الحكم المدني هو الضمانة لاستقرار هذه البلاد

ليس غريبًا أن يبدو المشهد السياسي السوداني مرتبكًا بعد ثورة ديسمبر المجيدة؛ فالفوضى التي ضربت أطنابها في المشهد لم تولد من فراغ، بل هي نتاج أكثر من ثلاثة عقود من حكم استبدادي فاسد، بدأ بحظر العمل السياسي، ثم أعاده لاحقًا وفق ما عرف بقانون «التوالي» المخادع، الذي لم يهدف لإحياء التعددية، بل لاختراقها والتحكم فيها وجعلها جزءا من واقع الممارسة المشوهة التي يتحكم فيها حزب واحد تديره أجهزة أمنية. استخدم النظام أموال الدولة لشق الصفوف، وصناعة قيادات هشة، وإنشاء تنظيمات وهمية، فكانت النتيجة نشاط سياسي بلا مضمون، وانقسامات بلا نهاية.

ولم يكتفِ ذلك العهد بتجفيف النشاط السياسي والنقابي، بل حارب المجتمع المدني، وعبث بالمناهج التعليمية لتخدم أيديولوجيته، فكبَح الوعي، وأحيا القبلية والعصبيات، وكأن المستقبل عدو يجب كسره مبكرًا. لذلك، حين أسقطت ثورة ديسمبر نظام الإخوان المسلمين، كان طبيعيًا أن تحتاج القوى السياسية إلى وقت لتستعيد أنفاسها وتعيد وصل ما قُطع بينها وبين قواعدها.

ورغم هذا الإرث الثقيل، قدّمت حكومة الدكتور عبد الله حمدوك الانتقالية أداءً لافتًا في زمن قصير. فبرغم مقاومة الدولة العميقة، وتواطؤ لجنة العسكر الأمنية معها، نجحت الحكومة الانتقالية في رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وأعادت بعض الروح إلى اقتصاد أنهكه الفساد، وشرعت في استعادة الأموال المنهوبة، وفتحت أبواب المجتمع الدولي لإعفاء الديون. وحتى لا يدفع الفقراء ثمن الإصلاحات، جاء برنامج «ثمرات» كشبكة أمان اجتماعي، وإن كانت محدودة، لكنها أسهمت في تخفيف عبء الآثار السالبة للإصلاحات الاقتصادية.

في المقابل، تعاملت حركة الإخوان المسلمين مع الدولة كغنيمة حرب. تقاسموا الموارد، وباعوا المؤسسات العامة، ووزعوا عائدات البترول بينهم، وأقصوا الكفاءات لصالح أنصاف المؤهلين من أهل الولاء، فانتشر نهب المال العام بصورة وبائية، وكان طبيعيا نتيجة لذلك أن يتسع نطاق الفقر، وتتسع هوة التهميش.

أما التعليم، فكان الضحية الأكبر. قام النظام بإلغاء مجانية العلاج والتعليم، وتحولت المدارس إلى مشاريع ربحية، وضاع مستقبل أجيال كاملة لأن المعرفة صارت امتيازًا لمن يملك المال. وحين حاولت الحكومة المدنية تصحيح المسار، وإعادة التوازن للمناهج، وتشجيع التفكير النقدي، ودعم مجانية التعليم، جاء انقلاب العسكر المدعومين من الإسلاميين ليجهض كل ذلك، ويعيد الأموال والوظائف للسارقين، ويمهّد الطريق للحرب.

حاول المدنيون إطفاء النار قبل اشتعالها، وحين اندلعت، سعوا لوقفها بكل السبل. لكن ماكينة إعلامية ضخمة، تُصرف عليها ملايين الدولارات من أموال الشعب، تولّت تأجيج الفتن، والتحريض على استمرار الحرب، غير عابئة بدماء الأبرياء ولا بمستقبل البلاد التي بات يتهددها التقسيم. وفي لحظة كان يُنتظر فيها من رأس الدولة أن يدعو للسلام وتطبيق القانون، ارتفعت لغة القصاص بدل السعي لإيقاف النزيف.

إنه إعلام كاذب وفاسد، يهاجم المدنيين ويشوّههم، بينما الحقيقة أبسط وأقسى: من يسعى للحرب لا يريد وطنًا، ومن يعمل للسلام، مهما شُوّه، يظل الرهان الوحيد على مستقبل السودان.
الحكم المدني يظل هو الضمانة الوحيدة لاستقرار هذه البلاد، بعيدا عن العسكر والكيزان الذين لم تورث حقب حكمهم سوى الفتن والحروب وضياع الحقوق وتفتت البلاد.

لا_للحرب

أحمد الملك
ortoot@gmail.com

عن أحمد الملك

أحمد الملك

شاهد أيضاً

النازحون بين مكابدات العيش ومهزلة الترحيل القسري

أحمد الملكortoot@gmail.com لم تتخلَّ الحركة الإسلامية يومًا عن نظرتها المتعالية للشعب السوداني، بل عبّرت عنها …