الحَجُّ عَرَفَة .. بقلم: إمام محمد إمام

يُعتبر الوقوفُ بعرفة أعظم أركان الحج، بالنسبة للحاج الذي يعتزم أداء مشاعر فريضة الحج. والحجُ يُشكل الركن الخامس في الإسلام، وارتبط بالاستطاعة، تيسيراً وتخفيفاً على غير المستطيعين، حتى لا يستشعروا بنقصٍ في أداءِ أركان الإسلام .فالحجُ عرفة، يعني أن الوقوف بعرفة إذا فات وقته دون أن يقف الحاجُ بهذا المشعر، فقد فات عليه الحج في ذلك العام، بخلاف غيره من الأركان التي يمكن تداركها. وفي ذلك قال الحافظ بن حجر العسقلاني في الفتح: “الحجُ عرفة”، أي معظم الحج وركنه الأكبر .
وأحسبُ أن هنالك أدلة من السُّنة تؤكد حقيقة أن الحجَ عرفةٌ، ومن ذلك ما ثبت في سُننِ محمد بن عيسى الترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم: “أنّ نَاساً مِنْ أهْلِ نَجْدٍ أتَوْا رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – وهُوَ بعَرَفَةَ، فَسَأَلُوهُ فَأَمَرَ مُنَادِياً فَنَادَى: الحَجُّ عَرَفَةُ. مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَقَدْ أدْرَكَ الحَجّ..”. وقد قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني إنه حديث صحيح، وتخصيص هذا اليوم بالوقوف بعرفة هو من الأمور التي لا يعلم كنهها المسلم، لكن عليه التسليم لها، فقد يكون تشريعها على هذا الوجه ابتلاءً واختباراً للمسلم، إذ إنه من الضروري أن ينقاد لأمر الله تعالى، حتى وإن لم يُدرك عقلانياً الحكمة من مثل هذا التشريع. فالإيمان فيه كثيرٌ من ما يعقل، أي العقليات، وفي الوقت نفسه، بعض من الغيبيات، فليتكامل إيمان المسلم بما يعقله عقلاً، أو تُخفى عليه الحكمة من غيبيات يجهلها، ولكنه مأمور بأن يؤمن بها.
أحسبُ أنّ عظمة الوقوف بعرفة الذي سيشهده جبل عرفات في المشاعر المقدسة يوم الجمعة المقبل، يأتي من كونه ذروة أركان الحج، وتبدأ شعيرة يوم عرفة بصلاة الحجاج الفجر في منىً، ثم ينتظرون إلى شروق الشمس، ثم يسلكون طريقهم إلى عرفة وهم يرددون: “لبيك اللهم لبيك”، ويمكث الحجيج في عرفة حتى غروب الشمس ثم ينفرون إلى مزدلفة مع غروب الشمس، وبذلك يكونون قد شهدوا أعظم ركن في الحج.
أخلصُ إلى أنه اختلف في سبب تسمية عرفة وعرفات على أقوال، منها أنه من العرف بمعنى الرائحة الذكية، وذلك لأن منىً تصبح رائحتها لكثرة الذبح متغيرة. أما عرفات فلا يصيبها ذلك أو لأنها مطيبة بالتقديس، فهي وادٍ مقدسٌ، معظم العباد يتعرفون على ربهم بالطاعات والعبادات، وقيل من الصبر لأن العارف والمعروف هو الصبور. وقيل لأن الله بعث جبريل عليه السلام إلى إبراهيم فحج به، حتى إذا أتى عرفة، قال: “عرفت وكان قد أتاها مرة قبل ذلك، قال له: عرفت. وقيل أن آدم وحواء تعرفا بعد الهبوط إلى الأرض من هنا يدعو الذين لم يكتب لهم الحج هذا العام أن يكثروا من الدعاء والعبادة، لأن يوم عرفة فضله عظيم وثوابه جسيم.
ولنستذكر في هذا الصدد، قولَ الله تعالى: “الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ”.
وقول الشاعر العربي، لسان الدين أبو عبد الله بن الخطيب:
زمراً   بين    فُرادى  وثنا    مثلما يدعو الحجيج الموسم

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

السودان بين حروب الموارد وأقنعة الهوية -قراءة لكتاب

زهير عثمانzuhair.osman@aol.comقراءة في كتاب د. محمد سليمان محمد على ضوء الحرب الجاريةفي خضمّ الحرب المدمّرة …

اترك تعليقاً