الخرطوم “جنة خضراء” – من الرؤية إلى التنفيذ (الجزء الثاني)

بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

هذة تكملة المقال السابق. وكان السؤال كيف نستفيد من تجربة إنجلترا كنموذج في توفير مساحات خضراء لتكون الخرطوم جنة خضراء لمتعة المواطن؟

هذا السؤال يعيدنا إلى تسليط الضوء على المفارقة الكبيرة بين عاصمتين كبيرتين في اعتبار المساحة الجغرافية وعدد السكان. فالخرطوم، التي تقع على ملتقى النيلين الأزرق والأبيض (أغنى أنهار العالم)، تعاني من ندرة المساحات الخضراء الحقيقية! بينما لندن، مدينة تجارية – صناعية بنيت على نهر صغير (التايمز)، حوّلت نفسها إلى عاصمة خضراء عالمية.
هذه المفارقة تُظهر أن التحدي ليس في توفر الموارد الطبيعية، بل في الإدارة والتخطيط والرؤية المستقبلية الحكيمة .

كيف تستفيد الخرطوم من تجربة لندن (خاصة إذا اعتبرنا فيها هايد بارك كنموذج يحتذى)؟

  1. الرؤية الاستراتيجية “أولاً واخيراً “برفع شعار”الخرطوم جنة خضراء على النيل”
    جعل المساحات الخضراء أولوية وطنية، وليست مشروعاً ترفيهياً ثانوياً. ويجب أن تكون جزءاً من هوية المدينة الوطنية الشاملة والسياحية الجاذبة.
    اعتبار النيل وأراضيه الخصبة رأسمال وطني بيئي لا يُهدر، وليس مجرد مصدر مياه.
  2. التخطيط الحضري القائم على “أولوية اللون الطبيعي الأخضر” (مثل لندن)
    حزام أخضر: بتخصيص أراضي على ضفتي النيل (خاصة داخل المدينة) متنزهات قومية تمتد عبر المدينة، مثل “هايد بارك الطولي” على النيل. هذا يتطلب إزالة المرافق الحكومية والخاصة من مساكن وغيرها من على ضفاف النيل وتعويض ملاكها

حدائق حيوية متصلة: ربط المساحات الخضراء ببعضها عبر ممرات خضراء للمشاة والدراجات، لإنشاء شبكة بيئية.
تحديد المناطق المكتظة بالبناء (الحكومي والخاص) ووقف التعدي على الشريط النيلي، واستبدال كل تلك المباني بحدائق عامة.

  1. تطوير نموذج “حديقة النيل المركزية” (مشروع ضخم رمزي)
    تحويل جزء من الضفة (مثلاً من المقرن إلى بحيرة جبل أولياء) إلى حديقة قومية كبرى تضم:
    متنزهات عائلية (كما في الريجنت بارك المعروفة ).
    بحيرات صناعية متصلة بالنيل لممارسة الرياضات المائية الآمنة (التجديف، الزوارق) – وليس السباحة لخطورة التيار.
    مسارات للمشي والجري والدراجات مظللة بأشجار محلية.
    مراكز للتعليم البيئي عن نهر النيل وتنوعه الحيوي.
    مساحات مفتوحة للحفلات الموسيقية والفعاليات (مثل سيرك هايد بارك).
  2. الاعتماد على النباتات المحلية والتقنيات الذكية
    استخدام أشجار ظل محلية مقاومة للجفاف والحرارة (كالطلح، النيم، المهوقني، اللبخ، الهجليج).
    تطبيق أنظمة الري بالتنقيط أو المياه المعالجة لتقليل استخدام مياه النيل العذبة.
    إنشاء حدائق مطرية تستوعب مياه الأمطار وتحافظ عليها.
  3. الحوكمة والتمويل: شراكة مبتكرة
    تكوين مؤسسة مستقلة لإدارة حدائق الخرطوم الكبرى (كسلطة هايد بارك).
    تمويل مختلط: جزء من الحكومة، جزء من استثمار خاص (مقاهي، مراكز خدمات بسيطة)، وجزء من منح دولية للبيئة.
    برنامج “شجرة لكل مواطن” أو”تطوع من كل شخص من أجل الخرطوم الخضراء” لزراعة مليون شجرة.
  4. التوعية والتربية الوطنية : غرس ثقافة الخضرة والنظافة العامة في المجتمع منذ الطفولة
    جعل اهمية المساحات الخضراء جزءاً من المناهج التعليمية.
    تنظيم فعاليات أسبوعية في الحدائق (رياضة، فن، سوق زراعي، معارض زهور).

التحديات الخاصة بالخرطوم وكيفية التغلب عليها:

.1 المناخ الحار: الحل في الإكثار من أشجار الظل الكثيفة والمسطحات المائية التي تخفف الحرارة.

  1. الأمن والاستقرار: يجب أن تكون الحديقة مكاناً آمناً للجميع بإدارة جيدة وإضاءة وحراسة كاميرات وخفر. هذا واجب البلدية وجهاز أمنها
  2. المياه: النيل موجود، “بل في الواقع نيلين” ولكن يجب ترشيد استخدام هذه المياه العذبة وثمينة عبر تقنيات الري الحديثة.

ايضا أختم بهذا الإقتراح وأرجو أن يجد تشجيعا جاداً: إحياء “متنزه المقرن الأخضر”

الموقع: منطقة المقرن (ملتقى النيلين) – رمزية الموقع هائلة، رائعة وسياحية “الأساس أصلاً موجود”.
الفكرة: تحويله إلى هايد بارك الخرطوم، مع بحيرة صناعية آمنة، ومسرح مفتوح، ومتحف يطل على النيل.

الرسالة والغرض من هذا المقال:الخرطوم ليست “شبه صحراء”، بل واحة النيل العظمى إذا وجدت عناية مهندس “فنان” وسخاء التمويل والعناية من الحكومات. نحن والبلديات السبب في التصحر والجفاف ليس في الخرطوم فحسب بل في كل مدن السودان.أين دور عائد الضرائب التي يدفعها المواطن كل يوم وكل سنة؟

الخلاصة: الخرطوم لديها إمكانات طبيعية تفوق لندن بكثير (النيل، التربة الخصبة ، الشمس). ما ينقص هو ما ذكر أعلاه “التخطيط الحضري الطموح والإرادة السياسية لتحويل هذه الإمكانات إلى واقع”.
النجاح إذا تحقق سيكون له تأثير مزدوج: تحسين جودة الحياة للمواطنين و إعادة تعريف صورة السودان العالمية والسياحية كدولة تعتز بتراثها الطبيعي وتستثمر فيه لأبنائها.

تذكرة مرة ثانية وأخيرة ، لكل سوداني: “هايد بارك لم تخلق بين ليلة وضحاها، بل هي نتاج قرار وقرون من الاهتمام المتواصل”. الخرطوم تستحق أن تبدأ رحلتها الخضراء الآن.

“الأعزاء”، أطرح هذه الأسئلة على كل قارئ:

  1. متى آخر مرة جلست لوحدك في تأمل أو مع أسرتك أو أصدقاء لك ومعارف تحت ظل شجرة على ضفة النيل في الخرطوم؟
  2. ماذا ستفعل لو كانت هناك حديقة جميلة وفيها كل وسائل الراحة والرفاهية بالقرب من منزلك؟
  3. هل أنت مستعد بتلقاء نفسك أو إذا دعيت لزراعة شجرة واحدة هذا العام ؟”. أذكر هنا عندما كنت في السويد في تسعينيات القرن الماضي أتي في اجتماع صباح الإثنين رئيس قسم الكلى مسروراً بأنه كان ضمن متطوعين، فقام وحده خلال عطلة الأسبوع بغرس ألف شتلة في أحد الغابات البرية المجاورة للمدينة. في السويد إذا قطعوا شجرة غرسوا في مكانها شتلة من نفس النوع. ديدنهم بقاء الغابات والحياة النباتية بأنواعها. الغابات مصدر الخشب الذي بدونه لا تستوي الحياة في بيوتنا وحتى المكاتب. أقترح منع قطع الأشجار العشوائي وبدون إذن رسمي من البلدية أو مصلحة الغابات والبيئة

ملحوظة: ليست هذه أول مرة أتطرق فيها لهذا الموضوع الهام، رجاءً راجعوا إرشيف سودانايل
Alarabi AA © Sudanile February 2026

aa76@me.com

عن د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

شاهد أيضاً

موقف السيارات – عندما تتعدد فيه المواقف

موقف السيارات – عندما تتعدد فيه المواقفقصة من واقع صباح هذا اليوم بقلم د. طبيب …