الحداثيون في قفص الاتهام- هل نحن أمام نقد أم محاكمة فكرية؟

زهير عثمان

تفتح أطروحة الدكتور عبد الله علي إبراهيم الموسومة بـ -حرب الحداثيين للظلام بالظلام جبهة جديدة من الجدل الفكري حول طبيعة الخطاب السياسي السوداني المعاصر
فالمقال ينطلق من فرضية مثيرة للجدل؛ تتهم التيارات الحداثية بالوقوع في فخ “السيولة الاصطلاحية” وافتقاد الضبط المنهجي لمفاهيم مركزية كالدولة، والجيش، ومشروعية العنف

لكن، وبينما يقدم المقال حفراً نظرياً مهماً، فإن إخضاعه لمبضع النقد يكشف عن ثغرات منهجية وانحيازات تاريخية تستدعي الوقوف عندها

أولاً – فيبر وماركس.. هل الأزمة في “المفهوم” أم في “الشرعية”؟
يتكئ المقال على التحديدات الكلاسيكية لماكس فيبر وكارل ماركس حول احتكار الدولة للعنف. بيد أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في “جهل” الحداثيين بهذه التعريفات، بل في محاولة المقال القفز فوق التمييز الفيبري الحاسم بين “الاحتكار” و“المشروعية”
إن نقد التيارات المدنية لعنف الدولة ليس إنكاراً لوجودها، بل هو اشتباك مشروع مع سؤال السلطة متى يتحول العنف من أداة لحماية العقد الاجتماعي إلى وسيلة للقمع العاري؟ لذا، فإن اختزال هذا النقد في خانة “عدم ضبط المصطلحات” يبدو تبسيطاً مخلاً لجوهر الصراع على الشرعية

ثانياً – فخ التعميم وانتقائية الذاكرة التاريخية
يعود المقال بذاكرتنا إلى حقبة “مايو” وجعفر نميري، ليدلل على تورط الحداثيين في “أدلجة الدولة” , ورغم أن هذه الإشارة تملك سنداً تاريخياً، إلا أن تعميمها كسمة ملازمة لهذه التيارات يفتقر للدقة المنهجية
فالتحليل الرصين يفرض علينا رصد التحولات والمراجعات الفكرية العميقة التي طرأت على هذه القوى. كما أن التركيز على تجربة “مايو” مع إغفال تام لتجربة “الأخونة” الشاملة للدولة في عهد الإسلاميين، يُنتج قراءة عوراء للتاريخ السياسي السوداني، ويجعل من النقد أداة للإدانة لا للفهم

ثالثاً – الإصلاح المؤسسي لا “التفكيك العدمي”
يذهب المقال بعيداً في استنتاج مفاده أن الخطاب الحداثي يسعى لتسريح مؤسسات الدولة , وهنا يختلط “النقد الجذري” بـ “الدعوة للتفكيك”
إن أدبيات الحراك المدني السوداني، في معظمها، لا تطالب بـ “حل الدولة”، بل بـ “إعادة هندستها”؛ عبر تعزيز الطابع المدني، وإصلاح العقيدة العسكرية، وبناء مؤسسات تعبر عن التنوع الاجتماعي
إن الخلط بين الرغبة في “الترميم” والاتهام بـ “الهدم” هو مغالطة تضعف من القيمة التحليلية للأطروحة

رابعاً- ثنائية التحالفات.. الاتهام بلا دليل
يقحم المقال التيارات الحداثية في معادلات ثنائية تربطها بقوى عسكرية معينة، وهو طرح يفتقر إلى البينة الموثقة. ففي مشهد سوداني شديد السيولة والتعقيد، يتسم الحراك الحداثي بتعددية واسعة وتناقضات داخلية تمنع وضعه في سلة تحالفات واحدة
إن إطلاق مثل هذه الاستنتاجات الكلية دون معطيات ملموسة يحول التحليل من فضاء “النقد الأكاديمي” إلى فضاء “السجال السياسي”

خامساً – بلاغة “الظلام” وهشاشة التوصيف
ينتهي المقال بوصف جذّاب بلاغياً وهو خوض “حرب الظلام بالظلام” , ورغم بريق هذه الاستعارة، إلا أنها تظل حكماً قيمياً أكثر منها أداة تحليلية
مثل هذه التوصيفات النهائية تغلق أبواب الحوار، وتختزل التعدد الفكري في أحكام مطلقة (أبيض/أسود)، مما يفقد الخطاب النقدي قدرته على التفكيك الهادئ لتعقيدات الواقع

الدولة كرهان مستقبلي
إن قراءة أطروحة “حرب الظلام بالظلام” تضعنا أمام الحقيقة المرة هي أزمة الدولة في السودان ليست حكراً على تيار دون غيره
و الأزمة الحقيقية تكمن في غياب إطار وطني جامع لتعريف وظائف الدولة وحدودها
النقد الحقيقي والمثمر هو الذي يتجاوز لغة “الإدانة الجماعية” والتعميم، ليعترف بتعقيد الواقع ويفتح مسارات لحوار وطني رصين، يعيد للدولة هيبتها وللمواطن حقوقه، بعيداً عن صراعات “الظلام” المتخيلة

zuhair.osman@aol.com

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

هل يعاد تشكيل الشرق السوداني تحت ضغط الحرب والتدخلات الإقليمية؟

زهير عثمان في التوقيت الذي تنهش فيه الحرب أحشاء المركز السوداني، لم يعد الشرق مجرد …