الخرطوم، التي حلمت باستعادة أنفاسها، استيقظت على دخان جديد، وعلى قصف يعيدها إلى فصول الجحيم.
صبيحة 9 سبتمبر، وجدت العاصمة نفسها تحت أزيز طائرات لا تُرى، تبحث عن قلبها، عن محطات كهربائها، عن مصافيها، عن مخازن سلاحها. لم يكن الهجوم مجرد جولة أخرى في حرب أنهكت العصب السوداني، بل رسالة دامية إلى قلب الدولة وإلى وجدان المواطن: الحرب لا تغادر، هي فقط تغيّر ثيابها، وتنتظر اللحظة المناسبة لتلدغ.
حين تصبح محطة كهرباء هدفاً، فإن ما يُستهدف ليس العسكر فقط، بل الضوء في البيوت، والدواء في المستشفيات، والماء في المضخات، والخبز في الأفران. إنها جريمة حرب مكتملة الأركان، تضرب العصب الذي يغذّي الحياة، وتقطع الشريان الذي يربط المواطن بالدولة، وتجعل البلاد سجناً كبيراً بلا أبواب، متساوٍ فيه الجندي والطفل، المقاتل واللاجئ، جميعهم أسرى لظلام طويل.
المسيرات التي انقضت على مجمع اليرموك للصناعات العسكرية ومصفاة النفط ومحطة المرخيات والقاعدة الجوية في وادي سيدنا، لم تُعلن فقط عن تحول تكتيكي لمليشيا الدعم السريع، بل نبهت الخرطوم إلى أن الهدوء النسبي كان سراباً، وأن اليد التي تضرب تعرف أين تُوجع.
ما يحدث لا يوحي بأن المواجهة بين جيشين، بل معركة على حياة السودانيين ذاتها، على حقهم في البقاء، على أبسط شروط الإنسانية. وفي الخلفية، يتحرك الجيش بلغة أخرى: الصفقات وشراء الوقت بالسلاح.
الشهر الماضي، سرّبت الصحافة الباكستانية أن الخرطوم وقّعت عقداً دفاعياً بقيمة 1.5 مليار دولار مع إسلام آباد، يشمل أنظمة جوية وبرية ودفاعية. الصفقة تعني أن الجيش يستعد لحرب طويلة.
مصير الدولة يبدو معلقاً على خيطين: خيط سلاح يزداد حدّة، وخيط حياة يتآكل يوماً بعد يوم. الجيش يراهن على السماء، على الطائرات القادمة من باكستان محملة بوعود النصر. الدعم السريع يراهن على الأرض وانحسار الخريف، على المسيرات التي تكسر هيبة العاصمة وتزرع الخوف في ليلها. وكلاهما ينسى أن ما ينهار تحت الأقدام ليس العدو فقط، بل الجغرافيا كلها: الأسواق التي أُحرقت، المدارس التي أُقفلت، البيوت التي صارت أنقاضاً.
الدولة السودانية، في لحظتها الراهنة، كمن يقف أمام مرآة مُهشّمة، يرى صورته في شظاياها ولا يملك القوة لتجميعها. هويتها ممزقة بين ماضيها العسكري، وأطرافها المتمردة، وأحلام جيل يبحث عن وطن لم يُولد بعد.
المشهد يبدو هكذا: مسيرات رخيصة تُعطل العاصمة، وصفقة طائرات تُحضّر لحرب طويلة، وبينهما شعب يُدفع إلى الهجرة وقوافل النزوح. ما من أحد يسأل النازح عن صفقته مع الحياة، أو يفاوضه على حقه في ضوء أو ماء أو سقف.
انهيار بطيء لدولة أرهقتها الانقلابات والحروب، حتى صارت الحرب اللغة الوحيدة المتبقية. حرب تتغذى على الدمار ولا تكتفي بقتل الجنود، بل تطارد شروط الحياة نفسها. من يضرب الكهرباء يعرف أنه يضرب قلب المدينة، ومن يشتري الطائرات يعرف أنه يشتري مزيداً من الدماء. والسؤال الذي يطل من هذه العتمة ليس عن المنتصر في الجولة الحالية، بل عن مصير وطن لن يُكتب له النهوض، مادام خبزه وسقفه ونوره صار جزءاً من معركة لا تعترف إلا بالموت.
السودان، في جوهره اليوم، يعيش مأساة فلسفية: وطن يقاتل كي يظل وطناً، لكنه في القتال يفتك بنفسه. ومأساة كهذه لا تُحل بالمسيرات ولا بالطائرات، بل بجرأة الاعتراف بأن الدم لا يبني دولة، وأن التدمير لا يصنع شرعية.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم