الجيش السوداني والبحث عن “الستار المدني”

بقلم: زهير عثمان

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، يعيش السودان واحدة من أعنف الأزمات في تاريخه الحديث
وفي خضم هذا الخراب يعود إلى الساحة سؤال سياسي قديم بصيغة جديدة هل يسعى الجيش إلى البحث عن حليف مدني جديد لمرحلة ما بعد الحرب؟

هذا السؤال يتردد في نقاشات سياسية وأكاديمية داخل السودان وخارجه , وتفترض بعض هذه النقاشات أن المؤسسة العسكرية قد تكون بصدد إعادة ترتيب تحالفاتها السياسية بعد عقود من العلاقة المعقدة مع التيار الإسلامي، وأنها قد تبحث عن قوى مدنية جديدة تمنحها غطاءً سياسياً أكثر قبولاً داخلياً وخارجياً
غير أن قراءة تاريخ العلاقة بين الجيش والقوى المدنية في السودان تقود إلى استنتاج مختلف , هو المشكلة لم تكن يوماً في طبيعة الحلفاء بقدر ما كانت في بنية العلاقة نفسها
فالمؤسسة العسكرية لم تتعامل مع القوى المدنية كشركاء متساوين، بل بوصفهم أدوات سياسية تمنح السلطة العسكرية شرعية مؤقتة في لحظات الأزمات
هذا النمط تكرر في محطات عديدة من تاريخ السودان الحديث. فمنذ انقلاب 1958 دخل الجيش في علاقات متغيرة مع الأحزاب السياسية، لكنه ظل يحتفظ دائماً بموقع الهيمنة
وفي عهد جعفر نميري بدأ النظام بتحالف مع اليسار والقوميين العرب، قبل أن ينقلب عليهم ويتجه لاحقاً إلى التحالف مع الإسلاميين
أما في عهد الإنقاذ بعد انقلاب 1989 فقد بلغ هذا النمط ذروته، حيث اندمجت السلطة العسكرية مع المشروع السياسي للحركة الإسلامية لثلاثة عقود كاملة
حتى بعد ثورة ديسمبر 2019 التي أطاحت بنظام عمر البشير، لم يخرج هذا النمط من المعادلة. فقد دخل الجيش في شراكة مع قوى إعلان الحرية والتغيير تحت ضغط الشارع، لكنه سرعان ما أنهى هذه الشراكة في أكتوبر 2021، مؤكداً مرة أخرى أن العلاقة مع القوى المدنية تظل محكومة بمنطق التوظيف السياسي أكثر من الشراكة الحقيقية
في الأشهر الأخيرة ظهرت دعوات في بعض الأوساط الأكاديمية والسياسية للبحث عن “حليف مدني جديد” يمكن أن يشكل شريكاً للجيش في مرحلة ما بعد الحرب
و بعض هذه النقاشات جرى في لقاءات عقدت في دول خليجية، حيث طُرحت فكرة تشكيل كتلة مدنية جديدة قادرة على العمل مع المؤسسة العسكرية لإدارة مرحلة انتقالية
غير أن هذه الطروحات واجهت تحفظات قوية من قوى مدنية حزبية شاركت في تلك النقاشات
وأحد أسباب هذا الرفض كان طبيعة الحضور نفسه في بعض تلك اللقاءات، حيث أشار مشاركون إلى أن ما يزيد على أربعين في المائة من الحاضرين كانوا من شخصيات محسوبة على التيار الإسلامي أو قريبة منه
و هذا الواقع أثار تساؤلات حول ما إذا كانت الدعوة إلى قوى مدنية جديدة تمثل بالفعل قطيعة مع التحالفات القديمة، أم أنها مجرد محاولة لإعادة تدويرها بواجهات مختلفة
المفارقة هنا أن الحديث عن حليف مدني جديد يأتي في لحظة تعاني فيها القوى المدنية نفسها من حالة غير مسبوقة من الضعف والانقسام فالأحزاب التقليدية تواجه أزمات تنظيمية عميقة، وقوى الثورة التي قادت احتجاجات 2019 أصبحت أكثر تشتتاً بعد الحرب، بينما تعرضت لجان المقاومة والمجتمع المدني لضربات قاسية نتيجة النزوح والدمار الذي أصاب المدن السودانية
في ظل هذا الفراغ يصبح من السهل الترويج لفكرة قوى مدنية جديدة يمكن أن تظهر بسرعة على الساحة السياسية، لكنها غالباً ما تفتقر إلى قاعدة اجتماعية حقيقية
وهنا تبرز المفارقة الأساسية في المشهد السوداني الراهن المؤسسة العسكرية التي ساهمت في إضعاف المجال السياسي المدني، تجد نفسها اليوم تبحث عن شريك مدني يمنحها شرعية سياسية
لهذا فإن السؤال الحقيقي ربما لا يكون ما إذا كان الجيش يبحث عن حليف مدني جديد، بل ما إذا كانت الساحة السياسية السودانية قادرة على إنتاج قوى مدنية تمتلك الشرعية والقدرة على فرض شراكة سياسية متوازنة

فالتجربة السودانية تشير إلى أن التحالفات التي تُبنى على ضعف أحد الأطراف لا تنتج انتقالاً ديمقراطياً مستقراً، بل تعيد إنتاج الأزمات نفسها في أشكال مختلفة
وفي ظل الحرب الحالية وما خلفته من دمار سياسي واجتماعي، تبدو مهمة إعادة بناء المجال المدني في السودان شرطاً أساسياً لأي حديث جدي عن مستقبل الحكم
السؤال إذن لم يعد فقط: من سيكون الحليف المدني القادم؟
بل هل تستطيع القوى المدنية السودانية أن تعيد بناء نفسها بحيث تصبح شريكاً حقيقياً في صياغة مستقبل الدولة؟

zuhair.osman@aol.com

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

التعليم بين التمكين والهيمنة نحو نموذج تربوي تحرري

بقلم: زهير عثمانليس التعليم مجرد عملية نقل للمعرفة من جيل إلى جيل، بل هو في …