الحرب على إيران.. تعدد المبررات وفخ التناقض الاستراتيجي

محمد هاشم محمد الحسن

أثارت الحرب الأمريكية على إيران موجة واسعة من التساؤلات منذ لحظاتها الأولى، ليس فقط بسبب تداعياتها العسكرية، بل بسبب تعدد الروايات التي قدمتها واشنطن لتفسير هذا القرار. فقد تنقلت التبريرات الرسمية بين القمع الداخلي، والبرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، وصولاً إلى التحذير من تهديد وشيك. هذا التبدل السريع في الخطاب لم ينجح في إقناع الكثيرين بوجود سبب محدد، بل يضعنا أمام قراءة أوسع ترى أن المواجهة هي نتيجة تفاعل عوامل سياسية واستراتيجية تلاقت في لحظة واحدة.

ويبرز هنا التساؤل حول توقيت الحرب، خاصة أن التوتر مع طهران قائم منذ عقود؛ إذ يبدو أن القرار جاء في لحظة قُدّر فيها أن ميزان القوى قد يتغير بشكل جذري إذا لم يتم التحرك في الوقت الراهن. ويمكن قراءة هذا التوجه باعتباره محاولة قسرية لإعادة رسم التوازنات الإقليمية قبل أن تفرض إيران واقعاً يصعب احتواؤه بالوسائل الدبلوماسية.

وعلى الرغم من استحضار الملف النووي كمبرر رئيسي، فإن هذا الادعاء يصطدم بتناقضات جوهرية في التصريحات الأمريكية السابقة. فمن الصعب منطقياً قبول التركيز على الملف النووي حالياً كذريعة للحرب، في ظل تأكيدات الرئيس ترامب السابقة بتدمير المفاعلات الإيرانية تماماً عقب حرب الاثني عشر يوماً. هذا التضارب يشير بوضوح إلى أن الملف النووي ربما أُعيد استخدامه كغطاء سياسي لأهداف أبعد، أو أن القدرات التقنية الإيرانية أظهرت قدرة على الانبعاث جعلت من الضربة السابقة مجرد تأجيل مؤقت للمواجهة.

وتبرز في هذا السياق مفارقة حادة في منطق تأمين الطاقة؛ فبينما تُسوق واشنطن الحرب كضرورة لحماية الممرات البحرية، أدى الواقع الميداني إلى تعطيل سلاسل الإمداد وتهديد أسواق النفط بشكل غير مسبوق. وهنا ينكشف أن الهدف قد لا يكون استقرار الملاحة بمعناه السلمي، بل فرض هيمنة أمنية كاملة على تلك المضائق، حيث تراهن واشنطن على تحمل تبعات كساد مؤقت مقابل انتزاع القدرة المطلقة على التحكم في إمدادات الطاقة وتجريد الخصم من أدوات الابتزاز مستقبلاً.

وفي ظل هذا التصعيد، يظهر الدور الإسرائيلي كمحرك رئيسي في دفع المواجهة نحو ذروتها، انطلاقاً من رؤية تعتبر أي تأجيل للصدام فرصة لتعزيز نفوذ طهران. وبالنسبة لتل أبيب، تمثل هذه المواجهة ضرورة أمنية لتعطيل مشروع تراه تهديداً مباشراً لوجودها، وهو ما تلاقى مع ضغوط إقليمية أخرى ترى في إضعاف إيران فرصة لاستعادة مساحة حركتها في المنطقة.

بموازاة ذلك، كشفت تقارير لصحيفة نيويورك تايمز عن دور لولي العهد السعودي محمد بن سلمان في كواليس هذا الصراع، عبر ممارسة ضغوط في الغرف المغلقة لتوجيه ضربة عسكرية لإيران. ويعكس هذا التحرك رغبة في حسم ملفات إقليمية مستعصية، وعلى رأسها الملف اليمني الذي بات يمثل معضلة استراتيجية كبرى بعد الخلافات مع جنوب اليمن وتبدل الدور الإماراتي. ومع ذلك، يظل الرهان على أن استهداف طهران سيؤدي تلقائياً إلى انهيار أذرعها الإقليمية رهاناً محفوفاً بالمخاطر؛ فالبنية العسكرية لهذه الأذرع باتت تمتلك استقلالية عملياتية تجعل من الصعب إجبارها على تقديم تنازلات سياسية جذرية لمجرد تعرض المركز لضغوط عسكرية، بل قد يؤدي ذلك إلى نتائج عكسية تزيد من تعقيد المشهد اليمني والإقليمي برمته.

أما داخل الولايات المتحدة، فقد كشف القرار عن انقسام مؤسسي حاد؛ فرغم محاولات الكونغرس تقييد صلاحيات الحرب، إلا أن تصويت مجلس الشيوخ الأخير برفض تلك القيود أبقى القرار بيد البيت الأبيض. ويشير هذا التحول إلى نجاح جماعات الضغط (اللوبي الصهيوني) في تأمين الغطاء السياسي للأجندة الإسرائيلية تجاه إيران. وهذا التجاذب يفسر حالة الارتباك في مواقف ترامب، التي تتأرجح بين الرغبة في إسقاط النظام وبين إضعافة، بما يجسد الصراع القائم بين التزاماته تجاه جماعات الضغط وبين حسابات الدولة العميقة.

إن المخاطرة الاستراتيجية في هذه الحرب تكمن في مسارها الذي قد ينفلت بعد الضربة الأولى؛ فالتاريخ يثبت أن الصراعات الكبرى قد تبدأ بعمليات محدودة ثم تتسع بفعل ردود الفعل المتبادلة. وبينما تبرز توجهات تدفع نحو تغيير النظام، تظل واشنطن حذرة من سقوط الدولة الإيرانية في حالة من الفوضى الشاملة، لما يمثله ذلك من تهديد فعلي للتجارة العالمية وفقدان لخصم كان يحافظ على حد أدنى من التوازنات الإقليمية.

وفي النهاية، تبدو هذه الحرب نقطة التقاء لصراعات متداخلة على النفوذ وأمن الطاقة. وما سيحدد مسارها الحقيقي ليس ميدان المعركة وحده، بل مدى قدرة واشنطن على تحويل القوة العسكرية إلى استراتيجية سياسية مستقرة، دون الانزلاق إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار في منطقة تعيش أصلاً فوق خطوط صدع لا تهدأ.

herin20232023@gmail.com

عن محمد هاشم محمد الحسن

محمد هاشم محمد الحسن

شاهد أيضاً

السودان على طاولة الحسابات الأوروبية

محمد هاشم محمد الحسن لم تكن جولة التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة صمود في أوروبا …