الجيش و”الحركات”… الطلاق يطرق باب “زواج الضرورة”

العاصمة تتنفس بارود الحلفاء. المدينة التي تحوّلت، ذات يوم، إلى ساحة حرب مفتوحة، لم تعد تفرّق بين العدو والصديق، ولا بين الجيش النظامي ورفاق السلاح الذين جاؤوا من تخوم دارفور حاملين صكوك الشراكة في الوطن… والبندقية.
الخرطوم، هذه المدينة التي احترقت ذات صباح بتمرد حليفٍ سابق،
تبدو موعودةً اليوم باشتعال جديد. لا لأن النار جديدة، بل لأن من يشعلها هو ذاته من أشعل الأولى. كل شيء مؤقت هنا. حتى التحالفات.
الجيش الذي نفخ الروح في جسد الدعم السريع ثم استيقظ على تمرّده، يعيد الكرّة ذاتها مع الحركات المسلحة. يربّيها، يُشركها، يُسلّحها، ثم يفاجأ بثقلها في المشهد، فيحاول طردها خارج الأسوار: تارة باسم الانضباط العسكري، وتارة باسم الأمن القومي.
لكن الحقيقة أعمق: من يملك السلاح في الخرطوم، يملك حق التفاوض على العاصمة.
تحالف الجيش مع الحركات المسلحة، الذي بدا حين نشأ كدرع واقٍ من السقوط الكامل، وكـ”زواج ضرورة” لا مفرّ منه، يتصدّع اليوم عند المنعطف السياسي الأول: عبدالفتاح البرهان يقرّر إخلاء العاصمة من الكيانات المسلحة خلال أسبوعين !
هذا القرار الذي بدا كإعلان نوايا أكثر منه إجراءً أمنياً، أشعل غضب الحركات، التي رأت فيه طعنة في خاصرتها السياسية والعسكرية، وجزءاً من معركة خفيّة لتقليم أظافرها والتخفيف من نفوذها الجماهيري، وأيضاً لمنعها من التمدد إلى المجال المدني والسياسي، وبالتالي إغلاق الباب أمام تحوّلها إلى قوة ضغط داخلية في أي ترتيبات مقبلة.
تدرك هذه الحركات أن بقاءها المسلح في الخرطوم ومناطق المركز، يمنحها وزناً تفاوضياً وسياسياً لا يُعوّض. وترى في تحركات الجيش محاولة لإعادتها إلى “الهامش” الجغرافي والتاريخي، إلى غرب البلاد، حيث تنتظرها مواجهة حتمية مع مليشيا الدعم السريع، التي لا تزال تمسك بأعناق دارفور.
مني أركو مناوي، لم يُخفِ غضبه: “لم يُشاورونا، لم يُخطروا القوة المشتركة، لم يحترموا الدم الذي سُفك دفاعاً عن الخرطوم.”
المتحدث باسم القوة المشتركة، أحمد حسين مصطفى، اختار كلماتٍ مرّة: “طعنات في الظهر”، و”شيطنة ممنهجة”، و”خيانة الشراكة”.
أبعد من ذلك: “لسنا مليشيا سائبة، بل طرفاً وقّع على اتفاق سلام رسمي، قاتل باسمه وتحت رايته. نحن من مشى في حارات الخرطوم تحت القصف، وحرّر مصفاة الجيلي. نحن من استبسل حين غابت الدولة وهربت القيادات”.
الجيش يريد عاصمة بلا سلاح إلا سلاحه. يريد حلفاء يأتون عند الطلب، ويغادرون عند الإشارة. عندها يمكن قراءة قرار البرهان، على أنه نسخة مكررة من شرارة الاشتباك مع مليشيا الدعم السريع، حين كانت الرغبة في تفريغ العاصمة من القوات المنافسة أحد أسباب الانفجار، بالمسرح ذاته: الخرطوم.
من يراقب المشهد يرى التكرار الفادح: جيش يصنع الوحش، ثم
يخافه.
يستدعيه إلى العاصمة، يسند ظهره إليه، ثم يطرده في لحظة ارتياب.
لكن ماذا لو رفضت الحركات المغادرة؟
ماذا لو تشبثت بمواقعها كما تشبث الدعم السريع من قبل؟
هل تستعد الخرطوم لنسخة معدّلة من الحرب مع حميدتي؟
المشكلة أن سودان اليوم، ما عاد فيه أحد يثق في آخر.
كل بندقية فيها نيّة، وكل حليف لديه تهمة، وكل قرار به كمين.
ربما أراد الجيش استعادة العاصمة للمواطنين العائدين من النزوح كي يشعروا بالاطمئنان، لكن من قال إن الجنرال قادر على إفراغها من أشباح السياسة والسلاح؟
ومن يضمن أن لا تتحول قرارات اليوم إلى معارك الغد؟
كل خروج هنا، هو إعادة تموضع، وكل وداع هو كمين جديد.
في الأفق، تتكاثف الغيوم.
بين جيش يحلم بعاصمة نقية، وحركات تخشى الخيانة.
بين سلطة لا تثق إلا بمن يحمل صك الولاء،
وحلفاء يخشون أن يُغدر بهم عند أول تسوية.
هكذا تكتب الخرطوم فصولها المقبلة…
بقرارات القادة، ورمي الحفاء في الزوايا القاتمة، مثل أي غرض انتهت صلاحية استخدامه… كما تكتبه بمآسي المتروكين عند بواباتها المُتهدّمة وهم ينتظرون الخلاص.

nizarsamandal94@gmail.com

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …