الجيش السوداني مؤسسة وطنية مستقلة عن الكيزان

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي

الجيش السوداني، منذ تأسيسه، كان حجر الزاوية في حماية الدولة والحفاظ على أمنها واستقرارها، حتى في أصعب فترات الأزمات السياسية والحروب الأهلية. لطالما كانت المؤسسة العسكرية السودانية أحد أبرز الأعمدة التي حافظت على استقرار الدولة خلال العقود الماضية، على الرغم من الأزمات السياسية والحروب الأهلية والصراعات الداخلية. ومع مرور الوقت، عملت بعض القوى السياسية، لا سيما جماعة الكيزان المنضوية تحت رايات الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني، على التغلغل داخل الجيش السوداني لتعزيز نفوذها السياسي والأيديولوجي. إلا أن الواقع يؤكد أن الجيش السوداني ليس جيش الكيزان، وأن الولاء للمؤسسة العسكرية يفوق أي ولاء حزبي أو أيديولوجي بين منسوبي الجيش.

نفوذ الكيزان داخل الجيش السوداني

بالرغم من أن الكيزان لهم نفوذ ملموس داخل الجيش السوداني، إلا أن السيطرة الكاملة لهم على المؤسسة غير قائمة. تشير البيانات والتحليلات العسكرية إلى أن نسبة الضباط الكيزان في الجيش تتفاوت بين الرتب، حيث يشكلون غالبًا حوالي 30٪ من الضباط الكبار، و15٪ من الضباط في الرتب المتوسطة، و10٪ من الضباط الصغار وضباط الصف والجنود. هذه الأرقام تعكس وجود تأثير، لكنه ليس تحكمًا كاملًا أو سيطرة على مسار الجيش.

الجيش السوداني كمؤسسة تاريخية له قواعد وقيم مستقرة تربط منسوبيه بالوطن والدولة أكثر من ارتباطهم بأي حزب سياسي. ولقد أثبتت التجارب أن الضباط والجنود، بما في ذلك الذين لهم خلفية سياسية أو انتماء حزبي، يضعون أولاً ولاءهم للمؤسسة العسكرية وللوطن قبل أي ولاء حزبي. هذا الولاء للمؤسسة هو الذي حافظ على تماسك الجيش خلال الأزمات السياسية والحروب الأهلية.

ضرورة إزالة الكيزان من الجيش السوداني

إزالة نفوذ الكيزان من الجيش السوداني بصورة جذرية ليست مجرد مطلب سياسي، بل ضرورة حيوية للحفاظ على الأمن الوطني واستدامة السلام بعد أي وقف للحرب الأهلية. فالتمكين الحزبي داخل الجيش يمكن أن يؤدي إلى تجزئة المؤسسة العسكرية واستخدامها كأداة لصراعات داخلية أو نفوذ أجنبي، مما يعرض السودان لمخاطر الانقلابات أو الصراعات المسلحة. القضاء على التمكين الحزبي يساهم في تعزيز استقلال الجيش، وحماية الدولة من أي تأثيرات خارجية، وضمان ولاء الجيش للشعب والدستور.

آليات عملية لإزالة تمكين الكيزان

  1. تقييم شامل للانتماءات الحزبية: وضع آلية دقيقة لتقييم كل ضابط وجندي للتعرف على خلفياتهم الحزبية والسياسية، مع ضمان الشفافية والموضوعية وعدم الانتقام السياسي. يمكن الاستعانة بفرق داخلية متخصصة بالتعاون مع جهات مستقلة للتحقق من المعلومات.
  2. فصل الضباط المتورطين في أنشطة حزبية: يتم تصنيف الضباط والجنود وفقًا لمستوى التورط في أنشطة الكيزان، ويتم اتخاذ قرارات فصل أو إعادة توزيع وفقًا لذلك، مع الحفاظ على حقوقهم القانونية والتقاعدية لتجنب إشعال الأزمات.
  3. تعزيز التدريب المهني والوطني: اعتماد برامج تدريبية مركزة على القيم المهنية والولاء الوطني، لتقوية روح المؤسسة العسكرية وتعزيز الانتماء الوطني فوق الانتماء الحزبي.
  4. تطوير آليات المراقبة والرقابة الداخلية: إنشاء إدارة مستقلة لمراقبة أي نشاط حزبي داخل الجيش، مع فرض عقوبات صارمة على الانتهاكات، بما يضمن عدم تكرار التمكين الحزبي.
  5. إعادة هيكلة القيادة العليا: مراجعة توليات المناصب العليا في الجيش لضمان أن يشغل المناصب القيادية ضباط مستقلون سياسيًا ووطنياً، مع مزيج من الخبرة العسكرية والكفاءة المهنية.

خارطة طريق لإزالة تمكين الكيزان

المرحلة الأولى: التشخيص والتقييم (3–6 أشهر)

إنشاء لجنة وطنية مستقلة لتقييم الانتماءات الحزبية للضباط والجنود.

جمع البيانات عن الضباط الكبار والمتوسطين والصغار لضمان فهم كامل للتمكين الحزبي.

وضع تصنيف واضح للتمكين: عالي، متوسط، منخفض.

المرحلة الثانية: الفصل وإعادة التوزيع (6–12 شهرًا)

فصل أو إعادة توزيع الضباط ذوي التمكين العالي بعيدًا عن المناصب الحساسة، مع ضمان حقوقهم القانونية.

إعادة تقييم الضباط ذوي التمكين المتوسط ووضعهم تحت رقابة مشددة وبرامج تأهيل وطنية.

مراقبة ومراجعة النشاطات السياسية للضباط الصغار لضمان خلو الجيش من أي تأثير حزبي مستقبلي.

المرحلة الثالثة: التدريب والتمكين المؤسسي (12–24 شهرًا)

اعتماد برامج وطنية لتعزيز الولاء للمؤسسة العسكرية والقيم المهنية.

تنظيم ورش عمل تدريبية للضباط الجدد تركز على الولاء الوطني والاستقلالية عن الأحزاب السياسية.

تعزيز ثقافة الشفافية والمساءلة داخل القيادة العليا لضمان نزاهة القرارات المستقبلية.

المرحلة الرابعة: الرقابة المستمرة والاستدامة (بعد 24 شهرًا)

إنشاء إدارة مستقلة لمراقبة أي نشاط حزبي داخل الجيش بشكل دائم.

مراجعة دورية للقيادات للتأكد من التزامها بالقيم الوطنية والمهنية.

تطوير نظام تقارير داخلي دوري يعزز الشفافية ويكشف أي محاولات للتمكين الحزبي قبل أن تصبح تهديدًا.

دور المجتمع المدني والدولة

تعتبر مشاركة الدولة والمجتمع المدني في هذه العملية حيوية لضمان نجاحها. يجب أن يكون هناك دعم قانوني وسياسي لعمليات الفصل وإعادة التوزيع، مع نشر الوعي حول أهمية استقلال الجيش للحفاظ على السلام والأمن. كما يمكن للمنظمات الحقوقية والرقابية أن تساهم في مراقبة العملية لضمان الشفافية والعدالة.

الخلاصة

الجيش السوداني ليس جيش الكيزان، ورغم نفوذهم، فإن السيطرة الحقيقية لهم محدودة. الحفاظ على استقلالية الجيش يتطلب إزالة التمكين الحزبي بصورة منهجية وعملية وجذرية، من خلال تقييم شامل، فصل أو إعادة توزيع الضباط، برامج تدريب وطنية، ورقابة مستمرة. تنفيذ هذه الخطة يضمن ولاء الجيش للمؤسسة والوطن، ويعزز الأمن واستدامة السلام بعد أي صراع. إن إزالة نفوذ الكيزان من الجيش ليست مجرد إجراء تنظيمي، بل استثمار استراتيجي في استقرار السودان ومستقبله الديمقراطي والأمني.

الولاء للمؤسسة العسكرية هو الضمان الحقيقي لاستمرار السودان كدولة قوية، مستقرة، ووطنية، بعيدًا عن أي تأثير حزبي أو أيديولوجي. إن استقلال الجيش وحمايته من النفوذ الحزبي يمثل استثمارًا استراتيجيًا في أمن واستقرار السودان، ويؤكد أن الجيش ليس أداة حزبية، بل مؤسسة وطنية ترتكز على الولاء للوطن والدستور.

moniem.mukhtar@proton.me

عن عبد المنعم مختار

عبد المنعم مختار

شاهد أيضاً

اليسار الإسلامي والاشتراكية في الإسلام

اليسار الإسلامي والاشتراكية في الإسلام: تحليل إبستمولوجي وتاريخي واقتصادي وسياسي نقدي شامل (الجزء الأول) د. …