الثورة تبدأ من العقل.. قراءة في كتاب “الثورة من منظور علم النفس السياسي”
محاولة جادة لقراءة الثورة من الداخل
عاطف عبد الله
في زمنٍ تتكاثر فيه الكتب التي تؤرخ للثورات أو تحاكم نتائجها السياسية، يأتي كتاب “الثورة من منظور علم النفس السياسي” للدكتور مجدي إسحق ليختار طريقاً مختلفاً، فهو لا ينشغل كثيراً بالسؤال التقليدي: لماذا نجحت الثورة أو فشلت؟، بل يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: كيف يتشكل الوعي الذي يصنع الثورة؟ وكيف يُعاد إنتاج القهر داخل الإنسان حتى بعد سقوط السلطة؟
هذه هي الفكرة المركزية التي يقوم عليها الكتاب، وهي أيضاً أهم ما يميزه. فالكاتب لا يرى أن التغيير يبدأ بإسقاط نظام سياسي، وإنما يبدأ بتحرير الإنسان نفسه من البنية النفسية التي كرست الاستبداد، وهو ما يجعل الكتاب أقرب إلى مشروع فكري منه إلى دراسة سياسية تقليدية.
وقبل الإبحار في تفاصيل الكتاب، لا بد من التوقف عند شخصية مؤلفه الدكتور مجدي إسحق، فالرجل يحمل مشروعاً فكرياً يرفض تقوقع المعرفة في الأبراج العاجية. ولم يكن دافعه كطبيب نفسي تحصيل الشهرة والمجد العلمي أو النجاح المادي، بل توظيف المعرفة النفسية في خدمة التغيير المجتمعي. ويتجلى ذلك في طرحه كافة مؤلفاته مجاناً على شبكة الإنترنت دعماً لطلاب المعرفة، ومد جسور التواصل مع الفاعلين في المشهد السياسي والنقابي لتدريبهم على مفاهيم الوعي، وعلم النفس السياسي، وسيكولوجية الثورة.
وبالعودة إلى موضوع الكتاب، يمتد العمل عبر أحد عشر فصلاً من التأصيل النظري إلى التطبيق على التجربة السودانية، مستعيناً بأدوات علم النفس السياسي والاجتماعي، ومستلهماً ما يسميه المؤلف “علم النفس التحرري”، بوصفه منهجاً يركز على تفكيك القهر لا على مجرد تفسير السلوك. وتوضح المقدمة أن المؤلف لا يقدم وصفة سياسية جاهزة، وإنما إطاراً معرفياً يساعد على فهم الإنسان والمجتمع في علاقتهما بالسلطة والقهر، ويجعل الثورة السودانية نموذجاً تطبيقياً لاختبار هذه الرؤية.
من أبرز نقاط القوة في الكتاب نجاحه في بناء جسر بين علم النفس والعلوم السياسية. فالمؤلف لا يتعامل مع الإنسان باعتباره مجرد ناخب أو ناشط سياسي، وإنما باعتباره كائناً تحكمه احتياجاته ومشاعره وخبراته السابقة. ومن هنا يوظف هرم ماسلو، لا بوصفه نظرية جامدة، وإنما كنقطة انطلاق لتفسير العلاقة بين الفرد والدولة، وكيف تستطيع الأنظمة السلطوية إعادة ترتيب الاحتياجات الإنسانية عبر صناعة الخوف واحتكار الأمان، بحيث يبقى المواطن أسيراً لمطالب البقاء، بعيداً عن تحقيق الذات والحرية.
ويحسب للكاتب أيضاً أنه لا يكتفي باستعراض النظريات الكلاسيكية، بل يحاول تطويرها بما يتناسب مع الواقع السوداني والعربي. فهو يناقش أفكار غوستاف لوبون وفرويد حول سيكولوجية الجماهير، لكنه يرفض اختزال الجماهير في صورة الحشد اللاعقلاني، ويطرح في المقابل مفهوم “القروب” بوصفه جماعة واعية ومنظمة قادرة على تحويل الطاقة العاطفية إلى مشروع تغيير عقلاني. وهذه إضافة فكرية لافتة، حتى وإن احتاجت إلى مزيد من التأصيل المقارن مع الأدبيات الحديثة في علم النفس الاجتماعي.
ومن الأفكار اللافتة كذلك تحليله لمفهوم “الوعي الفعال”، وهو المفهوم الذي يكاد يشكل العمود الفقري للكتاب. فالكاتب يميز بين المعرفة بوصفها تراكماً للمعلومات، وبين الوعي بوصفه قدرة على الفعل التاريخي. ولذلك لا يتوقف عند تشخيص الوعي الزائف، بل يحاول تقديم معايير لقياس فاعلية الوعي والتنظيم، ويقسم مسار التغيير إلى مراحل نفسية ومعرفية مختلفة، تبدأ بالاحتجاجات، ثم التفاوض، ثم المرحلة الانتقالية، ولكل منها أدواتها ومتطلباتها.
كما يتميز الكتاب بجرأة واضحة في نقد بنية القهر. فهو يناقش الدولة العميقة، والكليبتوكراسي، وتطبيع العنف، والاستلاب المعرفي، وتوظيف الدين، وصناعة الكراهية، والعنصرية، ووهم قدسية الدولة، باعتبارها أدوات لإعادة إنتاج الاستبداد داخل المجتمع، وليس فقط داخل مؤسسات الحكم. وهذه الجرأة تجعل الكتاب يتجاوز النقد السياسي المباشر إلى نقد الثقافة السياسية نفسها.
ومن أهم مزايا الكتاب أيضاً أنه لا يبقى أسيراً للتنظير، بل يحاول اختبار فرضياته على التجربة السودانية، محللاً مراحل الثورة والاعتصام والتفاوض والفترة الانتقالية، ومناقشاً أسباب تعثر قوى الثورة، وضعف التنظيم، والانقسامات، والعلاقة المعقدة مع المؤسسة العسكرية. وبذلك يتحول الإطار النظري إلى أداة تفسيرية يمكن للقارئ أن يقيس بها وقائع عاشها بنفسه.
غير أن هذه المزايا لا تمنع وجود بعض الملاحظات التي تستحق النقاش.
أولى هذه الملاحظات تتمثل في الثقل النظري. فالكتاب مكتوب بلغة أكاديمية كثيفة، ويستخدم عدداً كبيراً من المصطلحات النفسية والفلسفية والسياسية، الأمر الذي قد يجعل قراءته مرهقة للقارئ غير المتخصص. وكان من الممكن أن يزداد أثره لو تضمن مزيداً من الأمثلة التطبيقية والجداول والرسوم التوضيحية التي تقرب المفاهيم المجردة.
أما الملاحظة الثانية فتتعلق بما يمكن وصفه بـالانحياز المنهجي. فالكاتب لا يخفي تبنيه لموقف تحرري واضح، وهو أمر مشروع في حد ذاته، لكنه يجعل بعض استنتاجاته أقرب إلى الدفاع عن رؤية فكرية محددة منها إلى المقارنة بين مدارس متعددة في علم النفس السياسي. وكان من الممكن أن يمنح الكتاب قدراً أكبر من التوازن لو ناقش بصورة أوسع الاعتراضات المحتملة على مفهوم “علم النفس التحرري”، أو قارنه بمدارس أخرى في تفسير التغيير السياسي.
وتبرز ملاحظة ثالثة تتعلق بالاعتماد النسبي على التفسير النفسي للفعل السياسي. فالكتاب يمنح الفرد ووعيه مساحة كبيرة في تفسير نجاح الثورات أو تعثرها، بينما قد تبدو العوامل البنيوية – مثل الاقتصاد، وتركيبة الدولة، والتدخلات الإقليمية والدولية، وبنية المؤسسات – أقل حضوراً مقارنة بالتحليل النفسي. صحيح أن المؤلف لا يغفل هذه العوامل، لكنه يجعلها غالباً تدور في فلك الوعي أكثر مما يمنحها استقلالها التفسيري الكامل.
كما أن مفهوم “القروب”، رغم أهميته، يحتاج إلى مزيد من الضبط المفاهيمي، حتى لا يظل أقرب إلى توصيف تنظيمي منه إلى مفهوم علمي مكتمل الأركان يمكن قياسه أو اختباره في بحوث ميدانية.
ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة العلمية للكتاب، بل تؤكد أنه يفتح باباً لحوار فكري جديد في المكتبة العربية حول العلاقة بين علم النفس والسياسة، وهي منطقة ما تزال فقيرة نسبياً في الأدبيات العربية.
في المحصلة، يمثل “الثورة من منظور علم النفس السياسي” إضافة نوعية للمكتبة السودانية والعربية، لأنه يحاول أن يقرأ الثورة من داخل الإنسان قبل أن يقرأها من داخل المؤسسات. وهو كتاب لا يقدم برنامجاً سياسياً بقدر ما يقدم أدوات لفهم كيف تتشكل إرادة التغيير، وكيف يمكن أن تتحول الجماهير من حالة الانفعال إلى حالة الفعل الواعي، وكيف تستطيع المجتمعات أن تتجاوز إعادة إنتاج الاستبداد حتى بعد سقوط الأنظمة.
إنه كتاب يدعو إلى التفكير أكثر مما يقدم أجوبة نهائية، ويثير أسئلة ربما تكون أهم من كثير من الإجابات. ولذلك يمكن اعتباره واحداً من الأعمال الفكرية الجادة التي تستحق القراءة والنقاش، سواء اتفق القارئ مع أطروحاته أم اختلف معها، لأنه يضيف إلى النقاش السوداني والعربي زاوية قلما حظيت بهذا القدر من العمق والاتساع.
لنك الكتاب
noor-book.com/jcvht2g
لينك لبقية مؤلفات الدكتور مجدي اسحق
