الحماسة الضارّة والمنهجية الضامنة: قراءة نقدية لمقال د. عبد الله إبراهيم

عبد القادر محمد أحمد/ المحامي
aabdoaadvo2019@gmail.com

مواصلةً لتفكيك مقال «حسناء في بيئة قانونية قاصرة»، يُلاحظ أن كثيرين يعتقدون أن تفكيك وإزالة تمكين نظام الإنقاذ، ولا سيما مصادرة الأموال العامة، ينبغي أن يتمّا بإرادة جماهير الثورة، استنادًا إلى التفويض الشعبي، وبعيدًا عن الأطر الدستورية أو القانونية؛ أي في إطار ما يُسمّى بـ«الشرعية الثورية»، على أساس أن بقاء تلك الأموال في أيدي مغتصبيها يشكّل عقبة حقيقية أمام انتقال ديمقراطي نزيه.

ورغم سلامة الهدف، لكن يفوت عليهم أن ثورة ديسمبر، وكسابقاتها، لم تشهد شرعية ثورية حقيقية، بسبب تدخل الجيش بحجة الانحياز للشارع وهيمنته على عملية الانتقال. ولذلك أصبحت عملية إزالة التمكين، ومنها المصادرة، محكومة بالوثيقة، أي ب«الشرعية الثورية الدستورية». فيصبح لا مفر من تناول الموضوع على ضوء السؤال: هل يجوز دستورًا أو قانونا للجنة التفكيك مصادرة الأموال العامة أم لا بد للمصادرة من حكم قضائي؟

وكما أورد أحد الإخوة في تعليقه، فقد نصّت ديباجة الوثيقة على استرداد الأموال المنهوبة كأحد أهداف المرحلة الانتقالية. بل ونصت على تفكيك بنية التمكين كهدف انتقالي، وإنشاء مفوضية مختصة باسترداد الأموال العامة. وفي المقابل، حرصت على حماية حق التملك للجميع، بأن نصّت: «لا تُصادَر الأموال الخاصة إلا بموجب حكم قضائي»، وأن “تستند ولاية القضاء للسلطة القضائية”. وأن “يكون لأي شخص تتخذ ضده اجراءات مدنية أو جنائية الحق في سماع عادل..” المواد 61،30، 52 من الدستور.

يبقى السؤال: ما هو الفرق بين الأموال الخاصة والعامة.؟ الإجابة: للتسهيل؛ يمكن القول إن الأموال الخاصة هي التي يملكها الأشخاص ملكيةً تبدو، في ظاهرها، مشروعة. أما الأموال العامة فهي الأموال التي تكون، في ظاهرها، مملوكة للدولة، ثم آلت إلى حيازة الغير دون وجه حق.

مثال1: موظف عام اختلس أموال حكومية وقام باستثمارها ولآحقا اشتري منزل من استثماراته. المنزل في ظاهره مال خاص، لكنه ملوث بالمال العام. لذلك تسري في حقه المصادرة بعد الادانة القضائية.

مثال2: موظف عام وجدت في حيازته تحفه تاريخية تتبع مكان عمله بالمتحف القومي. هذا مال عام يستوجب الاسترداد اداريا.

ما هو الفرق بين المصادرة والاسترداد ؟ الاجابة: المصادرة لا تكون الا بحكم قضائي لأنها تعد عقوبة جنائية. فلا بد من وجود دعوى أمام القضاء، ولا بد من محاكمة عادلة لإثبات أن المال متحصل من جريمة. أما الاسترداد، فلا يستلزم الادانة، فيمكن أن يكون بقرار إداري. لأنه ليس عقوبة، وإنما إعادة مال الدولة إلى حيازتها.

لكن، يجب ملاحظة أن الاسترداد ايضا، لا يتم تلقائيا، بل يتطلب إثبات أن الأموال المطلوب استردادها أموال عامة، وإثبات عدم مشروعية وجودها في يد الحائز. بما يستلزم التحري عن حقيقة المال، وإثبات دخوله في حيازة المعني دون حق، وتمكينه من حق الدفاع.

وأي استرداد يتم بغير ذلك يُعد إجراءً مخالفًا للقانون، ومن حق المتظلم الطعن فيه أمام القضاء الإداري: (يكفل للكافة الحق في التقاضي. ولا يجوز منع احد من حقه في اللجوء الي العدالة). – المادة 53 من الدستور-. وبهذا يمكن القول إجمالًا، لا فرق بين المصادرة والاسترداد من حيث الحماية القانونية، وإنما ينحصر الاختلاف في توقيت تلك الحماية.

أما قول د. عبد الله إن «ميس التقاضي فرية، حتى في بلاد يكون فيها القضاء سلطة لا وظيفة»، فمع كامل التقدير، فإن الأمر ليس بهذا الاستسهال. صحيح أن القضاء ليس الطريق الوحيد لحسم جميع النزاعات، لكنه يظل الضامن الأخير والوحيد لمشروعية أي حسم. وتُعدّ حالة الاسترداد خير مثال على ذلك؛ إذ إن الحماية القضائية المتوافرة في المصادرة متوافرة كذلك في الاسترداد، غير أن هذه الحماية في الاسترداد تأتي لاحقًا للإجراء، فتغدو هي الضامن لمشروعيته.

أما قضية ريتا كروندول، فلا تصلح للاستدلال بأن القضاء ليس ميس التقاضي؛ إذ يُظهر الرجوع إلى مصادرها الأصلية أن بعض التفاصيل الإجرائية قد تُقرأ بطرق مختلفة تبعًا للمصدر. وهذا الاختلاف لا يمس جوهر الفكرة التي أراد طرحها د. عبد الله، لكنه يقتضي التدقيق في توصيف الإجراء من زاويته القانونية الدقيقة.

لقد أدان القضاء الجنائي ريتا بالاختلاس باقرارها وشراء خيول وسيارات بالمبلغ المختلس، وحكم عليها بالسجن ورد المبلغ المختلس بمصادرة الأصول التي اشترتها به Forfeiture وأمر باسترداد المبلغ الناتج عن بيع الأصول لصالح مدينة ديكسون Restitution. وكان دور وزارة العدل هو تمثيل الادعاء والحجز التحفظي على الأموال حماية من التبديد أو التصرف.

حديث د. عبد الله عن دور وزارة العدل الأمريكية في حجز الأموال قبل المحاكمة أربك طرح فكرته، لما انطوى عليه من خلطٍ بين المصادرة والاسترداد والحجز التحفظي. فبالوقوف الدقيق على التفاصيل، يتبين أن الإجراء الذي اتخذته وزارة العدل لم يتجاوز الحجز الإداري التحفظي (Freezing).

ولما كانت الأموال المحجوزة تشمل نحو (400) حصان، فقد أُجيز لاحقًا بيعها قبل صدور الإدانة القضائية. غير أن ذلك لم يكن إجراءً إداريًا صادرًا عن الوزارة، بل إجراءً قضائيًا استثنائيًا تم بموافقة المحكمة، وتحت إشرافها المباشر، وبموافقة المتهمة نفسها، وذلك بالنظر إلى أن إعاشة الخيول وإدارتها خلال فترة التقاضي تمثل عبئًا ماليًا عالي التكلفة.

وعليه، فقد أُجيز البيع باعتباره إجراءً تحفظيًا، وتم إيداع العائد في حساب محجوز (Escrow Account) ليظل خاضعًا لولاية القضاء، إلى حين صدور الحكم القضائي. وقد استند هذا الإجراء كذلك إلى ما كشفته التحريات من توافر البينة المبدئية، ووجود نص قانوني إجرائي يعطي القاضي حق اتخاذ هذا الإجراء.

ويُلاحظ أنهم يُسمّون هذا الإجراء Court-Authorized Interlocutory Sale. ولا حرج كذلك في تسميته Pre-Forfeiture Sale of Assets، باعتبار أن المصادرة النهائية ستصدر أيضا من المحكمة.

والجدير بالقول أن النظام القانوني السوداني لا يخرج عن هذا الإطار؛ إذ يجوز للقاضي، في حدود سلطاته التقديرية، أن يأذن ببيع الأموال المحجوزة تحفظيًا، في مرحلة التحريات، متى ثبت أنها سريعة التلف أو نحو ذلك. ويُحفظ العائد تحت يد القضاء إلى حين الفصل في القضية. فهذا الإجراء يهدف إلى حفظ قيمة المال، وهو لصالح المتهم.

وبالتالي، فإن قضية ريتا كروندول لا تصلح سندًا للقول بجواز الاستيلاء الإداري على الأموال أو التصرف فيها قبل الحكم، فجوهرها يقوم على الإذن القضائي، والطابع التحفظي، وبقاء الملكية والنزاع معلقين إلى حين الفصل القضائي.

وبعد،
فإنه لا خلاف حول أهمية تفكيك وإزالة تمكين نظام الإنقاذ لإحداث الانتقال من دولة الاستبداد إلى دولة القانون. غير أن الاندفاع غير المنهجي وراء الفكرة جعل كثيرين يستغشون آذانهم عن سماع ما يخالف رأيهم، ويجعلون الانحياز الكامل لعمل اللجنة معيارًا لتوزيع صكوك الوطنية، فأضرّوا بالفكرة من حيث لا يقصدون.

أما د. عبد الله فقد اختزلها في «حسناء في بيئة قانونية قاصرة»، بينما الواقع أنها كانت أعقد بكثير مما يتصور الجميع. وهذا ما سأُسهب في تناوله لاحقًا.
نواصل …

عن عبد القادر محمد أحمد/المحامي

عبد القادر محمد أحمد/المحامي

شاهد أيضاً

القوى المدنية: غياب سببه الخلط بين الاندماج السياسي ووحدة الصف الوطني والتنسيق

عبد القادر محمد أحمد / المحاميaabdoaadvo2019@gmail.com في تصريح لوسائل إعلام عالمية، قال د. حمدوك إن …