كتب د. محمد عبد الحميد أستاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية
الخرطوم: طوابير الجازولين وبراميل السلاح.. احتقانٌ ينتظر شرارة
بصفتي متخصصاً في إدارة مخاطر الكوارث، لفت نظري مشهدٌ مقلق للغاية في أحد.محطات الوقود… اذ تصطف طوابير طويلة من الحافلات والشاحنات والبصّات السفرية وسائر وسائل النقل البشري و التجاري .. فيما ينتظر السائقون ساعات طويلة للحصول على الجازولين الذي أصبح شحيحاً يوماً بعد يوم.
هذه المركبات هي شريان أساسي لحركة المسافرين والبضائع ونقل السلع واستمرار النشاط التجاري. فالجازولين هو السلعة التي تحرّك عجلة الاقتصاد، وأي تعطل في عمل هذه المركبات يمتد أثره إلى مصادر رزق الناس والأسواق والحياة اليومية للمواطنين.
ويزيد الوضع خطورةً وصولُ مركبات مسلحة تتبع لمجموعات عسكرية مختلفة، بعكس صفوف المركبات التجارية التي ينتظر سائقوها بصبر.
وهنا تبرز مفارقة جوهرية… فالجازولين سلعة يتشارك في استخدامها المدنيون بسيارات النقل العام، والعسكريون بسيارات الدفع الرباعي، فأيهما أولى بالصرف؟ ولمن تكون الأولوية؟ فالعساكر على اختلاف تشكيلاتهم يرون أنهم أحق بالصرف وليس لهم أن ينتظموا في الصفوف، في حين يرى المدنيون أن أعمالهم تتعطل وهم يقضون سحابة نهارهم في الصف، وقد لا يحصلون على الوقود في نهاية المطاف.
والأمر لا يقتصر على ملء خزانات المركبات العسكرية، وإنما يمتد إلى تعبئة عدد من البراميل التي تُحمَل على ظهور تلك المركبات، بما يعني الاستحواذ على كميات كبيرة من سلعة شحيحة، في وقت ينتظر فيه أصحاب مركبات النقل التجاري ساعات طويلة، قد تصل إلى نصف يوم أو أكثر، فيخرج بعضهم بلا وقود لأن الكميات المتاحة ذهبت إلى البراميل المحمولة على ظهر تلك المركبات.
إن هذا المشهد مرشح لزيادة التوتر والاحتقان وسط المنتظرين، الذين يشاهدون بأعينهم تجاوز صفوفهم والاستحواذ على كميات إضافية من الجازولين، بينما يلتزمون هم الانتظار ويتحملون كلفة الوقت وتعطُّل مصالحهم. وفي ظل وجود أسلحة على متن تلك المركبات، فإن أي احتكاك قد يتجاوز حدود المشادة الكلامية إلى عواقب يصعب احتواؤها. وفي بيئة ينتشر فيها السلاح بسهولة وتشتد فيها التوترات أصلاً، قد يتحول أي احتكاك في محطة وقود بسرعة إلى اشتباك مسلح، يعرّض المدنيين والعاملين في المحطات والممتلكات للخطر.
وفضلاً عن المخاطر الأمنية، فإن هذا الوضع يثير مسألة تتعلق بحقوق المواطن المدني ومبدأ المساواة في الحصول على الموارد الشحيحة. فعندما يُمنح من يحمل السلاح أولوية غير منظمة أو غير معلنة في الحصول على الوقود، تنشأ عملياً حالة من التمييز غير المعلن لصالح كل من يرتدي الكاكي، على حساب مواطنين يعتمدون على مركباتهم في نقل الركاب والبضائع وتأمين سبل عيشهم.
ومن هنا، فإن تخصيص محطات أو مرافق مستقلة لتزويد التشكيلات العسكرية والمسلحة بالجازولين، سيكون إجراء وقائي يمكن أن يسهم في الحد من الاحتكاكات، وحماية المدنيين، وصون مبدأ المساواة، وضمان استمرار حركة النقل التجاري، عبر نظام منظم وشفاف.
والمسألة في نهاية المطاف هي مسألة سلامة عامة واستمرارية اقتصادية ومنع كارثة يمكن تفاديها. وجدير بالتذكير ان الخرطوم عانت ما يكفي، ولا ينبغي أن ننتظر مواجهة في محطة وقود لتتحول مخاطرة متوقعة إلى مأساة جديدة.
وفي إدارة مخاطر الكوارث، لا يكفي تحسّس المخاطر الناجمة عن وجود التشكيلات المسلحة في الأماكن المدنية، إذ يمثل استباقها والتحرك قبل وقوعها أداة ذات جدوى عالية افضل بما لا يقارن من الاستجابة بعد سقوط الضحايا.
د. محمد عبد الحميد
prof.mohamed.ahameed@gmail.com
