دكتور هشام عثمان
hishamosman315@gmail.com
لا تغيّر الحروب حدود الدول فقط، بل تغيّر أيضًا حدود المعنى. فالحرب السودانية الراهنة لم تكتفِ بتمزيق الخرائط الجغرافية، بل أعادت رسم الخرائط اللغوية والرمزية: لغة يومية جديدة، روايات متناقضة، وسرديات كبرى تنهار لتفسح المجال لسرديات أخرى. فمنذ اندلاعها دخلت كلمات جديدة إلى الحياة اليومية للسودانيين لم تكن مألوفة في السابق؛ فبجانب المفردات العسكرية الباردة مثل “المتحركات” و”المسيّرات” و”الإحداثيات” و”التحصينات”، ظهرت أيضًا مفردات شعبية مرتبطة بواقع العنف اليومي مثل “شفشفة” و”جغم” و”قنقر” (وهي تعابير دارجة تصف ممارسات النهب والابتلاع السريع للأشياء والانقضاض على الغنيمة). هذه المفردات لم تعد مجرد لغة عابرة، بل صارت جزءًا من يوميات الحرب ومعجمها الشعبي. وفي المقابل، أعادت الحرب شحن كلمات قديمة بدلالات جديدة: “الخيانة”، “العمالة”، “البطولة”، “الصمود”. الكلمة نفسها صارت سلاحًا يُصنّف الناس بين “وطني” و”عميل”، “بطل” و”خائن”.
ليست اللغة بريئة، فالتسمية نفسها تحوّلت إلى معركة: بينما يصرّ كثيرون على استخدام مصطلح “الجنجويد” المرتبط بتاريخ دموي، تفضّل أطراف أخرى مصطلح “الدعم السريع” الذي يمنح شرعية مؤسسية. هذه ليست مجرد فروقات لغوية، بل صراع على الذاكرة والتأريخ، لأن التسمية تحدد كيف يُقرأ الفعل وكيف يُسجَّل في التاريخ. وأحد أكبر التحولات التي أنتجتها الحرب هو ضرب السردية الوطنية الجامعة؛ فالخرطوم لم تعد تُرى باعتبارها “العاصمة-الوطن”، بل كرمز لانهيار الدولة المركزية، وأخذ خطاب “المركز والهامش” مكان خطاب “سودان واحد”. حتى الثورة نفسها أصبحت موضوع نزاع سردي: هل انتهت ديسمبر؟ هل اختُطفت؟ أم أنها تستمر بشكل آخر داخل مقاومة مجتمعية لا مركزية؟
في مواجهة العنف، يلجأ السودانيون إلى آلية مزدوجة: لغة الصدمة ولغة السخرية. فالأول يختزل الفجيعة في جمل قصيرة ثقيلة، أما الثاني فيحوّل المأساة إلى نكات وصور ساخرة تنتشر على وسائل التواصل. قد تبدو هذه السخرية قاسية، لكنها في الحقيقة وسيلة للبقاء النفسي وبناء انتماء جماعي وسط الفوضى. وفي هذه الحرب، لا يدور الصراع فقط بين الجيش والدعم السريع، بل أيضًا بين رواة متنافسين: الدولة التي تقدّم روايتها الرسمية، الميليشيا التي تنتج دعايتها، الضحايا الذين يسردون شهاداتهم عبر الوسائط الرقمية، والشتات الذي يترجم المأساة إلى لغة تجذب انتباه العالم. هنا تصبح الرواية نفسها شكلًا من أشكال المقاومة، إذ يرفض الضحايا أن يكونوا مجرد أرقام في تقارير الإغاثة.
لكن الوجه الأخطر للحرب اللغوية هو تطبيع القاموس الدموي. حين تصبح مفردات مثل “إبادة”، “تطهير”، “مجزرة” متداولة يوميًا بلا صدمة، يتحول العنف إلى أمر عادي. كما أن اللغة الرسمية كثيرًا ما تلجأ إلى المبني للمجهول (“تم قصف…”) أو إلى تجريد الضحايا في أرقام، فتُمحى الأسماء والوجوه لصالح أعداد باردة. ورغم كل ذلك، يمكن تحويل اللغة إلى ساحة مقاومة: عبر أرشفة الروايات اليومية وشهادات النساء والنازحين والميمز الشعبية كجزء من الذاكرة الجمعية، عبر التسمية الدقيقة للفاعل وتجنّب التعميمات التي تخفي المسؤولية، وعبر توسيع المنابر لأصوات المهمشين والنساء والأقليات اللغوية. كما أن الفن والخيال—من الشعر والرواية إلى المسرح والأغنية—يمكن أن يعيد إنسنة الضحايا ويفكك لغة البيروقراطية والعنف.
إن الحرب تغيّر اللغة لأنها تغيّر ميزان القوى، لكن اللغة أيضًا تستطيع أن تغيّر الحرب، على الأقل في مجال الذاكرة والتأريخ. فما سيبقى بعد توقف المدافع ليس فقط الخراب المادي، بل أيضًا أي سردية سنقرر الاحتفاظ بها: سرديات التبرير والكراهية، أم سرديات الإنسانية والنجاة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم