زهير عثمان
صديقي العزيز وأستاذي الدكتور صديق الزيلعي، متّعك الله بالعافية، ولك تحية طيبة
اطلعت باهتمام على مقالك الثامن في دعوتك المتواصلة إلى الحوار مع اليسار الماركسي في السودان، وهي دعوة أراها مهمة في هذا الظرف الاستثنائي الذي يمر به بلدنا. وأعتقد أن قيمة هذه الدعوة لا تكمن فقط في إعادة قراءة تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، وإنما في محاولة فهم ما بقي صالحاً من ذلك التراث، وما يحتاج إلى مراجعة، وما الذي عجزت التجربة عن تحويله من ممارسة سياسية إلى نظرية سودانية مكتملة
وما يميز الحزب الشيوعي السوداني، في تقديري، ليس فقط قدرته على المناورة السياسية، وإنما قدرته في مراحل عديدة على تحويل المرونة التكتيكية إلى ممارسة سياسية أصيلة، حتى عندما بدت بعض مواقفه متناقضة في ظاهرها. خذ مثلاً موقفه من اتفاقية الحكم الذاتي لعام 1953؛ فقد رفضها الحزب بشدة، وهاجمها سياسياً، وتبنى اتحاد العمال تحت قيادته الإضراب العام ضدها، بل وصف عبد الخالق محجوب الاتفاقية بأنها إنقاذ للاستعماريين من تطور الحركة الجماهيرية. ومع ذلك، شارك الحزب في الانتخابات التي أُجريت بموجبها جنباً إلى جنب مع بقية القوى السياسية
قد يبدو هذا تناقضاً إذا قُري بمعيار الموقف السياسي الجامد، لكنه يصبح أكثر قابلية للفهم إذا قُري باعتباره تمييزاً بين الموقف من الاتفاقية نفسها، والموقف من الأدوات السياسية التي أفرزتها. وتتكرر المسألة في تجربة المجلس المركزي خلال الحكم العسكري الأول؛ ففي الوقت الذي قررت فيه أحزاب أخرى مقاطعة الانتخابات، اختار الحزب الشيوعي المشاركة باعتبارها شكلاً من أشكال الصراع السياسي مع النظام، وليست اعترافاً بشرعيته
ولكن الرد على مقالك لا يكتمل، في رأيي، من دون التوقف عند المسألة الجنوبية؛ فقد كان الحزب من أوائل القوى السياسية التي طرحت فكرة الحكم الذاتي للجنوب، رافضاً التعامل مع القضية باعتبارها مجرد تمرد أمني. ومع ذلك، فإن التجربة تكشف أيضاً حدود التحليل الطبقي عندما يواجه مجتمعاً شديد التعقيد ثقافياً وإثنياً وتاريخياً، حيث حاولت الماركسية السودانية قراءة القضية من خلال مفاهيم التخلف والطبقات، وهي قراءة كشفت بعض الجذور لكنها لم تكن كافية لاستيعاب الأبعاد الثقافية والهووية
وهنا تحديداً يظهر الفرق بين الماركسية كمنهج يستطيع التعلم من الواقع، والماركسية كعقيدة جاهزة تحاول إخضاع الواقع لقوالبها. ولعل أهم ما أضيفه إلى دعوتك هو أن أزمة الحوار لم تكن وحدها بين الماركسية والآخرين، بل كانت في مراحل مهمة داخل الحزب نفسه، حيث شهدت العقود الأولى حيوية فكرية تلتها مرحلة أكثر تعقيداً، مما يبرز الحاجة إلى نقد داخلي حقيقي يتجاوز سردية الانتصارات المتصلة
أما مسألة علاقة الحزب بالاتحاد السوفيتي، فهي تحتاج إلى قراءة أكثر تركيباً؛ فالحزب احتفظ بمسافة فكرية عندما تعارضت موسكو مع تقديراته للواقع السوداني، وتجربته مع نظامي عبود ونميري تكشف أن العلاقة لم تكن تلقياً آلياً، والسؤال الأهم ليس مدى القرب، بل إلى أي مدى استطاع الحزب إنتاج معرفة سياسية مستقلة
وهنا أصل إلى قلب سؤالك؛ لقد امتلك الحزب تراثاً غنياً، لكنه لم ينجح بعد في تحويل خبرته المتراكمة إلى نظرية سودانية مكتملة مستقلة عن المقولات الموروثة. والخطر يبدأ عندما تتحول التجربة السابقة إلى مرجعية مغلقة، وعندما يصبح الدفاع عن صحة الموقف التاريخي أهم من اكتشاف نقائصه
إن تجربتنا نحن -الذين حاولنا أن نأتي من موقع الاشتراكيين الثوريين، وأن نولد بعيداً عن التجربة التنظيمية والفكرية التي سبقتنا- تكشف بدورها مفارقة لا يمكن تجاهلها؛ فقد خضنا سجالات وبحثنا عن صيغة اشتراكية تختلف عن القصور السابق، لنكتشف أن مجرد الابتعاد عن التجربة لا يعني تجاوزها، وأن رفض القوالب القديمة لا يكفي لصناعة نظرية جديدة
لذلك، فإن الحوار الذي تقترحه ينبغي ألا يكون حواراً بين “تجربتكم” و”تجربتنا” فقط، بل حواراً بين أجيال اليسار السوداني حول سؤال لم نحسمه بعد: كيف تتحول الاشتراكية من تراث فكري إلى مشروع سوداني قادر على قراءة مجتمعنا كما هو، لا كما ينبغي أن يكون وفقاً للنص؟
فالتجربة التي لا تراجع نفسها تتحول إلى ذاكرة، والذاكرة التي لا تتحول إلى معرفة تصبح أرشيفاً مغلقاً لا ينتج مستقبلاً، والنظرية التي لا تتجدد من رحم الواقع تحولت عاجلاً أم آجلاً إلى أيديولوجيا نصية.. والنص، مهما كان عظيماً، لا يوقف الحرب
وهذا هو محور السجال الآن بيننا.
