 1980″، وبأن “مئات الملايين من الناس سيتضورون جوعاً حتى الموت والفناء بغض النظر عن وجود برامج مكثفة”.
وكان أن فشلت تحذيرات “إرليخ” واصطدمت بالواقع الهندي المغاير، ذلك عندما حققت الهند اكتفائها الذاتي في إنتاج الحبوب مع اطلالة عام 1974م (أي بعد 6 سنوات)، وذلك نتيجة اعتمادها على أصناف القمح القزم التي ابتكرها “نورمان بورلاوج”.
وبالرغم من ذلك، أدرك “بورلاوج” تداعيات وخطورة النمو السكاني تماماً. وقام بورلاوج بطرح أفكار ذات قيمة ومعني من أجل تحسين الإنتاج الغذائي بصورة مكررة ومعادة مرة ومرات في محاضرته التي قدمها وألقاها بمناسبة فوزه بجائزة نوبل، إذ أظهر خلالها فهماً متقدماً وثاقباً ورصيناً لسياق التعداد السكاني. فهو القائل:
(حقّقت الثورة الخضراء نجاحاً مؤقتاً في حرب الإنسان ضد الجوع والحرمان؛ لقد أعطت الإنسان فرصة لالتقاط أنفاسه. تستطيع الثورة توفير الغذاء الكافي للعيش خلال العقود الثلاثة المقبلة، في حال طُبّقت بحذافيرها. لكن يجب كبح القوة المخيفة للتكاثر البشري، وإلا سيكون نجاح الثورة الخضراء سريع الزوال وحسب. وما زالت قدرة الناس على فهم حجم «الوحش السكاني» وخطره محدودة … بما أن الإنسان قد يكون كائناً عقلانياً، فإنني على ثقة بأنه سيدرك توجهه نحو المسار التدميري الواقع على طريق النمو السكاني المستهتر).
ما هي العوامل التي أدت إلى الثورة الخضراء في الهند؟
كتب د. أميلي جرينفليد في مقالته المعنونة ب “ظلال خضراء… استكشاف الثورة الخضراء في الهند” بتاريخ أكتوبر 20، 2023م، شارحاً العوامل التي دفعت وحرضت لقيام الثورة الخضراء في الهند، حيث خط يراعه الكلمات الدقيقات التاليات…
لقد كانت الثورة الخضراء في الهند مدفوعة أولاً وفي المقام الأول بعناصر أو بدوافع اقتصادية واجتماعية وأخرى زراعية، اضافةً للأفراد وللمنظمات الرئيسية. ويمكننا أن نحصر هذه العوامل أو تلك الدوافع في النقاط الآتية، كمثال فقط:
• ندرة الغذاء وشبح المجاعة: لقد تألمت الهند وعانت من نقص مزمن في الغذاء لا يوصف ومجاعات دورية مع الاصرار بعيد استقلالها في 1947م. وقد سلطت هذه الأزمات الأضواء على الحاجة الملحة إلى زيادة الإنتاج الزراعي لإطعام الأعداد المتزايدة من السكان وحماية الملايين ضد الجوع وضد الفناء الرخيص.
• النمو السكاني السريع: كانت هناك انفجارات سكانية في الهند غير مسبوقة، وهذا الوضع الحرج خلق ضغطاً وضغوطاً هائلة على القطاع الزراعي من أجل إنتاج المزيد من الغذاء لتلبية احتياجات السكان المتزايدة واشباعها.
• الابتكارات التكنولوجية: كان للتقدم في العلوم الزراعية وتقنيات تربية النباتات، بقيادة دكتور “م.س. سواميناثان” ودكتور “نورمان بورلوغ” أثره النافذ في تعبيده الطريق لتطوير أصناف المحاصيل عالية الإنتاجية. وقد كان لهؤلاء العلماء أدواراً رئيسية وحاسمة في تربية أصناف جديدة من المحاصيل التي شكلت والتي بلورت أساس الثورة الخضراء.
• المبادرات الحكومية: وكذلك لعبت الحكومة الهندية دوراً هاماً ومركزياً في الترويج للثورة الخضراء الهندية. فقد قامت بإدخال السياسات والإعانات وعملت على دعم المؤسسات البحثية التي لعبت دوراً فعالاً ومميزاً ومشهوداً في تنفيذ ونشر وإنجاز تكنولوجيات الثورة الخضراء.
• الدعم الدولي: ولم تتأخر المؤسسات الدولية في تقديم المساعدات المالية والفنية لعلماء الزراعة الهنود كمؤسسة فورد ومؤسسة روكفلر، وأيضاً ساهموا في تسهيل تطوير واعتماد أصناف المحاصيل عالية الإنتاجية.
الآثار الإيجابية للثورة الخضراء
كان للثورة الخضراء في الهند، سلسلة من التأثيرات الإيجابية العظيمة على الزراعة وعلى الاقتصاد وعلى الرفاهية العامة في البلاد وللعباد. ومن هذه الإيجابيات نذكر….

  1. التحسن والزيادة في الإنتاجية الزراعية: لقد ساهمت في تحسين وتعزيز شأن الإنتاجية فزادت بشكل استدعى الإشادة والتقدير والتجلة.
  2. الأمن الغذائي وتكبيل الجوع وحبسه: بلا شك لقد لعبت هذه الثورة الزراعية دوراً واضحاً في تبديد مخاوف الأمن الغذائي، ومن ثم محاربة الجوع والمجاعات وسوء التغذية الذي يصيب السكان في مقتل.
  3. النمو الاقتصادي: من خلال نمو وزيادة الدخل القروي أو الريفي وفرص العمل، وجد الاقتصاد فرصته المواتية في النمو وفي الانتعاش. وأيضاً ساهم ارتفاع الإنتاجية وزيادتها الي النهوض بمستوي معيشة المزارعين الصغار والهامشيين، وهذا بدوره ساهم في الحد من الفقر وتعزيز التنمية في الريف.
  4. التخفيف من الاعتماد على الواردات الغذائية: قبل اندلاع الثورة الزراعية الهندية، كان الاعتماد الكلي على الواردات الغذائية من أجل اشباع احتياجات الهند. أما الآن فالصورة أصبحت مختلفة تماماً، فزيادة الإنتاج المحلي من المحاصيل الأساسية ساهم في التخفيف من الاعتماد على الخارج، وعمل ذلك على توفير النقد الأجنبي وتعزيز الاستقرار الاقتصادي في البلاد.
  5. تقدمات تكنولوجية وفنية: أغنت الثورة الخضراء المزارعين بالتقنيات الزراعية الحديثة، بما في ذلك أصناف المحاصيل عالية الإنتاجية وأنظمة الري المتقدمة والاستخدام المسؤول للمدخلات الكيميائية. وقد أرسى هذا النقل التكنولوجي الأساس أو وضع الأرضية الصلبة للابتكارات الزراعية المستدامة وساهم في تعزيز مكانة الهند باعتبارها رائدة زراعية كونية.
    الآثار السلبية للثورة الخضراء
    في حين أحدثت الثورة الخضراء في الهند تغيرات إيجابية كبيرة في الزراعة وفي إنتاج الغذاء، إلا أنها كانت تحمل أيضاً عدة آثار سلبية، منها…
  6. تدهور البيئة
    اعتمدت الثورة الخضراء بشكل كبير على الأسمدة الكيماوية والمبيدات الحشرية، مما أدى إلى تدهور البيئة. وقد أدى الإفراط في استخدام هذه المواد الكيميائية إلى تدهور التربة، وانخفاض خصوبة التربة، وتلوث المياه. وقد أضر هذا بالبيئة وأضر باستدامة الزراعة على المدى الطويل.
  7. خسارة التنوع البيولوجي الزراعي
    شجعت الثورة الخضراء على زراعة عدد محدود من أصناف المحاصيل عالية الإنتاجية، مما أدى إلى تقليل تنوع المحاصيل. وأدى هذا النهج القائم على الزراعة الأحادية إلى جعل النظام الزراعي عرضة للأمراض والآفات، مما قد يؤدي إلى تدمير محاصيل بأكملها. وقد هدد هذا النهج الممارسات الزراعية التقليدية المتنوعة الأكثر ملاءمة للظروف المحلية.
  8. كثافة الموارد
    تطلبت الثورة الخضراء موارد كبيرة، بما في ذلك المياه والمدخلات الكيميائية والطاقة. وكان أن أدى الاستخدام المكثف للمياه لأغراض الري والإفراط في استخدام الأسمدة والمبيدات الحشرية إلى زيادة تكلفة الزراعة وفرض ضغوطاً هائلة على الموارد الطبيعية. وكان من الممكن أن يكون هذا النهج الذي يعتمد على كثافة الموارد أكثر استدامة على المدى الطويل.
  9. عدم المساواة في الدخل
    وكان هناك أيضاً فشل باين في توزيع فوائد الثورة الخضراء بالتساوي. ولكن كان كبار ملاك الأراضي والمزارعين هم الأكثر ثراءً، وفي كثير من الأحيان مجهزين وجاهزين بشكل أفضل لتبني التكنولوجيات الجديدة، مما أدى إلى حرمان صغار المزارعين والمهمشين من جني أي فائدة. وأدى هذا التفاوت في الدخل إلى تفاقم الفوارق في المجتمعات الريفية وساهم ذلك في التوترات الاجتماعية.
  10. التفكك الاجتماعي
    أدى التحول السريع إلى الممارسات الزراعية الحديثة في بعض الأحيان إلى التفكك الاجتماعي في المجتمعات الزراعية التقليدية. وتم التخلي عن الممارسات التقليدية لصالح التكنولوجيات الجديدة، مما أثر على سبل عيش العديد من سكان الريف وتقاليدهم الثقافية. وقد يكون لهذا الاضطراب الاجتماعي عواقب طويلة المدى على رفاهية المجتمع وعلى تماسكه.
    وتسلط الآثار السلبية للثورة الخضراء الضوء على أهمية اعتماد مناهج زراعية مستدامة ومتوازنة، تهدف إلى التخفيف من هذه المشكلات مع الحفاظ على الإنتاجية الزراعية أو تعزيزها.
    كيف يكون العلاج وما هي سبله؟
    ومن الامكان معالجة الآثار السالبة والسلبية للثورة الخضراء مع الحفاظ على الأمن الغذائي من خلال تبني نهج أكثر استدامة وشمولية في التعامل مع الزراعة. وفيما يلي نطرح بعض الاستراتيجيات من أجل تحقيق وإنجاز هذا التوازن…
    • تعزيز الممارسات الزراعية المستدامة: تشجيع الزراعة العضوية، والإدارة المتكاملة للآفات، وتنويع المحاصيل لتقليل استخدام المدخلات الكيميائية وتحسين الاستدامة البيئية.
    • تنويع أصناف المحاصيل: زراعة مجموعة من المحاصيل للتخفيف من مخاطر الأمراض والآفات التي تؤثر على المحاصيل الأحادية وتعزيز القدرة على الصمود في الزراعة.
    • ادارة المياه: تنفيذ ممارسات المياه الفعالة مثل تجميع مياه الأمطار والري الدقيق للحفاظ على الموارد.
    • دعم صغار المزارعين: تزويد أصحاب الحيازات الصغيرة بالائتمان والتكنولوجيا والتدريب، وتمكينهم من تبني ممارسات مستدامة.
    • البحث والابتكار: الاستثمار في البحوث المتعلقة بأصناف المحاصيل عالية الإنتاجية والمرنة التي تناسب الظروف المحلية مع انخفاض متطلبات المدخلات.
    • سياسات الحكومة: مواءمة السياسات مع الزراعة المستدامة، وتقديم الحوافز وتنظيم استخدام المدخلات الكيميائية.
    ويتطلب تحقيق التوازن بين الأمن الغذائي والزراعة المستدامة اتباع نهج متعدد الجوانب يشمل الحكومة والمزارعين ومختلف أصحاب المصلحة في القطاع الزراعي.
    ومن خلال تبني هذه الاستراتيجيات، تستطيع الهند وغيرها من بلدان ضمان إمدادات غذائية كافية مع تخفيف التأثيرات السلبية المصاحبة للثورة الخضراء.
    ما بين “مالتوس” و”أمارتيا سن”
    بادئ ذي بدء، عمل مالتوس على طرح تصريحين، وأقر بأنه لا يستطيع تفنيدهما، “وكان الأول أن النظام ضروري لوجود الانسان. وكان الثاني هو أن الشغف بين الجنسين ضروري وسيبقي بوضعه الراهن تقريباً”.
    لم تختلف رغبات البشر حول أو في العلاقة الحميمية والتزاوج على مر السنون والدهور والآجال، وليس هناك أمل في أن تتضاءل أو تنكمش في المستقبل.
    وهنا تختبئ المشكلة، حيث تنمو وتتزايد طرق ووسائل العيش أو مقدرة أو قدرة الزول على اشباع حاجاته بواسطة دخله، بالتدريج أو بمتتالية حسابية (1،2،3،4،5،6،7،8،9،10،11). بينما ينمو حجم السكان ويتزايد، لو تم ترك الناس على هواءهم وبلا تنظيم أو دون رقابة، بطريقة أو بمتتالية هندسية (1،2،4،8،16،32،64،128،256،512،1024، وهكذا).
    وقد لاحظ مالتوس تزايد ونمو سكان أمريكا الشمالية بمقدار الضعف كل 25 سنة، وكان السبب وراء ذلك هو وجود أرض صالحة للزراعة تدعم وتعزز هذا التزايد وهذا النمو. ولكن كانت هناك بريطانيا وظروفها المختلفة تماماً عن الصورة التي رسمناها قبل قليل.
    فعلى افتراض أن إنتاجية الأرض قد تتضاعف مرتين في الفترة الزمنية نفسها، فان هذا سيتعارض مع معرفتنا بمساحات الأراضي، كما خط يراع مالتوس، ولها إمكانية المضاعفة أربع مرات خلال خمسين عاماً.
    هكذا تنبأ مالتوس وهكذا تخيل أنه خلال مدة تبلغ خمسة وسبعين سنة سينمو وسيزيد حجم السكان من سبعة ملايين الي ثمانية وعشرين مليون الي ستة وخمسين مليون نسمة. ولكن على الجانب الثاني، فلا يمكن زيادة ومضاعفة الإنتاج الزراعي مرتين ثم مضاعفته مرة أخرى، وذلك لأنه ينمو بطريقة تدريجية مما يؤدي الي خلق عجز أو نقص في الامدادات الغذائية التي لا تستطيع اطعام أكثر من ثمانية وعشرين مليون نسمة. وإذا لم يتم الاهتمام بكبح جماح زيادة السكان في بريطانيا فمن الممكن أن تتفجر وتنفجر مجاعة على نطاق واسع.
    ويدعى مالتوس أنه لا يوجد قُطر أو شعب في التاريخ الا وحاول تقييد التزايد والنمو السكاني بطريقة من الطرق. اما عن طريق منع الزواج المبكر بين الطبقات الدنيا أو تقييده بين الميسورين خشية الا يستطيعوا الحفاظ على مستواهم المعيشي.
    ويري مالتوس أن الفقر يُولد ويأخذ له حيز في حياة الناس عندما ترتفع وتنمو الأسعار، ويقترن ذلك بانخفاض الأجور. ويحدث نمو الأجور السلبي أو العكسي عندما يكون هناك فائض في العمالة بسبب التضخم السكاني.
    ويفعل ويعمل ملاك الأراضي كل ما في وسعهم من أجل الحفاظ على تدني أجور العمالة، لذلك يحتفظون بالمزيد من الفوائد عندما تعود أيام الرخاء.
    وتتمثل طرق تقييد النمو السكاني أو عوائق نمو السكان الضابطة لعددهم ولحجمهم، بحيث يتناغم وينسجم مع مواردهم الغذائية، فهناك عائق رئيسي وأساسي يتبلور في (الحاجة إلى الغذاء) لكن هذا العنصر أو هذا العامل لا يكون له أثر مباشر إلا في زمان المجاعات، أما العوائق المباشرة فهي متفرعة عنه وقسمها مالتوس إلى نوعين، وهما…
     عوائق مانعة: وهذه تعمل على تقليل نسبة المواليد وتضم كل من الرذيلة والضبط الأخلاقي. ويقصد بالرذيلة هنا كل العلاقات الجنسية غير المشروعة، ولعدم مشروعيتها فإنها تتم دائما بصفة أو بصورة خفية غير واضحة، ودائماً يتم التستر على نتائجها، ويتم إخفاؤها.
    أما الضبط الأخلاقي فإنه في رأي مالتوس هو الامتناع عن الزواج مع الاحتفاظ بسلوك عفيف طوال فترة الامتناع والاجتناب، وبهذا تصبح الرذيلة والضبط الأخلاقي مانعين للنمو السكاني.
     العوائق الإيجابية: فهي البؤس وكل عوامله التي تنقص وتقلل من عدد السكان عن طريق رفع نسبة الوفيات، كالحرف المضرة بالصحة، والأعمال الشاقة، وتشغيل الأطفال، وتربية الأطفال السيئة، واكتظاظ أماكن السكن غير الصحية، والأمراض، والمجاعات.
    وقبل أن ندلف الي أفكار “أمارتيا سن”، نقول بأن معظم أو جل الاقتصاديين يعملون في حقول وفي مجالات تخاطب الحياة البشرية وتؤثر فيها وفي سبل عيشها.
    وقد تضمن أو اشتمل عمل “سن” على اقتصاد الحياة والموت (الجوع والمجاعة وامدادات الطعام)، وذلك كان بسبب تأثره وتأثر نشأته، منذ نعومة أظافره، في دكا عاصمة بنجلاديش، حيث كان أبوه أو والده موظفاً يعمل في الجامعة محاضراً وأستاذاً للكيمياء، وكان “أمارتيا” شاهد عيان على المجاعة البنغالية العظمي في 1943م، وقد نحتت في نفسه أثراً عميقاً لم يُمحى ولن يُمحى مدى حياته.
    وقد اختلف “سن” مع “مالتوس” فيما يتعلق بالسكان وبأسباب المجاعات في العالم. فيقول “سن” في عقد السبعينات وأوائل عقد الثمانينات من القرن الماضي، كان الفضاء وكانت معظم الأفكار مملؤة بالقلق الفتاك بشأن عجز موارد الطعام أمام توسع حجم السكان ونمو أعداد الناس.
    ولكن خاب ظن الجميع ولم يتحقق أو ينعكس القلق واقعاً، ولكن عدم وقوعه وعدم حدوثه لا يعني ولا يفسر انعدام الجوع وغياب العوز، فبالطبع حدثت هناك مجاعات قبيحة وبشعة دون أن يكون هناك انخفاض، ودون أن يكون هناك تدهور في موارد الطعام.
    ويقول “سن” عن قناعة بأن التركيز على معدل الطعام الي حجم أو عدد السكان كان خطأً عظيماً في التفكير طول هذه الأوقات وطوال هذه الأعوام. ويرفد قوله ويدعم رأيه بقول آخر محتواه بأن حجم الطعام الموجود نادراً ما يكون مهماً أو ذات أهمية تذكر من أجل السيطرة على موارد الطعام.
    ويواصل قائلاً بأننا عندما نتحدث عن موارد الطعام فإننا نتكلم عن سلع وعن منتجات، ولكننا عندما نتكلم عن الجوع فيكون الحديث أو الكلام عنما يربط فرد أو مجموعة أفراد بالسلع وبالمنتجات، وتحديداً ملكيتهم للطعام.
    فمفهوم “أمارتيا سن” عن “علاقات الاستحقاق” يعني حقاً مكفولاً للفرد في امتلاك أو في تبادل أو في استعمال بعض الموارد، على ضوء القواعد البيئية الاجتماعية أو القانونية، فقد يكون الطعام موجوداً ومتوفراً بكثرة كثيرة داخل المجتمع، ولكن ثمة أسباب كثيرة تؤدي الي عدم قدرة الفرد على تأمين ذلك الطعام أو حصوله عليه.
    فإذا قل راتبه أو انخفض فجأة أو زادت بشدة أسعار الأطعمة الأساسية وارتفعت عالياً، ففي هذه الحالة قد يتعرض الانسان الي الجوع والي العوز حتى إذا كان السوق فيه تخمة من وفرة الطعام.
    وفي أوقات المحن والمصائب كالجفاف أو كالفيضانات، قد لا يجد العامل الزراعي عملاً متاحاً، بينما الفلاح أو المستأجر (الذي يحتفظ بما يزرع حتى لو لم يكن هو المالك أو هو مالك الأرض) قد لا يتعرض للجوع وقد لا يهدده شبح العوز.
    على عكس ذلك، نجد ذلك الانسان الذي يعمل حلاقاً مثلاً، قد يقاسي وقد يعاني نقصاً حاداً ومخيفاً في الطلب على خدماته، فيقل دخله بحدة وبشدة حتى لو لم يكن هناك نقص أو تناقص في الطعام المتوفر أو المتاح للشراء، ولهذا السبب قد يجوع رغم الوفرة الظاهرة.
    والحرفي ذلك الذي يصنع ويبيع الأحذية قد يكون هو الآخر معرضاً للجوع ومهدداً بالعوز إذا قل أو ضعف الطلب على الأحذية فجأة، أو تراجعت وتقهقرت امدادات الجلد. وعلى ضوء ذلك فان المجاعة نادراً ما تكون بسبب نقص الطعام، ولكنها وعلى رأي أمارتيا سن قد تكون بسبب فشل كارثي ومأساوي في علاقات الاستحقاق.
    المصادر
  11. ميشائيلا فورر ونهلة طاهر. 2013. مخاطر “الثورة الخضراء” في الهند. https://www.dw.com/ar/مخاطر-الثورة-الخضراء-في-الهند/a-16807930 (تاريخ الزيارة: 13-03-2024)
  12. ويكيبيديا. الثورة الخضراء. https://ar.wikipedia.org/wiki/الثورة_الخضراء. (تاريخ الزيارة: 13-03-2024)
  13. Dr. Aninda Mandal, Asst. Prof. of Botany, A. B. N. Seal College, Cooch Behar., 2020. What is Green Revolution? PDF.
  14. Fitzgerald-Moore, P. and Parai, B.J., 1996. The green revolution. University of Calgary, pp.1-17.
  15. Kumar, P., 2007. Green Revolution and its impact on environment. International Journal of Research in Humanities & Soc. Sciences, 5(3), pp.54-57.
  16. Rena, Ravinder., 2004. “Green Revolution: Indian Agricultural Experience – A Paradigm for Eritrea”, New Jersey, USA: Eritrean Studies Review, Vol. 4, No.1, pp.103-130 (A Biannual Journal Published by the Red Sea Press).
  17. The People’s University. Green Revolution: Unit11. Technological Changes in Indian Agriculture. [pdf]. Available at: URL: https://egyankosh.ac.in/bitstream/123456789/18783/3/Unit-11. (Accessed: 20-03-2024)
    bakoor501@yahoo.com

عن د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

شاهد أيضاً

التعليم (18)

المعرفة 2/4د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهديعلم المعرفة“كلما ازدادت جزيرة المعرفة اتساعاً، ازدادت شواطئ التعجب …