الحبيب الشريف الشيخ مصطفى آدم -الكدرو- عليك رحمة الله في عليين

قبل أسبوعين مضت كتبت حزيناً أعزي نفسي وأسرة أخي الراحل محمد أحمد عبدالرحيم ” أبو ياسر، عليه رحمة الله” وابن عمته زميلي وصديقي الأستاذ الدكتور حسن المهدي البشرى. تأثراً شاطرني من على البعد الإبن ياسر مبتدئاً رسالته هكذا بالآية الكريمة ( الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) وقد ورد في بعض التفاسير لهذه الآية أن كل صداقة وصحابة لغير الله فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة إلا ما كان لله ، عز وجل ، فإنه دائم بدوامه .
ومن بعده رسالة من أفاضل الأسرة أحد أبناء الأعمام للراحل خطها كلمات مؤثرة وفيها الحكمة في نفس الوقت وهو يبجل الصحبة الطيبة الحقيقية ونظيفة من كل دنس قائلاً للأخ دكتور حسن البشرى ؛”سلم على دكتور عبدالمنعم وقول ليه جزاك الله كل خير
نعم الرفقه ونعم الرفيق
إن درت للرفقه
والقرين الطيب
بارى الزول الخلوق
ال لربو ديمه قريب
بارى ال للمسجد بساسك
وأمسك دربو
واختى الجاهل العربيد
وفايت حدو
بارى للزول الكريم
اب وجيها ضاوى
وما تبارى البخيل
ويصبح جرابك خاوى
بارى للزول العفيف
وامسك لسانك عندك
وبارى للزول الجدع
وتلقاهو ديمه يسندك
بارى للزول الحكيم
البى كلامو يفيدك
واختى الزول التليف
البى حماقتو يعيقك”
جزاهم الله احسن الجزاء، واليوم لي رحلة أخرى مع الصحبة الطيبة والكلمات أعلاه كأنها أُهْدِيَتُ لنا لتجسد اليوم تعبيرنا في ذكر حزننا في مقام الراحل الحبيب الشريف مصطفى آدم الذي بالنسبة لنا كان بمثابة الأخ والوالد والصديق الذي لا تمل النفوس مجالسه من حسن خلقه وصفائه وحكمه وصدقه وتعبده وفيوضاته ، ألا فهو فعلا ينطبق عليه ” اللمسيد بيساسيك والحكيم البكلامه يفيدك” وفوق كل ذلك شيخ نحسبه من الصالحين وأولياء الله الذي حبانا الله بصحبته معرفة عن طريق شقيقنا شيخ مجذوب منذ بداية الستينيات من القرن الماضي حيث كان للشريف مصطفى في شبابه محلاً بالسوق العربي في الخرطوم للصياغة وبيع الذهب. كان محله في بداية الصف الثاني المواجه للصف الذي يفتح شمالاً و شرق بقالة أولاد ملاح ” آنذاك” على الجامع الكبير وبالضبط خلف المكتبة التي كانت بإسم مكتبة البشير. جاره من الكورنور الغربي قريبنا الراحل محمود الباجوري . رحمة الله عليهم جميعا.
الشريف مصطفى يسكن في الكدرو منذ عرفناه وقبل ذلك وكانت سيارته ساب سويدية وهو في السوق العربي ومن أبنائه البررة صديقنا الفنان التشكيلي الخلوق الأستاذ بكري المعروف في الوسط الفني بالكدرو. الصداقة بين الشريف مصطفى وشقيقنا شيخ مجذوب لا تسعني الكلمات فى روعة وصفها ، كلمة إنجليزية واحدة تختصر كل تفاصيلها ب”فينومينال”، يعني لا تعادلها صداقة زمننا هذا “الدنيوية المنفعية” سوى صداقة الصحابة الكرام والسلف الصالح ومحبتهم لبعضهم، رضوان الله عليهم أجمعين .
الشريف وشيخ مجذوب ولجا في في حديقة المحاسن والمحبة الإلهية ومحبة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وارفة الظلال فصدقا وبنوا فوقها الأربعا رياضاً وناطحات صحبة حجات لا عدد لها وليالي ذكر وورع وخوة كلها في لله. دكتورة سندس إبنة شقيقي مجذوب تواصلت قبل يومين مع إبنة الشريف معزية فردت عليها ومن ضمن حديثها ” سألنا الوالد لماذا لم تعرفنا من زمان الزمن كله باسرة شيخ مجذوب الذي تحبه قبل أن يموت؟ قال لها ليس لنا وقت للونسة أو كلام فى غير ذكر الله”
وجاءت الحرب اللعينة لتبهدل كل السودان والسودانيين وكان لأهل الجيلي والكدرو ما جبرهم للنزوح لا فرق بين الشيب والشباب ولا الكهل المريض فتنقل الشيخ وهو في أواخر الثمانينات من مدينة إلي مدينة حتي الوصول بعد رعب وعناء إلي الحبشة . وفي آخر فيديو حديث له من داخل المدينة المنورة حيث أخيراً وصل، كان يحكي عن تلك التجربة المريرة وكيف كان يخشى أن يموت فى الحبشة، وكان يدعو أن يبلغه الله مناه بالمدينة المنورة. فكان دعاؤه الصادق ذاك هو الزاد والرصيد للسفر البعيد “الحقيقي” الذي تمناه بعد أن أكرمه الله بأن يحط رحاله في مدينة الرسول الذي هام في حبه طيلة حياته وقال في الفيديو للحضور “آرجو من الله إن وافتنا المنية أن تكون هنا في المدينة”. فصارت الإجابة السريعة بشارة تأتي من علٍ لدعوة رجل صالح كان صادقاً في نفسه ومع ربه فاستجاب الله دعاءه وصار الموت السعيد المرتجى ومن غير عناء يذكر قدراً لا يتمناه إلا كل مؤمن صادق يرجو أن يقبر بالمدينة المنورة وفي مقابر البقيع. فما أجملها وأحلاها من هجرة الروح الطاهرة إنعتاقاً من الجسد والدنيا الفانية وسفرها الأبدي صعوداً إلى السماء وهي تعطره، تفرح بها الملائكة وكل أهل السماء، وفي الفردوس الأعلى هناك “مكان سامي ” ينتظرها مع من هم من الأكارم عند رب العالمين “ليس بحسبهم ونسبهم وألقابهم بل بعملهم الصالح” ، وفي المدينة كانت الرقدة الأبدية لذلك الجسد الطاهر النحيل “مباركة” في أعظم بقاع الأرض “مهد مهبط الوحي”، وفيها روضة من رياض الجنة، وفيها قبر أفضل خلق الله وسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه البررة ابوبكر وعمر وبناته وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين. ألا رحمك الله رحمة واسعة حبيبنا ، شيخنا، صديقنا، بل الوالد والأخ الأكبر الشريف مصطفى آدم. إننا والله لفقدك وفراقك لمحزونون. الأخ بكري والأسرة وكل الأهل والأقارب في الكدرو “البركة فيكم وربنا يصبركم ويقويكم على حمل الراية”، إنا لله وإنا إليه راجعون. أذكر نفسي وغيري ” الحياة كلها رحلة مرحلية، جداً قصيرة ” فالعاقل من تزود لرحلة ما بعد الحياة
عبدالمنعم
شقيقي مولانا الطاهر عبدالمحمود شارك بهذه الكلمات إلى الاستاذ بكري والأسرة الكريمة فكفاني الأستطالة :
بسم الله الرحمن الرحيم
سئل أحد المشايخ عن كيف نهتدي إلى القوم الذين لايشقى جليسهم؟ ، فقال كل من تراه فيذكرك الله فإنه منهم فالزمه . أشهد أن أخانا و شيخنا الحبيب الشريف مصطفى آدم هو أحدهم بفضل رضوان الله سبحانه وتعالى عليه و انه منهم و إليهم ، و ما أن تقع عيناك على سٓمْتِه الوقور و وجهه الوضيء حتى تتجلى أمامك كل صور النقاء و كل معانى الصفاء و السكينة و القبول الذى يهبه الوهاب الرزاق لمن يصطفي من عباده الذاكرين العابدين المرضيين، آخى الشريف فى الله شقيقنا شيخ مجذوب عبدالمحمود طيلة عقود كانت نموذجاً يحتذي بل يدرس ، ففاضت محبته له حتى غمرتنا نحن إخوته و كل الأسرة الممتدة بفيض دافق من صادق المحبة وعظيم الموده و الإلفة . محبة نراها رأى العين و مودة نتذوق طعمها الحلو و إلفة تختزل فيها روح روعة المكان و الزمان وحب الأخ لأخيه فقط في كل ما يرضي الله. بفقده فقدت أرواحنا ملاذاً آمنا طيباً كانت تحج إليه لتلقي عن كاهلها أحمالاً من أثقال الزمان و ابتلائها ، و فضاءً نحلق فى سماواته لنرى صور أحباء لنا كانوا يحبونه فى الله و رسوله فأحبهم و أحبوه. عليك سلام الله و رضاه أيها الشريف الحبيب والمشرف بإذن الله فى أعلى درجات الفردوس ، عزاؤنا أن هجرتك عبر السودان فى هذا الزمان الجائر و ما كابدته فيها من مشقة و من عنت ، بفضل الله قد انتهت بك إلى بلد حبك للرسول ناصر الحق بالحق و الهادى إلى صراط الله المستقيم ، حيث ارتقت فيها روح نفسك المطمئنة راضية مرضية ، وهى بأفضل جوار و أطيب صحبة ، صحبة آله و صحبه فى بقيع الغرقد ….
أعزيكم آل الشريف فرداً فرداً و أعزى نفسى و كل أهلى و جميع محبيه و عارفى فضله ، فالله قد أعطى و اجزل العطاء فله الحمد و المنة و أخذ عطيته لما أعده لها من واسع فضله و عظيم جوده من إكرام، … فأنعم به من إكرام ، إكرام رحمان رحيم، له الحمد والشكر من قبل و من بعد و التسليم بقضائه و قدره فلا حول و لا قوة إلا بالله و إنا لله وإنا إليه راجعون. .
الطاهر عبدالمحمود العربى – القاهرة

aa76@me.com

عن د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

شاهد أيضاً

هروب بلا وداع – سردية النزوح من حرب نشبت بلا قضية

بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي هذا العنوان، مع الاعتذار و”الإجلال”، هو “استيحاء “من عنوان …