زين العابدين صالح عبد الرحمن
عندما كتبت في عام 2024 عدد من المقالات أحاول فيها الإجابة على سؤال من الذي يصنع الحدث في السودان، كنت أشير إلي أن الذي يصنع الحدث، هو الذي يحدد الأجندة التي يجب أن تفكر فيها البقية، و الذي يصنع الحدث؛ هو الذي يتحكم في عقول الآخرين، لأنه يجبرهم على التفكير في الذي يفكر فيه هو.. حيث أصبحت العقول الأخرى مجمدة عن الفعل، و لم تبق لهم غير مساحة التعليق فقط على الحدث، لكنهم لا يستطيعون خلق واقع جديد، ينقل الناس لمربعات جديدة.. لذلك ظلت القوى السياسية التي يجب أن تكون هي صانعة للأحداث أصيبت بحالة من الجمود العقلي، و تصدع للذات، و هي حالة تتأتى عندما تكون هناك هوة كبيرة بين الرؤية أو الفكر و الممارسة السياسية..
كان التأييد للجيش؛ باعتباره المؤسسة التي يقع عليها عبء الحفاظ على الوطن و سيادته، مهما كانت الخلافات حول المؤسسة، لآن الحرب قد كانت سببا في تغيير سلم الأولويات، حيث يتراجع الفعل السياسي، و لكنه لا يلغي الدور الداعم للمؤسسة، هناك آخرين أرتبطوا بأجندة أخرى أختارتها الميليشيا و الذين يقفون معها، و هؤلاء عندما يحاولون أن تكون الأولوية للأجندة السياسية، هم يريدون التغطية على الأهداف الجديدة التي انشأتها الحرب.. و حتى القوى السياسية التي أيدت الجيش أيضا هي تستبطن أجندة سياسية خاصة و لكنها لم تقدمها على أجندة الفعل العسكري.. و هي المرحلة التي اعقبت الحرب.. هذه المرحلة ملأتها المؤسسة العسكرية و كل المنظومة التي تدور في ترسها..
المرحلة الثانية: كانت هي المعارك الحربية التي بدأت بإستيلاء المليشيا على العاصمة، و محاصرة قيادات الجيش في مباني القيادة العامة، و هي الفترة التي غابت فيها السياسة، و أصبحت الناس مشدودين لمعرفة نتائج المعارك، حيث تقدمت الميليشيا عسكريا حتى سيطرت على عدد من الولايات الأخرى ” الجزيرة و سنار و النيل الأبيض” و تحاول الدخول إلآ الشرق من خلال الفاو وصولا إلي القضارف..صاحبت هذه المرحلة تصاعد سياسي خارجي من قبل منظمة الإيغاد الذين كانوا بصدد إرسال قوات لجعل العاصمة منطقة منزوعة السلاح، الأمر الذي جعل الجيش يتحرك لخروج قائده من القيادة لكي يقود الدولة و الجيش معا..
أهم مراحل التطورات في تغيير الأجندة بعد خروج القائد.. حيث لعب جهاز المخابرات السوداني دورا كبيرا في أحداث أختراقات متعددة في جسم الميليشيا نفسها، أولها كانت كيكل، و كيكل لم يكن مجموعة مقاتلة أضيفت للجيش، بل كانت نقلة محورية، لأنها ضخت كمية كبيرة من المعلومات التي تحصل عليها جهاز المخابرات و سلمت للقائد العام للجيش.. كانت المعلومات تتمثل تعداد الميليشيا و عن حركتها و تسليحها و مراكز أمدادها، و من هم في القيادة و أماكن وجودهم، كانت الميليشيا تتحرك من منطقة إلي أخرى و كانت عناصر الجهاز مزروعة وسطهم، تمد الجيش بالإحداثيات، و كل المعلومات المطلوبة، هؤلاء العناصر بالفعل كتبوا بدماء أخوتهم الذين قتلوا وسط الميليشيا أروع قصص البطولات، و عندما تقف الحرب و يكتب عن الحرب، سوف يكون هناك تراث يحكى للشعب السوداني يجسد معاني الوطنية و التضحية لإي أعلى مراتبها..
إن خروج الميليشيا من الولايات إبتداء بولاية سنار و الجزيرة و الخرطوم و بؤر الميليشيا في النيل الأبيض، ثم انتقال المعارك إلي ولاية كردفان.. أيضا جهاز المخابرات لم يخترق الميليشيا في مجموعتها العسكرية، و أيضا في مجموعتها السياسية، داخل و خارج السودان، و تتبع نشاطهم و معرفة أجندتها و الذين يديرون هذه النشاطات، و الداعمين لها، بالتفاصيل الدقيقة، إن الانتقال من مرحلة إلي أخرى، كان يصنعها الجيش حتى الأجندة السياسية، لآن السياسة يجب أن تواكب التطورات التي تحدث في ميادين القتال.. و كان واضحا ذلك من خلال الأضطراب الذي يحدث في إعلام الميليشيا.. و حتى في ردود الفعل عند جهازها السياسي..
الآن تبدأ المرحلة قبل الأخيرة، هي أحداث أختراقات في الطابور الأول لقيادات الميليشيا العسكرية و أيضا في الإدارات الأهلية.. , الجيش من خلال هذه المرحلة لا يريد أن تكون مرحلة قتال يتم فيها قتل كميات من الشباب الذين يقاتلون مع الميليشيا، الجيش يريد أن ينصاع هؤلاء الشباب لصوت العقل، لكي يكون داعمين لعملية البناء، و أيضا مساعدين لعملية رتق النسيج الاجتماعي.. لذلك أصبح جهاز المخابرات يتقدم بقوة في هذه المرحلة في إقناع العديد من رجال الإدرة الأهلية و قيادات الميليشيا أن يسلموا سلاحهم و يصبحوا مواطنين منخرطين في عملية البناء.. نواصل.. ترقبوا المهم في أسطورة الحرب.. نسأل الله حسن البصيرة..
zainsalih@hotmail.com
