كتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
لفهم أي دولة بشكل جوهري، لا يكفي النظر فقط إلى حدودها الجغرافية، بل يجب التعمق في مفهوم الدولانية (Statehood)، أي الحالة الوجودية التي تمكّن الدولة من إدارة المجتمع، حماية الأرض، ضمان القانون والنظام، وتوليد (القدرة على القدرة).
فالدولانية ليست مجرد نظرية قانونية، بل إطار تحليلي يسهل فهم وظائف الركيزتين الرئيسيتين للدولة: الجهاز البيروقراطي الذي يسيّر دولاب الدولة يومياً ويضمن استمرار الإدارة ومؤسساتها، والجيش الذي يحتكر أدوات العنف ويضمن حماية الدولة وحدودها، وكيفية تفاعل كل منهما للحفاظ على قوام الدولة ومؤسساتها.
ففي الوقت الذي يشكل الجيش القوة الصلبة التي تحمي الدولة وحدودها، يمثل الجهاز البيروقراطي القوة الناعمة التي تحافظ على استمرارية الإدارة وتسيير الشؤون اليومية. ويضمن تكامل هاتين الركيزتين استمرار الدولة وصمودها أمام التحديات الداخلية والخارجية، وأي تهميش لأحدهما أو اختزاله يعرض الدولة للاختراق أو التدهور، خصوصاً في الدول الناشئة أو ذات التركيب الاجتماعي المعقد.
منذ لحظة الاستقلال، ظل الجيش السوداني فاعلاً رئيسياً في الدولانية، متحركاً غالباً ضمن إرادة القوى المدنية، وليس بوصفه وصياً على الدولة. والدليل الأبرز على ذلك انحياز الفريق عبد الرحمن سوار الذهب للخيار الشعبي وتسليم السلطة للشعب في أعقاب ثورة أبريل 1985، وهو ما يمثل أكبر دليل على التزام الجيش بالدولانية، ويثبت أنه لم يكن تابعاً لأي كيان سياسي بقدر ما حافظ على استمرارية الدولة ومؤسساتها.
ويظهر هذا الالتزام المؤسسي بجلاء في مذكرة الفريق فتحي أحمد علي في فبراير 1989، التي جاءت بمثابة رسالة دولانية عميقة الدلالة. فقد نص البند (١٧) في جزء منه على : “إننا مع خيار الشعب السوداني الأصيل في الحفاظ على الديمقراطية، كما أكدنا ذلك في السادس من أبريل، وأننا نرفض كل أنواع الديكتاتورية…إلخ”. هذه العبارات تكشف أن الجيش – في تلك اللحظة الحرجة من عمر الديمقراطية الثالثة – كان ينظر إلى نفسه باعتباره حامياً لإرادة الشعب لا خصماً لها ولا وصياً عليها.
غير أن هذه الروح الدولانية سرعان ما تعرّضت للانكسار مع انقلاب الثلاثين من يونيو 1989، الذي نفذه الإسلاميون باسم الجيش لا بإرادته، فكان ذلك بمثابة لحظة مفصلية شوهت صورة الجيش وأضعفت دوره كفاعل دولاني أصيل.
مهما يكن من أمر، فالخطيئة الكبرى للإسلاميين تمثلت في محاولتهم تمكين أنفسهم ومحاسيبهم داخل الجهاز المدني والجيش، وهو ما مزّق الدولانية وأوهن الجهاز البيروقراطي، عمود الدولة الناعم، وجعل الجيش عرضة للتشويه السياسي. فقد أُعطي انطباعا زائفا بأن الجيش تابع للحركة الإسلامية، وتطامنت بعض القوى المدنية لهذا الانطباع، مما أدى إلى سحب الثقة من الجيش كعمود دولاني أساسي يشد عضد الدولة ويضمن استمراريتها.
في واقع الأمر، لم يبتدع الإسلاميون اختراق الجيش، لكنّهم مارسوه بخطة مدروسة على مدى عقود – خصوصا خلال سنوات الإنقاذ – فأضعفوا الجهاز البيروقراطي من خلال عملية تمكين واسعة النطاق. وجعلوا الجيش عرضة للتشويه السياسي. فقد اختُزل الجيش بصورة زائفة على أنه أداة في يد الحركة الإسلامية، وبرغم نخر الإسلاميون له وتغلغلهم داخله لم يفلحوا في الوصول للعمود الفقري للجيش وإنما، إنحصر في بناء شبكة مصالح داخل الجيش، مرتبطة بمنافع ومصالح مركنتالية تستفيد منها في الغالب الرتب العليا.. لذلك لجأوا لخلق كيانات منافسة له كـ “الدفاع الشعبي” والدعم السريع وهذا الأخير استطاع بفضل شرعنة الإسلاميون لوجوده أن ينال قدرا كبيرا من الاستقلالية مؤسسيا واقتصاديا.
وهنا تجدر الإشارة للمقارنة بالجيش الباكستاني التي توضح الفارق. الجيش الباكستاني تطور إلى مؤسسة مستقلة و”وصية” على الدولة، تتدخل مباشرة في السياسة وتفرض إرادتها. مثال صارخ على ذلك انقلاب برويز مشرف عام 1999: حين كان مشرف عائدا من سريلانكا، أمرت الحكومة المدنية بقيادة نواز شريف بإغلاق مطار كراتشي ومنع الطائرة من الهبوط، محاولة بذلك استبعاده وهو في الجو. “هذا القرار جاء من الحكومة المدنية، وليس من الجيش، الذي تدخل لاحقاً ليستعيد السيطرة على المطار، بما في ذلك برج المراقبة والمدرج.” فأُذن للطائرة بالهبوط رغم أن الوقود كان على وشك النفاد. هذا المشهد الدرامي يوضح استقلالية الجيش الباكستاني وقدرته على فرض إرادته السياسية، ومازال يلعب هذا الدور تحت ما يعرف (بالديمقراطية تحت البوت). على خلاف الجيش السوداني الذي يتفاعل دفاعيا ضمن سياق القوى المدنية ولا يتصرف كوصي على الدولة.
فرغم كل ما لحق بالجيش السوداني من تشويه سياسي وابتداع مليشيات موازية أضعفت احتكاره الشرعي للعنف، فإنه ما يزال يمتلك من الإرث المؤسسي ما يؤهله لإعادة تقويم نفسه. هذا الإصلاح لا يمكن أن يتم عبر شيطنته أو معاملته كعدو، بل من خلال حثه على إدراك دوره في إطار الدولانية: أن يحتكر العنف المشروع حصريا، وألا يعيد تجربة تفريخ المليشيات أو الاستعانة بقوى موازية من خارج بنيته.
في نهاية التحليل، تظل الدولانية السودانية مرهونة بتكامل الجيش والجهاز البيروقراطي معا. الجيش كقوة صلبة تحمي الأرض وتضمن الأمن، والجهاز المدني كقوة ناعمة تحفظ استمرارية الدولة. ما فعله الإسلاميون – عبر التغلغل وإعطاء الانطباعات الزائفة – كان خطيئة كبرى أضعفت المؤسستين معا وهددت بقاء الدولة. إعادة الاعتبار لهذا التكامل، باستعادة استقلال الجيش وتعزيز الجهاز المدني عبر الكفاءة والاحترافية، يبقيان الشرط الأساسي لقيام دولة متماسكة قادرة على مواجهة التحديات.
د.محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم