الجانب الأخر من القول .. بقلم: هاشم علي حامد

hashimhag@yahoo.com
عندما وصف المفكر الجزائري مالك بن نبي الحضارة بانها مقومات ارض وانسان وزمن –كانت نهضة الغرب دلالة واضحة لاستثمار هذا الثالوث في جلب ما ينفع الانسان ويحقق له الحياة السهلة ضمن ما يحدثه العلماء والمفكرون من افكار وحلول وما تبدعه التكنلوجيا من اكتشافات وتنتجه الارض من خيرات بثها الله فيها لتحقيق خلافة الانسان عليها .. فالحضارة عنصرها الاساسي هو الانسان الذي هو مجموعة مكونات في الاخلاق والعلم والهمة..والتقدم والرفاهة والسيطرة عنصر محايد لمن عمل واجتهد , بعيدا عن عواطف دينية كانت او تاريخية لا تستغل قوانين الكون وعنصر الانسان في تعاملاته مع الطبيعة والحياة وما غرسه الله عز وجل فيها من خصائص..
هناك شعوب استفادت من تنمية خصائصها سواء جاءت هذا الخصائص عبر مؤثرات اديان او عبر موروثات عهود وحكام او عبر اختلاط بحضارات انسانية عابرة ،حافظت على هذه الخصائص ونمتها لتكون منطلقا لها ..اهم عنصر انساني لبدء الطريق في النهضة والتقدم هو الاعتراف بالخطأ واستدراك الاخطاء والاعتراف بحقيقة ما يحيط بالانسان من واقع هو من صنع نفسه ليكون تغيير ذلك الواقع غير المرضي عنه هو البداية في الطريق الجديد نحو اصلاح الحال . 
*****
اوربا بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945م خرجت بقناعات في ضرورة السلام واعتماده شعارا انسانيا انشأت على وصفه منظمة الامم المتحدة في سان فرنسسكو لتجعل منها سقيفة تداول وشورى للكبار في امر العالم لتحقيق السلام ودرء الحروب مستقبلا ، وبغض النظر عن حيادية المنظمة وهي بالطبع اداة للكبار فهي دلالة انسانية لتحكيم العقل واللجؤ اليه وقد ذاقت جميع الدول منتصرة ومهزومة مرارات الحروب  فيما حصدته من ارواح لا تحصى، وخلفته من دمار لا يتصوره العقل، وتسببت فيه من تشريد لمئات الالاف من الاسر تاركة وراءها الملايين من المعوقين والمشوهين.
*****
نحن في السودان مغرمون بتمجيد الذات وبذل الوعود نرى في مرآتنا ما لايراه الاخرون من مرآتنا,  نتشاغل بالضحك عندما يبكي علينا المشفقون، ونبكي على ماض يضيع من بين ايدين بفعل غرورنا..   السياسيون فينا يبذلون جهدا مضاعفا في نمق الحديث يرقصون على انغام وعود كاذبة محلاة بأغنية حماسية تزيد من تضليل الواقع بدلا من التبصير به.. ليس هناك من يقلل من شأن نفسه كما لايحتاج الانسان فردا كان او امة في مجمل الاحيان لتضخيم الذات- ما يتعلق بالانجاز تدللة الافعال وسيذكره الاخرون عندما يبرز كحقيقة وواقعا ملموسا ، لكن ان  تكذب الافعال الاقوال فهنا مكمن الخطر.
الواقع السياسي للسودان يمر الأن بمنعطف خطير يجعل البلاد عند مفترق طرق يدرك ذلك المراقبون للواقع المحيط والمعاش، دعنا من شعارات السياسة بكافة الوانها  ليكون منطلق التقييم هو قراءة المستقبل من حيثيات الحاضر, فالحرب التي تشهدها ذرات التراب السوداني في الغرب والنيل الازرق ووجود فصائل سودانية غير راضية بالواقع السياسي في كينونة السلطة وقسمة الثروة وتفسيرات الهوية هذه اشارات حقيقية لها ما بعدها طال الزمان او قصر وتدفع فاتورتها الاجيال القادمة غالية الثمن في التراب والثروة والاستقرار..    احدى الاسباب الرئيسة في انفصال جنوب السودان هو تعامل السياسيين ونظرتهم الخاطئة لقضية لم تسكنها الة الحرب وما بذل الى جانبها من دماء لنصف قرن من الزمان ،ولم تزيدها حزلقات السياسة الا غورا في جراحها، فكانت تبعات ذلك والتي اودت اخيرا بضياع جزء عزيز من الوطن ضيعته الى جانب شمال  تسوقه الان لمتاهات حاضر ومستقبل.
*****
بالامس كان طلب اخواننا الجنوبيين وحدة وطن ضمن فيدرالية تعطي لكل طرف جغرافي حقوقه، لكن القرار  السياسي وقتها كان ابعد في ان يستجيب لمثل هذه الأماني وفق رؤية سياسية تغيب عنها ابسط الحقائق في استعلاء لا تفسير له سواء انه خلل في الذات وما يحيطها من صفات يقرؤها الاخرون بوعي ويستغلها الاعداء عن دراية..في حوار اجريته سابقا مع الزعيم الجنوبي الاستاذ بونا ملوال ايام نيفاشا قال لي وقتها انهم ظلو كجنوبيين يطالبون الحكومات المتعاقبة في الخرطوم بنظام فيدرالي تحفظ بموجبه الحقوق السياسية والثقافية والدينية لاهل الجنوب ليس اكثر!  
السودان لا يحتاج الى تكريس تراب واعمال الة حرب بقدر ما يحتاج الى نظرة موضوعية الى من هو هذا البلد وماذا يريد به اهله ،عندها يمكن ان تبدأ قراءة موضوعية له في كل مكوناته العرقية تاريخا وثقافة وارثا  ومستقبلا يبشر بطينة تراب سوداني جديد..يتسأل الكثير من المشفقين متى يحين طيء ملفات الحروب والتوجه الحقيقي لبناء الدولة السودانية والبلاد احتفلت بالامس بالذكرى ال59 لاستقلالها- وذكرى الاستقلال عندنا مناسبة مضللة للاجيال التي نمنً عليها بهذا الاستقلال وبلادنا  لم تحسم بعد بنيتها القومية وقد سبقتنا الكثير من الشعوب التي كنا في يوم من ايام ذلك الماضي اوصياء على مستقبلها بدوافع الجوار الاقليمي وبدوافع الهوية والدين في كثير من الاحيان، سبقتنا هذه الدول في طيء ملفات حروبها لتشرع احكاما في بناء صرح عدالتها تجاه شعوبها وقومياتها ثم انطلاقة في تكوين بناء حضاري لانسانها الذي هو ثروتها والذي تعتبر روحه هي روح للوطن في اي شبر من ترابه.   
*****      
السودان الان عند مفترق طرق في ظل واقع لا يعطي قيمة لانسانه، والشعوب تكتسب احترامها من احترام الغير لحكوماتها مما حدا بالكثير من ابناءه لهجرة اجبارية تبحث لها عن ذات تحت سقوف دول وجنسيات حكومات اخرى، واقع  اودى بهجرة غالبية اكاديمية وعلمية وفكرية ضاقت بها الحال التي تبدلت فيها الاشياء فلم تجد مكانة لها فرحلت مجبرة ضيقا من حياة لا تشبه حياة الاخرين  وأملا في تصحيحها ولو من على البعد حينما استعصى القرب. هذا الواقع الذي  شرد الكثيرين جعل من السياسة اداة لتحقيق مكاسب ذاتية وحزبية لا ترقى الى الوعي بحقيقة ما يحيطها .. ماتبع هذا العام في ذكرى استقلال السودان يلاحظ المرء مدى التغافل عن حقيقة الواقع وايهام المواطن السوداني انه على ما يرام وقد حقق اجداده الاستقلال لبلادنا، لكن لايتبع الحديث تقييما للواقع الذي انحرف عن مسار ذلك الاستقلال فيما تبع من أخطاء سياسية اودت بانفصال جنوب السودان يتحمل عهد الانقاذ الحالي كبر وزرها – ولا اشارة في جانب اخر من القول على الفساد المتفاقم والتلاعب في اصول الدولة والمعاناة التي يعيشها المواطن العادي نتيجة ذلك، ولا دمعة مترعة لواقع الحال المتردي في ضياع الانتماء لوطن تبعثر اهله لآجئين في دول الجوار ليكون معسكرا لقوى دولية واقليمية طامعة وشامته .. ولا تزال الاخطاء تتوالى منذرة بالمزيد من تقطيع أواصر الوطن ..
حكومة  الانقاذ الان  تعد العدة لانتخابات جديدة يترشح فيها الرئيس عمر البشير لولاية  رئاسية خامسة تجعل من مدة اعتلاءه للسلطة نحوا من ثلاثين عاما اذا سارت الاقدار على ما تشتهيه الاهواء، والمعارضة المؤثرة في الخرطوم تقف بين أمل وحيرة  بعد ان فشل حوارها مع الحكومة في ظل مصالح ومكاسب وطموحات الاقطاب الوطنيين، حيث لا ينفصل لغز الولاية الجديدة من واقع الحال السياسي الطامع من زعامات المؤتمر الوطني في ورثة السلطة والخلافة والمحتار لدى لمعارضة مما وصلت الية الحال بعد فشل حوارها – هذا الواقع السياسي المرتبك عند أهل الخلافة انفسهم  من نظام عالمي لا يقبل بانصاف الحلول.. 
*****         
بالامس كان النشيد الذي يتغنى به الشباب في احراش الجنوب وسهول السودان (امريكا قد دنى عذابها) ليس خطأ اذا كان النشيد بالامس دنو عذاب امريكا في حيثيات مناخ افرز ذلك النشيد ولاعتب على اولئك الشباب الذين ادوا دورهم واغنيتهم في زمانهم ..واليوم ليس عيبا في ان يتجه الراي السياسي الى الاستعانة بالغرب وامريكا لحل قضايا السودان والاعتراف بضرورة الاستعانة بالاخرين في التوسط، لاتكفي مظلة الايقاد ولا مظلة الدوحة لتحقيق السلام في بور الصراع ، وبدلا من توجه الدبلوماسية السودانية للتوغل مع اطراف ودول هي الاخرى معزولة ومغضوب عليها في دلالات منتدى التعاون العربي الروسي الذي عقد في الخرطوم  في ديسمبر العام الماضي، ينبغي على هذه الدبلوماسية التحرر من خيالات الرفاهية والتنعم والتوجه الى اصقاع دارفور وكردفان واطراف السودان في الجنوب والنيل الازرق للالمام بالواقع الذي يعيشه اهل السودان في تلك الأماكن، ومن ثم  ادراك ضرورات السلام من ملاكه الحقيقيين، ذات الوقت الذي ينبغي فيه التوجه الى سلام وطني قومي جامع تصدق فيه الحكومة العزم والتنازل كتمهيد لاي انتخابات قادمة .  
ايران وقد اصبحت الان قطبا دوليا له وزنه في السياسة الدولية وفي حسابات العالم ادركت ضرورة التفاوض مع الغرب والولايات المتحدة الامريكية في قضية طموحاتها النووية ورغم الجولات الفاشلة في تفاوضها النووي مع الدول العظمى بقيادة امريكا مجموعة (5+1)  فهي لم تقطع شعرة معاوية لادراكها المعادلة الدولية في وزن الدول والاستجابة لها كضرورة محلية واقليمية لمستقبلها، ورغم ان شعارها في زمان الثورة الاسلامية بقيادة اية الله الخميني (امريكا هي الشيطان الاكبر) فلا ترى خطأ في شعار الامس ضمن حيثيات مناخ افرز ذلك الشعار ولاعتب على  زمانه، كما لا خيبة في تفاوض اليوم..
المعادلة الدولية التي تجعل دول العالم الثالث او حتى الثاني تلجا الى حلول الغرب ليست بدعا من تنازل  تنتصب الى جانبه عرضة عكاز سوداني باغنية الدم النقع.. بل هذه المعادلة هي حقيقة واضحة فيما تمثله هذه الدول الكبرى وفي مقدمتها امريكا من خلاصة تجربة خاضتها وارست بموجبها معالم نظام دولي لايمكن التخلي عنه او الافلات منه- قبل ايران كانت كوريا الشمالية رغم ترسانتها النووية التي تلوح بها الحين والاخر والدعم الاقليمي الذي تحظى به من دول كالصين وروسيا، بل الى جانب كوريا الشمالية وايران تدخل الآن روسيا نفسها في منظومة الدول المستجيبة للنظام الدولي عبر مفاوضاتها السرية مع الغرب بشأن المشكلة الاوكرونية. هذه الدول ادركت وتدرك ان وقوفها ضد ارادة دولية نافذه تدفع في المقابل لها ثمنا باهظا ربما يؤثر على مستقبلها السياسي القومي اذا لم تدفعه الاجيال اللاحقة مصيرا مجهولا.
الرئيس الاثيوبي الراحل ملس زيناوي عند حرب بلاده مع اريتريا -مايو 1998 إلى يونيو 2000 كانت قواته على مشارف اسمرا بعد هزيمة الجيش الاريتري لكنه امر قواته بالانسحاب الى الحدود بعد تلقيه اتصالا هاتفيا من الرئيس الامريكي وقتها، وعندما استنكر البعض ذلك كان قوله انه لا يمكن ان يخالف ارادة دولية لا يدري عواقب هذه المخالفة على بلاده وشعبه مستقبلا، وقد كان صادقا فيما بين عواطفه ومخاوفه على شعبه..! والآن تنطلق بلاده متخطية العالم الثالث الى مصاف الدول المتوسطة سلاما واستقرارا وتنمية ونماء.   

*****
العالم محكوم الى جانب ارادة الله الغلابة كذلك بارادة الانسان (خليفة الله في الارض) المتصلة بعطاءه وقوانين الكون و من هنا تتولد الصراعات، وصراع الانسان الذي يتخطى فيه الحكام شعوبهم صراع خاسر مهما تبعه من سلاح وتقتيل، ومهما تدثر به من شعارات وطنية اودينية. يتطلب في البدء اصلاح الحال الداخلي مصالحة حقيقية مع الذات والوطن بمختلف فئاته تخلص فيه النوايا لله بعيدا عن اي تأثير نافذين او منتفعين او اصحاب اغراض يخرجون على مواصفاتها القرار السياسي، ومن ثم فان الحاكم الذي يسطر نجاحا ويخلف سيرة حسنة على مر التاريخ هو الحاكم المتجرد  تضيء صفحته بما قدمه لشعبه سواء كان سلاما يحقن به الدماء او امانة وعدلا يحفظ بموجبهما حقوق الضعفاء، او حتى تنازلا عن السلطة اذا استعصت الامور وفق ترتيب يجتهد فيه لاجل المصلحة المقدمة للاجيال.. وقد كان للسودان مثالا مشرفا على مستوى العالم تركة المشير عبد الرحمن محمد سوار الذهب ابان زعامته للبلاد عام 1985-1986  عندما فوض امر السلطة للشعب وزعامات الاحزاب، لم تقل له نفسه ان البلاد في خطر يتطلب وجوده على رئاسة السلطة، ولم تضلله فئة البطانة الفاسدة فيمن يكون البديل والى اين المصير وهي حيلة رئاسية لاتزال تعاني تبعاتها الشعوب.. الرئيس السوداني عبد الرحمن محمد سوار الذهب تذكره الشعوب العربية وشعوب العالم اجمع رغم قصر مدته في رئاسه السودان بما اسهم من سيرة حاكم متجرد من الهوى متحرر مما يحيط به الا من ذاته التي ترقب الله.
*****
السودان عند مفترق طرقه يحتاج اضافة الى تجرد الحكام نافذين او معارضين ان يشرك علماؤه بمختلف تخصصاتهم في قراءة الواقع السياسي المحلي  والدولي قراءة مستقبلية، ويعمل عقلاؤه ضمن ذلك من اجل مصالحة وطنية  تحقن الدماء وترسم صيغة وطن جامع لاهله في مختلف بقاعه في دارفور وكردفان والنيل الازرق والابيض والشرق والشمال والوسط والجنوب تنسى فيه الاحقاد وتضمد فيه الجراج وترد فيه الحقوق وفق سودان جديد يختلف عن سودان الامس!
الواقع السياسي المعاش يحتاج  ان يتحدث اليه الى جانب السياسيين علماء الاجتماع والحضارة واساتذة الجامعات والمهتمين بالشأن الدولي لتقييم واقع وتحليل احداث داخل ذلك الواقع ووضع آفاق وروئ، قراءة وحوارا قوميا شاملا يستعان فيه بزعماء القبائل وشيوخ العشائر في اطراف السودان المترامة من اجل الحفاظ على ما تبقى من حدود في ظل ما تعانيه البلاد من أخطاء ومخاطر اطماع دوليه واقليميه اوصلتها اليها الحال.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً