لكل دولة طريقتها في مواجهة الأزمات. هناك من يزيد الإنتاج حين يشتد التضخم، وهناك من يصلح اقتصاده حين تضعف عملته. أما نحن، فكلما فقد الجنيه قيمته، كان أول من يُعاقَب هو الجنيه نفسه.
بهذه الروح، أعلن بنك السودان المركزي سحب ست فئات نقدية دفعة واحدة: الجنيه، والجنيهان، والخمسة، والعشرة، والعشرون، والخمسون جنيهاً، محدداً نهاية يوليو 2026 موعداً أخيراً لاستبدالها. بيان مقتضب، لكنه يحمل بين سطوره اعترافاً لم يقله صراحة: التضخم لم يعد يلتهم القوة الشرائية فقط، بل بدأ يلتهم النقود نفسها.
لكن ما يدعو إلى السخرية أن هذه النهاية لم تكن بدافع الكرم أو التقشف، بل بدافع الحسابات الاقتصادية نفسها. فهذه الأوراق لم تعد عبئاً على جيوب المواطنين فحسب، بل أصبحت عبئاً على خزينة الدولة أيضاً.
ولعل أكثر المفارقات إيلاماً أن تكلفة إنتاج هذه الأوراق النقدية ربما أصبحت أعلى من جدواها الاقتصادية. فالدولة تستورد الورق المؤمن، والأحبار الخاصة، وعناصر الحماية، ثم تطبع رقماً لم يعد يجد ما يشتريه. إنها لحظة يكتشف فيها الاقتصاد أن الحبر أصبح أغلى من الرقم.
وعندما تصل الأمور إلى هذه المرحلة، يصبح الحل الأسهل هو حذف الرقم… لا معالجة السبب الذي أفقده قيمته.
لذلك، لا بأس… فلدينا دائماً الحلول السهلة.
بدلاً من إيقاف التضخم، نوقف الفئات النقدية.
وبدلاً من مطاردة أسباب الأزمة، نطارد ضحاياها.
وبدلاً من إصلاح الاقتصاد، نعيد ترتيب محفظة النقود.
إنها أحدث نظريات السياسة النقدية: إذا عجزت عن إنقاذ الجنيه، فامسح الجنيه.
والمفارقة أن السوق الموازي لم يتأثر كثيراً؛ فهو، منذ سنوات، يؤدي دور البنك المركزي الفعلي، بينما يكتفي البنك المركزي بمراقبة المشهد.
أما المواطن، فقد طُلب منه استبدال أوراقه قبل نهاية المهلة. لكن البيان لم يخبره كيف يفعل ذلك إذا كان يعيش في منطقة غير آمنة، أو لا بنك فيها ولا طريق إليها.
إن حذف الفئات الصغيرة لن يعيد القوة الشرائية، فالمشكلة لم تكن يوماً في الورقة النقدية، بل في السياسات التي أفقدتها قيمتها.
وإذا استمرت الأمور بهذا الإيقاع، فلن يكون مستغرباً أن يأتي الدور غداً على فئات أكبر، حتى يصبح الاحتفاظ بالنقود نفسها مغامرة قصيرة الأجل. وعندها قد يصدر البنك المركزي بياناً جديداً يزف فيه بشرى التخلص من فئة جديدة، بينما يواصل التضخم توسيع قائمة ضحاياه.
وربما لا يكون مستغرباً أيضاً أن يستعيد الناس أقدم نظام عرفته البشرية: المقايضة. فعلى الأقل، كيس السكر لا يحتاج إلى منشور من البنك المركزي ليحتفظ بقيمته، ولا إلى مهلة للاستبدال، وصفيحة الزيت لا تستيقظ ذات صباح لتكتشف أنها أصبحت خارج التداول.
في النهاية، لا يخسر الجنيه معركته أمام التضخم وحده، بل أمام سوقٍ موازٍ أصبح أكثر تأثيراً من السوق الرسمي. فحين ينشغل البنك المركزي بسحب الفئات النقدية، بينما ينشغل السوق الاسود بتحديد قيمتها، يبقى السؤال الذي ينتظر السودانيون إجابته:
طالما بقي السوق الأسود يكتب السعر كل صباح، فمن يحكم الجنيه حقاً… البنك المركزي أم السوق الاسود؟
rw3ams@gmail.com
محمد سليمان علي
