بقلم: لوال كوال لوال
منذ عقود طويلة يعيش السودان في دوامة من الحروب الداخلية وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، حتى أصبح الصراع جزءًا من يومياته ومن تشكيل وعي أجياله المتعاقبة. ومع كل جولة جديدة من العنف، يتجدد الخطاب ذاته: البحث عن شماعة خارجية تُعلَّق عليها أسباب الفشل، وتوجيه أصابع الاتهام إلى الجيران أو القوى الدولية، وكأن الأزمة السودانية مجرد امتداد لصراعات إقليمية لا علاقة لها ببنية الدولة نفسها. غير أن هذا التفسير، رغم ما يحمله من عناصر جزئية صحيحة، يبقى قاصرًا وخطيرًا في آن واحد، لأنه يؤجل المواجهة الحقيقية مع الذات الوطنية. إن جوهر الأزمة السودانية يتمثل في فشل تاريخي في بناء دولة وطنية جامعة، قادرة على استيعاب التنوع الثقافي والإثني والديني والسياسي الذي يميز المجتمع السوداني. فالدولة التي نشأت بعد الاستقلال ورثت هياكل إدارية وسياسية لم تُصمَّم لإدارة هذا التنوع بقدر ما كانت تعكس رؤية مركزية ضيقة للسلطة والتنمية والهوية. ومع مرور الزمن، تحولت هذه الرؤية إلى مصدر دائم للتوتر، إذ شعرت قطاعات واسعة من المواطنين بأنها خارج معادلة القرار، وأن الدولة لا تعبر عن مصالحها ولا تحمي حقوقها. لقد أدت سياسات التهميش والإقصاء، سواء كانت مقصودة أو نتيجة لسوء الإدارة، إلى خلق بيئة خصبة لاندلاع النزاعات المسلحة. ففي كثير من مناطق السودان، لم تكن الحرب خيارًا أيديولوجيًا بقدر ما كانت رد فعل على غياب الدولة العادلة. حين تغيب الخدمات الأساسية، وتنهار فرص التنمية، ويُحرم الناس من المشاركة السياسية، يصبح السلاح لغة بديلة للتعبير عن المظالم. ومن هنا يمكن فهم كيف تحولت بعض الصراعات المحلية إلى حروب واسعة النطاق، امتدت آثارها إلى بنية المجتمع بأكمله. ورغم وضوح هذه الحقائق، ظل الخطاب الرسمي وغير الرسمي يميل إلى تبسيط المشهد عبر تضخيم دور العوامل الخارجية. فالتدخلات الإقليمية والدولية موجودة بلا شك، لكن تأثيرها يتضاعف فقط عندما تجد بيئة داخلية هشة ومنقسمة. فالدولة القوية بمؤسساتها وعدالتها الاجتماعية تستطيع امتصاص الضغوط الخارجية، بينما الدولة التي تعاني من أزمات داخلية عميقة تصبح ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. لذلك فإن تحميل الجيران وحدهم مسؤولية الحروب الداخلية لا يعكس سوى رغبة في الهروب من مواجهة جذور المشكلة. إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه يرسخ ثقافة الإنكار الجماعي، ويمنع نشوء نقاش وطني صادق حول طبيعة الدولة التي يريدها السودانيون. فالإنكار لا يحل الأزمات، بل يطيل عمرها ويجعل كلفتها الإنسانية والاقتصادية أكثر فداحة. وقد أثبتت تجارب دول عديدة أن الاعتراف بالفشل ليس نهاية الطريق، بل بدايته. فالمجتمعات التي استطاعت تجاوز حروبها الأهلية فعلت ذلك عندما تحلت بشجاعة مراجعة الذات، ووضعت أسسًا جديدة لعقد اجتماعي يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون. إن بناء دولة يسع الجميع في السودان لا يعني مجرد إعادة توزيع السلطة بين النخب، بل يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالدولة الحديثة لا تُقاس بقوة أجهزتها الأمنية، بل بقدرتها على توفير العدالة والخدمات والفرص المتكافئة لمواطنيها. كما أن الاعتراف بالتنوع الثقافي والإثني يجب أن يتحول من شعار سياسي إلى سياسات عملية في التعليم والإعلام والتنمية المحلية، بما يعزز الشعور بالانتماء المشترك ويحد من نزعات الانقسام. ولا يمكن الحديث عن استقرار حقيقي دون معالجة جذور الصراعات القبلية والمجتمعية التي تفاقمت بفعل التنافس على الموارد وضعف مؤسسات الحكم المحلي. فهذه الصراعات، رغم طابعها المحلي، كانت في كثير من الأحيان امتدادًا لأزمة الدولة المركزية وعجزها عن إدارة الاختلاف بوسائل سلمية. ولذلك فإن أي مشروع وطني للسلام يجب أن ينطلق من المجتمعات نفسها، عبر تعزيز المصالحات المحلية، وتمكين القيادات المجتمعية، وإعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة. لقد آن الأوان لإدراك أن السلام ليس وثيقة تُوقَّع في العواصم ولا اتفاقًا يُفرض تحت ضغط اللحظة، بل هو عملية اجتماعية طويلة ومعقدة. تبدأ هذه العملية بإعادة الاعتبار للإنسان السوداني كقيمة عليا، وبالاعتراف بمعاناته وحقوقه، وبإشراكه في صياغة مستقبله. فحين يشعر المواطن بأنه شريك في الوطن لا مجرد تابع، تتراجع جاذبية العنف وتزداد فرص الاستقرار. إن استمرار النخب السياسية في إعادة إنتاج الخطاب ذاته لن يقود إلا إلى مزيد من الدوران في الحلقة المفرغة. فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من التبريرات بقدر ما يحتاج إلى رؤية وطنية شجاعة تعترف بالأخطاء وتعمل على تصحيحها. وهذه الرؤية لن تنجح ما لم تستند إلى إرادة سياسية حقيقية لإقامة دولة القانون والمؤسسات، بعيدًا عن منطق المحاصصات المؤقتة والتحالفات الهشة. كما أن الإصلاح الاقتصادي يمثل ركيزة أساسية لأي استقرار مستقبلي. فالفقر والبطالة وتدهور الخدمات لا تشكل فقط تحديات تنموية، بل عوامل مباشرة في تغذية النزاعات. لذلك فإن الاستثمار في التعليم والبنية التحتية والتنمية المتوازنة بين الأقاليم يجب أن يكون جزءًا من مشروع وطني شامل لإعادة بناء الدولة. فالتنمية ليست ترفًا، بل شرطًا من شروط السلام. وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لا يمكن للسودان أن يظل أسير خطاب الضحية أو عقلية المؤامرة. فالعالم لا ينتظر الدول المترددة، والتاريخ لا يرحم من يرفض التعلم من أخطائه. إن امتلاك الشجاعة للاعتراف بالمشكلات الداخلية هو الخطوة الأولى نحو استعادة المبادرة وصياغة دور إيجابي في محيط إقليمي مضطرب. ختامًا، إن استقرار السودان لن يتحقق عبر البحث الدائم عن أعداء في الخارج، بل عبر بناء وطن عادل في الداخل. وطن يشعر فيه كل مواطن بأن له مكانًا وصوتًا وفرصة. إن الطريق إلى هذا الهدف ليس سهلاً ولا قصيرًا، لكنه ممكن إذا توفرت الإرادة والرؤية والصدق مع الذات. فالدول التي تواجه حقائقها تستطيع أن تنهض، أما التي تواصل الهروب منها فتبقى عالقة في دوامة الأزمات. إن السودان اليوم يقف أمام مفترق طرق تاريخي: إما أن يواصل العيش في وهم التبريرات، أو أن يبدأ رحلة صعبة نحو الاعتراف والإصلاح. وبين هذين الخيارين يتحدد مصير أجيال قادمة، تنتظر دولة تسع الجميع وتمنحها الأمل في مستقبل مختلف.
lualdengchol72@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم