الحريات العامة مرة أخرى!!

عدنان زاهر
elsadati2008@gmail.com

تمهيد أولى

1

درجت الأنظمة الديكتاتورية على استغلال الحروب و الأزمات التي تمر بها الدولة لسلب الحريات الديمقراطية، تحجيمها و في كثير من الأحيان القضاء عليها تماماً، بحجة أمن و مصالح البلاد العليا و تلك بالطبع حجة واهية و فرية يريد بها تضليل المواطنين !

التاريخ يقول في ألمانيا ، دبر النازيون حريق البرلمان الألماني الرايخستاغ عام 1933 م لفرض الديكتاتورية و تصفية الحزب الشيوعي الألماني بعد اتهامه من قبل النازيين بتدبير الحريق ، ثم تم اغلاق الصحف و صودرت الحريات، و عندما جاءت الانتخابات التي جرت تحت قانون الطوارئ تمكن النازيون و هتلر من حكم ألمانيا.

تم كل ذلك استنادا على مقولة القانوني و المفكر النازي ( كارل شميت )1 التي تقول ( السيد هو من يقرر حالة الاستثناء ) ! بمعنى ان السلطة الحاكمة هي التي تحدد متى يعلق القانون العادي و تطبيق إجراءات خاصة لمواجهة أي أزمة، باختصار السلطة تملك الحق الذى منحها له ذلك الفقيه الدستوري على مصادرة الحريات و الديمقراطية.

في الولايات المتحدة بعد احداث 11 سبتمبر 2001 الارهابية سن قانون يسمى

Patriot Act

تحت هذا القانون سيئ السمعة مورس الاعتقال التحفظي، المحاكمات السرية، تم التنصت على المكالمات، الاطلاع على الايميلات، تتبع النشاط الإلكتروني و حتى الوصول الى السجلات الطبية و البنكية !…….ما تم هنالك وفقا هذا القانون يمكن ان نطلق عليه بكل بساطة ( مكارثية )2 القرن الحادي و العشرين.

اضافة الى كل ذلك تم إنشاء معتقل غوانتانامو في الأراضي الكوبية في قاعدة امريكية كانت مستأجرة منذ عام 1903 برغم معارضة كوبا لذلك الاجراء ، و جلب الى هذا السجن معتقلين و سياسيين من جميع انحاء العالم بأسباب واهية أو حتى دون أسباب، و ظلوا معتقلين هنالك لفترات طويلة غير محددة.

هذا القانون عمل على افراغ الديمقراطية و اجهاضها و التي تتحدث عنها أمريكا كثيرا، و كل ذلك تم تحت شعار مكافحة الإرهاب. الجدير بذكره هنا و بعد إيراد هذين المثالين، أن مثل تلك القوانين التي تسن في مثل هذه الظروف من الصعب الغاءها لاحقا كما برهنت التجارب، و في السودان خير مثال لذلك ما يسمى ( قوانين سبتمبر ) الإسلامية التي سنها نميري لقمع المعارضين و التي لا زالت معلقة فوق الرؤوس .

2

و في ظل حكومة ( بورتسودان – البرهان ) فإن السودان ليس استثناءاً عما قامت به النازية أو أمريكا لاحقا، فنحن نشاهد اليوم استغلال السلطة لظروف الحرب لسلب الديمقراطية و تصفية الحسابات مع شباب الثورة الذى أنهى اسطورة الكيزان. سلطة بورتسودان تنتهك عيانا بيانا حقوق المواطن التي نصت عليها المواثيق الدولية و الإنسانية.

تقوم بالاعتقالات التعسفية على المواطنين ، شباب ثورة ديسمبر، شباب التكايا ، و تصفية لجان المقاومة و الناشطين بدون مبرر و بدون مسوغ قانونى. محاكمات استثنائية جائرة و توجيه تهم جزافية و حتى إصدار الحكم بالإعدام بعد ان اصبح القضاء و النيابة خاضعين لقبضة السلطة التنفيذية المباشر.

كما صار توجيه التهم تحت المواد 26 التعاون، 50 تقويض النظام الدستوري 51 اثارة الحرب ضد الدولة أمر شائعا، و جل هذه التهم تصل العقوبة فيها الى الإعدام و تم ذلك في مواجهة المحامي ابوبكر منصور ،الناشط منيب عبدالعزيز و الكاتب خالد بحيرى.

توجيه تلك المواد للمتهمين القصد منه ليس فقط ازاحتهم من المشهد السياسي بل أيضا إرهاب الآخرين . بالإضافة الى ذلك فقد سنت قوانين عجيبة مثل ( قانون الوجوه الغريبة ) و هو قانون في جوهره عنصري موجه ضد اثنيات بعينها يجوز اعتقالها أو ابعادها !!

المنظمات الدولية المهتمة بحقوق الإنسان رصدت ووثقت لكثير من الجرائم و الانتهاكات التي يقوم بها طرفي الحرب المتنازعين على السلطة، ففي تقرير بعثة تقصى الحقائق التابع للاتحاد الأفريقي ذكر بناءا على ادلة مكتوبة و مقابلات شهود ان القوات المسلحة والدعم السريع مسؤولة عن انتهاكات جسيمة و منهجية بحق المدنيين تشمل الاعتقال التحفظي و التعذيب، الاغتصاب و الاختفاء القسري، كما أكد تلك الممارسات المرصد السوداني لحقوق الإنسان ومنظمة هيومن رايتس ووتش.

3

واضح ذعر السلطة و خوفها من ثورة ديسمبر لذلك تسعى جاهدة لمنع تكرارها من خلال الإجراءات التي تناولتها في الجزء الأول من المقال. لكن هذه السلطة لا تتعلم و لا تقرأ التاريخ فالشعوب لا يمكن قمعها على الدوام و طوال الوقت، فتلك الإجراءات التعسفية قد تبطئ حركة تطور الثورة و لكن لا تمنع قيامها ،و ها نحن نشاهد ما يحدث الآن في إيران من أحداث تشابه ثورة ديسمبر في السودان و رغم القمع و عدد الموتى الذى تجاوز الالفين قتيل فهي في تصاعد و تمضى إلى الامام.

في السودان جذوة الثورة ما زالت متقدة و على الجميع السعي لتكوين الجبهة القاعدية العريضة، التي و بالضرورة سوف تقود إلى اسقاط نظام الكيزان المتدثر بانقلاب البرهان و حتما سوف تنتصر الثورة.

عدنان زاهر

14 يناير 2026

شرح

1- كارل شميت

Carl Schmitt

سياسي و مفكر للنازية و متخصص في القانون الدستوري

2- جوزيف مكارثى – سيناتور أمريكي قاد حملة شعواء في خمسينات القرن الماضي في امريكا بحجة حماية المجتمع من الشيوعية ، ووجهت في الأساس و بشكل خاص ضد المثقفين ، الأدباء و الفنانين و السينمائيين.

عن عدنان زاهر

عدنان زاهر

شاهد أيضاً

أركمانى – أسامة عبدالرحمن النور: توظيف التاريخ للانصهار القومي والاعتزاز بالهوية !

عدنان زاهرelsadati2008@gmail.com 1 الكتابة عن الملك الكوشي ( أركمانى ) تستدعي بالضرورة ذكرى البروف الفذ …