باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 2 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

الخصومة في مهدية السودان، وصيّة أبي سليم الأخيرة

اخر تحديث: 1 أكتوبر, 2026 10:47 مساءً
شارك

الخصومة في مهدية السودان، وصيّة أبي سليم الأخيرة
قراءة في منهج شيخ محقّقي المهدية ومصادره وموقفه منها بين أنصارها وخصومها

د. الرشيد خليفة
كتابٌ يصدر بعد صاحبه
من عادة المؤلّفين أن يقفوا على باب كتبهم يستقبلون القرّاء ويردّون على النقّاد، غير أنّ محمد إبراهيم أبا سليم اختار، أو اختار له القدر، أن يترك آخر أسفاره يتدبّر أمره وحده. فقد صدر بعد رحيله كتابه الأخير «الخصومة في مهدية السودان» الذي وضع فيه خلاصةَ رأيه في المهديّة بين مؤيّديها ومعارضيها [1]. وكأنّ الرجل الذي قضى نصف قرن يستنطق الوثائق الصامتة أراد أن يمنح كتابه الأخير امتياز الوثيقة وصفتها، أي أن يتكلّم بعد موت كاتبه.
والكتاب ليس رسالةً صغيرة تُقرأ بين صلاتين، بل، سِفرٌ في نحو ست وستين وخمسمائة صفحة، صدر عن مركز أبي سليم للدراسات في الخرطوم سنة 2004م، وعنوانه الفرعي يكشف طموحه كلّه، فهو «كتاب في تاريخ فكرة المهدية إسلامياً وسودانياً» [2]. أي أنّ الرجل لم يكتفِ بمهدية محمد أحمد بن عبد الله، بل، عاد بالفكرة إلى مهدها الأوّل في القرن الهجري الأوّل، ثم تتبّعها وهي تعبر الكوفة والقاهرة الفاطمية والمغرب وبلاد الهوسا، قبل أن يصل بها إلى الجزيرة أبا وقدير وشيكان.
الرجل قبل الكتاب، من سركمتو إلى دار الوثائق
وُلد أبو سليم في قرية سركمتو بالولاية الشمالية في السابع والعشرين من يوليو 1927م، ودرس الابتدائية في عبري ثم المتوسطة والثانوية بوادي حلفا، وتخرّج في جامعة الخرطوم سنة 1955م، والتحق فور تخرّجه بمكتب صغير لحفظ الوثائق في وزارة الداخلية، فما لبث المكتب الصغير أن صار على يديه دار الوثائق القومية، ونال الدكتوراه في فلسفة التاريخ من جامعة الخرطوم سنة 1966م، وتوفي في الخرطوم في السابع من فبراير 2004م [3]. ومعنى ذلك أنّ الكتاب الذي بين أيدينا خرج إلى الناس في السنة نفسها التي غادرهم فيها صاحبه.
ومن سخرية الجغرافيا أنّ الرجل الذي أنقذ ذاكرة السودان المكتوبة من الغرق في الأدراج جاء من ذلك الشمال النوبي الذي غرق كثير من قراه فعلاً تحت مياه السدّ العالي [1]. فكأنّه عوّض النوبة عن قراها الغارقة بدار وثائق لا يبلغها الماء.
وقد شهد له أقرانه بما يغني عن الإطراء، فقد رصد تلميذه أحمد إبراهيم أبو شوك سيرته محقّقاً ومؤرّخاً في كتيّب مستقلّ [4]، ونقل خالد محمد فرح عن يوسف فضل حسن وهو صنو أبي سليم منذ وادي سيدنا الثانوية أنّه رفد المكتبة بقرابة ثمانين كتاباً وبحثاً تقف على قمّتها مؤلّفاته في المهدية، وأنّه عاش في ثقة الأنظمة المتعاقبة على اختلاف مشاربها، فكرّمته مايو، ثم كرّمه الأنصار، ثم قلّدته الإنقاذ وساماً [5]. وهذه، لو تأمّلنا، معجزةٌ سودانية صغيرة، أن يرضى عنك العسكر والأحزاب والأنصار في آن، ولا يُكتب عنك تقرير أمني واحد.
هيكل السِّفر، كتابان في جلد واحد
يصرّح أبو سليم في مقدّمته بأنّه قسم سِفره كتابين، كتاب المهدية وكتاب الخصومة، أرّخ في الأوّل لفكرة المهدية تأريخاً متصلاً منذ نشأتها في تاريخ الإسلام إلى أن بلغ مهدية السودان، وأرّخ في الثاني للخلاف والخصومة، ثم نبّه إلى أنّ الكتابين متداخلان لأنّ استكمال الصورة يضطرّه إلى العبور من أحدهما إلى الآخر [2]. وهذا اعتراف منهجي نادر، فكثير من المؤلّفين يتظاهرون بأنّ أبوابهم محكمة الإغلاق كخزائن المصارف، أمّا أبو سليم فترك الباب بين الغرفتين مفتوحاً وعلّق عليه لافتة تقول إنّه مفتوح عمداً.
ثم إنّه اختار لفظ «الخصومة» بعد تقليب، لأنّه رآه أقرب إلى وصف الحال من ألفاظ أخرى [2]. والفرق ليس لفظياً، فـ«الخلاف» يوحي بطاولة مستديرة وأكواب شاي، و«الخصومة» توحي بما حدث فعلاً، مناظرةٌ بدأت بالرسائل وانتهت بالسيوف، ثم عادت إلى الرسائل بعد أن هدأ الغبار.
وأهدى الكتاب إلى روح الإمام المهدي الذي زرع في ثرى السودان أعظم ثورات المهدية، ثم إلى أرواح الشهداء من الجانبين [2]. وهذا الإهداء المزدوج وحده يصلح مفتاحاً لقراءة الكتاب كلّه، وسنعود إليه عند الحديث عن موقف المؤلّف.
المنهج، أرشيفيٌّ يقرأ العقيدة
يقوم منهج أبي سليم في هذا الكتاب على ثلاث ركائز يمكن استخلاصها من تصريحاته هو قبل استنباطها من صنيعه.
الركيزة الأولى أن يعرض المهدية كما طرحها صاحبها لا كما رواها خصومه، ولذلك تتبّع أخبارها في أسفارها واستنطق أدبيات المهدي الغزيرة إلى المدى الذي بلغه اجتهاده [2]. وهذا امتداد طبيعي لمشروعه الأكبر، فهو محقّق «الآثار الكاملة للإمام المهدي» وناشر سلاسل المنشورات والمحرّرات، ومن جمع بيده أرشيف دولة كاملة لا يرضى أن يُحاكَم أصحابه بأقلام سجّانيهم وغزاتهم وحدهم.
الركيزة الثانية أن يتتبّع أخبار المعارضين ويجمع أدبياتهم وينظر فيها نظرة فاحصة، حتى يكون عرضه للخصومة وتقويمه لها قائمين على النظر الموضوعي الدقيق، كما قال هو [2]. أي أنّه لم يكتفِ بسماع الخصم من فم المهدي، بل، ذهب إلى الخصم في داره وقرأ رسائله بنفسه.
الركيزة الثالثة، وهي أذكى الثلاث، أنّه عالج المهدية بوصفها «فكرة» لها تاريخ وجذور ومذاهب، لا بوصفها «حادثة» سودانية منبتّة. ولذلك أدخل في عرضه أدبيات ليست متصلة بالمهدية مباشرة، ولكنّها تنير جانباً منها، ومثّل لذلك بمبشّرات الختم التي تبيّن أنّ محمد عثمان الميرغني اعتمد في تبنّي فكرة الختم على التلقّي من الرسول، وهو المستند نفسه الذي اعتمده المهدي في مهديته [2]. وهذه ملاحظة سنعود إليها، لأنّها تحمل في طيّاتها قنبلة صغيرة لم يشأ المؤلّف أن ينزع فتيلها بنفسه.
المصادر، من ابن خلدون إلى صناديق الدار
تتوزّع مصادر الكتاب على طبقات أربع.
الطبقة الأولى كتب الحديث والتراث الإسلامي الجامعة لأخبار المهدي، وقد أشار المؤلّف إلى مصنّفات حديثية بعينها بوصفها مستودعات لمئات الأحاديث، منها مصنّف «المهدي الموعود المنتظر عند علماء أهل السنة والإمامية» لنجم الدين جعفر بن محمد العسكري [2]. ويقف في هذه الطبقة ابن خلدون وقفة خاصة، إذ جعل أبو سليم فصله الشهير في أمر الفاطمي (المهدي المنتظر) مرجعاً لكلّ قول يُنسب إليه في الكتاب [2]، وهو الفصل الذي فحص فيه ابن خلدون أسانيد أحاديث المهدي واحداً واحداً، وأورد فيه أخبار مدّعين في المغرب انحلّ أمرهم بموتهم أو قتلهم [6].
الطبقة الثانية الدراسات الاستشراقية الحديثة، وأبرز من يحاوره فيها ويلفريد ماديلونق الذي ينقل عنه تفسيره السياسي لنشأة أحاديث المهدي [2]، وهو صاحب مادة «المهدي» في دائرة المعارف الإسلامية [7].
الطبقة الثالثة أدبيات المتصوّفة والعلماء في السودان وإفريقيا، ومنها مؤلّفا الشيخ إسماعيل الولي مؤسّس الطريقة الإسماعيلية اللذان وقف عليهما وعرض محتوياتهما، ومؤلّف الشيخ إبراهيم الكبّاشي الذي استعصى عليه الوصول إليه [2]، وأدبيات الشيخ عثمان دان فوديو وجماعته التي أفرد لها مساحة واسعة.
الطبقة الرابعة، وهي عموده الفقري، وثائق المهدية نفسها، منشورات المهدي ورسائله وإنذاراته، وما وصل من ردود خصومه، وهي المادة التي أمضى عمره يجمعها في الدار ويحقّقها وينشرها. وقد سبق له أن وضع جانباً كبيراً منها في كتابه «الحركة الفكرية في المهدية» [8]، فجاء «الخصومة» تتويجاً لذلك الجهد لا تكراراً له.
ما يميّز أبا سليم عن المؤرّخين
كُتب تاريخ المهدية، في أجياله الأولى، بأقلام ثلاث فرق، فرقة الأسرى الذين خرجوا من أم درمان وفي جيوبهم مذكّرات مثل سلاطين وأُروالدر، وفرقة الاستخبارات التي صنعت من أولئك الأسرى كتّاباً مثل ونجت ونعوم شقير، وفرقة المؤرّخين الأكاديميين الذين أنصفوا المهدية نسبياً وفي مقدّمتهم بيتر هولت الذي بنى دراسته للدولة المهدية على وثائقها المحفوظة [9]. وأبو سليم يتميّز عن هؤلاء جميعاً بخمس خصال.
أولها أنّه صانع الأرشيف قبل أن يكون قارئه. فالمؤرّخ العادي يدخل دار الوثائق زائراً يطلب الملفّات، أمّا أبو سليم فقد بنى الدار نفسها، وصنّف ملفّاتها، وعرف ما فيها وما سقط منها. ولذلك يكتب عن الأدبيات المفقودة بالدقّة التي يكتب بها عن الموجودة، وهذا ما لا يتاح إلّا لأمين المكتبة.
ثانيها أنّه أعاد للمهدية حقّها في أن تُحاكَم إلى كلامها هي، لا إلى كلام من سجنته أو غزاها، وهي الفكرة التي تجري في سلسلة المحرّرات كلّها [1]. ولذلك وُصف بأنّه شيخ محقّقي وثائق المهدية بلا منازع وصاحب الكلمة الأخيرة في كتابه هذا [10].
ثالثها أنّه وسّع الإطار من السودان إلى العالم الإسلامي، فلم يعامل المهدي بوصفه ظاهرة محلية نبتت فجأة في جزيرة على النيل الأبيض، بل، بوصفه حلقة في سلسلة طويلة تبدأ في مكة زمن ابن الزبير وتمرّ بالكوفة والقيروان في منتصف تونس وسوكوتو في شمال نيجريا.
رابعها أنّه جمع بين أدوات المؤرّخ وأدوات الفقيه والمتصوّف، فهو يقرأ الإسناد، ويفهم مصطلح «الحضرة النبوية» و«ختم الولاية»، ويعرف حساب الجُمَّل (حساب القيم العددية للحروف)، وهي أدوات لا يملكها المؤرّخ الوضعي الذي يعدّ الرؤى المنامية ضرباً من الهذيان ثم يعجز عن فهم لماذا صدّقها عشرات الآلاف وماتوا في سبيلها.
خامسها أنّه اقتحم التاريخ الاقتصادي والفكري في وقت كان فيه أقرانه منشغلين بالتاريخ السياسي والعسكري، فكتب عن الأرض وملكيتها في الفونج ودارفور والمهدية، وعن الساقية والنخيل [5]. وهذه الخلفية حاضرة في «الخصومة»، لأنّ خصومات العقيدة في السودان كثيراً ما كانت خصومات أرض وجاه متنكّرة في ثياب الفقه.
الكتاب الأوّل، رحلة الفكرة من مكة إلى قدير
يفتتح أبو سليم رحلته بسؤال النشأة، ويميل مع المستشرق ماديلونق إلى أنّ فكرة المهدي وُلدت سياسيةً قبل أن تصير عقيدة. فثورة عبد الله بن الزبير، الذي رفض بيعة يزيد بعد وفاة معاوية ثم دعا لنفسه بالخلافة بعد وفاة يزيد، من غير أن يسمّي نفسه مهدياً، هي في هذا التفسير مبنى الحديث المنسوب إلى السيدة أم سلمة، فمبايعة الرجل الكاره (لا يريد الأمر لنفسه) بين الركن والمقام صدىً لبيعة ابن الزبير في مكة، والجيش الذي يُخسف به في البيداء بين مكة والمدينة صدىً للهجوم الأموي المتوقّع من الشام [2]. وبعبارة أخرى، كان الحديث في أصله بياناً سياسياً بلغة النبوءة، ثم استقلّ عن ظرفه فصار نبوءة بلا بيان. ونص الحديث كما في سنن أبي داود، كتاب المهدي، من رواية قتادة عن صالح أبي الخليل عن صاحبٍ له عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي ﷺ:
“يكون اختلافٌ عند موت خليفة، فيخرج رجلٌ من أهل المدينة هارباً إلى مكة، فيأتيه ناسٌ من أهل مكة فيُخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، ويُبعث إليه بعثٌ من الشام فيُخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق فيبايعونه، ثم ينشأ رجلٌ من قريش أخواله كَلْب، فيبعث إليهم بعثاً فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال ويعمل في الناس بسنّة نبيهم ﷺ، ويُلقي الإسلام بجِرانه إلى الأرض، فيلبث سبع سنين ثم يُتوفّى ويصلّي عليه المسلمون». وفي رواية: تسع سنين.
ومن وضَعَ الحديث إلى جوار سيرة ابن الزبير وجد التطابق يسير معها خطوة بخطوة، فموت الخليفة الذي يعقبه الاختلاف هو موت معاوية سنة 60هـ/680م، والرجل الخارج من المدينة هارباً إلى مكة هو ابن الزبير نفسه وقد لاذ بالحرم متسمّياً بالعائذ بالبيت، والبيعة بين الركن والمقام هي بيعته هناك، والجيش الآتي من الشام هو الحملات الأموية التي تتابعت على الحجاز، أما الخسف فهو ما كان أنصارالزبير يرجونه من السماء بعد أن عزّ عليهم أن ينالوه بالسيوف. والدقيقة الجديرة بالانتباه أن الحديث، في هذا التفسير، لم يُنسج بعد انقضاء الأحداث ليشرحها، بل، في أثنائها ليطمئن الأنصار إلى أن النصر مكتوب قبل أن يُكتب، فكان النص يعمل لحساب صاحبه دون أن يحمل اسمه. فلما طُويت صفحة الثورة بمقتل ابن الزبير سنة 73هـ/692م، بقي النص يتيماً بلا صاحب، فتلقّفته الأجيال نبوءة معلّقة عن آخر الزمان، وثوباً جاهزاً على مقاس كل من وجد في نفسه الجرأة على ارتدائه. ثم يأتي المختار الثقفي، المعروف في هذا السياق بالكيساني، فيربط المهدي بشخص من بيت معيّن حين يعلن في الكوفة مهدية محمد بن الحنفية، ابن علي بن أبي طالب من غير فاطمة الزهراء، ومن هنا نشأت الفرقة الكيسانية [2]. ثم تطوّرت دعوة الشيعة إلى حصر الإمامة في أبناء علي من فاطمة، فغلب الجانب الفاطمي تأكيداً للحقّ بالنسب إلى الرسول، ونتج عن ذلك تسلسل الأئمة [2]. وهكذا انتقل المهدي في أقلّ من قرن من فكرة «الرجل الصالح الذي يُبايَع» إلى فكرة «الرجل الصالح الذي يولد في أسرة بعينها»، أي من الانتخاب إلى الوراثة، وهي رحلة تعرفها كلّ الأفكار السياسية حين تكبر هذه الفكرة.
ثم يعقد أبو سليم فصلاً عن المهدي عند الطوائف الإسلامية، ويبيّن فيه أنّ كل مذهب نظر إلى المهدي من زاوية عقيدته، فاختلفت مواقف المذاهب من المهدي باختلاف عقائدها [2]. ثم يعرض القضايا التي نبتت حول فكرة المهدي كما تنبت الطحالب حول صخرة في النهر. وأوّل هذه القضايا السفياني، وهو رجل من نسل أبي سفيان تزعُم الروايات أنه يخرج آخر الزمان. وقد بدأت أخبار السفياني تعبيراً عن سخط أسرة معاوية بن أبي سفيان حين انتقلت الخلافة منها إلى أسرة مروان بن الحكم سنة 684م (64هـ)، ثم صار السفياني في الروايات اللاحقة العدوَّ الأبدي للمهدي. ومن هذه القضايا أيضاً نزول عيسى بن مريم آخر الزمان وصلته بالمهدي، وخروج الدجال، وختم الولاية، والعصمة، أي تنزيه الإمام عن الخطأ، والغيبة، أي اختفاء الإمام عن الناس ثم ظهوره بعد زمن، والولاية المطلقة [2]. ويلاحظ القارئ أنّ السفياني في عرض أبي سليم شخصية وُلدت من نزاع داخل الأسرة الأموية، ثم رُقّيت إلى عدوٍّ كوني، وهذا بعينه ما يحدث للخلافات العائلية في السودان حين تطول. فقد يبدأ الخلاف بين أخوين على حدّ حوّاشة أو نصيب في ساقية، ثم يرث الأبناء الخصومة قبل أن يرثوا الأرض، فإذا جاء الأحفاد نسوا الحوّاشة والساقية، وبقي «ناس فلان» عندهم خصماً يُنسب إليه كل بلاء، من كساد المحصول إلى تعثّر خطبة البنات. فالخلاف الذي بدأ على شبر من الأرض ينتهي عداوةً لا يعرف أصحابها أوّلها، كما صار السفياني عدوّاً للمهدي بعد أن نسي الرواة أنّ السفياني بدأ خصماً لبني مروان.
ويخصّص أبو سليم مساحة لهوس التوقيت، ويروي أنّ بعض المتكلّمين من الشيعة والصوفية جعلوا ألفاظاً من القرآن وغيره مفاتيح لزمن ظهور المهدي ومكانه بحساب الجُمَّل، ومن ذلك أنّ ابن عربي حدّد خروجه بلفظ «خفج»، أي سنة 683 للهجرة بحساب الجُمَّل (نحو 1284م)، فلمّا مضى الموعد ولم يظهر أحد أُوِّل الكلام على أنّ المراد مولده لا خروجه [2]. وهنا يعلّق المؤلّف بظُرف خفيّ على العمر الذي افترضه ذلك التأويل لخروج المهدي، ملاحظاً أنّه لو أراد رمزية معتبرة لاختار سنّ الأربعين، سنّ النبوّة [2]. وهذه، في رأينا، أوّل نكتة موثّقة في تاريخ «تأجيل المواعيد» الذي صار فيما بعد رياضة وطنية في أكثر من بلد.
ويعرض المؤلّف رأي من ذهب إلى أنّ عودة المسيح بالعدل هي الأصل في نشأة فكرة المهدية، وأنّ المتكلّمين من المسلمين تفادوا لفظ المسيح حرجاً من ظلاله المسيحية فاستقرّوا على لفظ المهدي المنتظر [2]. ويعرضه أبو سليم عرض الأمين لا عرض المتبنّي كعادته.
ثم ينتقل إلى السودان، فيذكر اثنين من رجال التصوّف ألّفا في موضوع المهدي، الشيخ إسماعيل الولي والشيخ إبراهيم الكبّاشي، ويأسف لأنّ مؤلّف الكبّاشي استعصى عليه فسقط ذكره من كتاب يؤرّخ للمهدية في السودان [2]. وفي هذا الأسف شهادة على أنّ فكرة المهدي كانت تُتداول في حلقات الذكر السودانية قبل أن يعلنها محمد أحمد بعقود، وأنّ الرجل لم يزرع في أرض بكر، بل، في أرض محروثة ومسقية.
ويقف أبو سليم وقفة طويلة عند مهدية الشيخ عثمان دان فوديو وجماعته، ويعلّل ذلك بأنّ ما كتبوه إسهام مهمّ من مسلمي إفريقيا في موضوع إسلامي شغل الناس، وبأنّ دولتهم وطّدت الإسلام في شمال نيجيريا وصار تراثهم سدّاً منيعاً أمام التبشير [2]. وقد ذكرنا في مقالات سابقة تأثر عبد الله التعايشي بفكرة دان فوديو قبل لقائه لمحمد أحمد. ويخلص ابوسليم إلى ملاحظة دقيقة، هي أنّ دان فوديو اعتمد في أوّل أمره على توقيتات الشعراني والسيوطي لمجيء المهدي وأشراط الساعة، ثم أبطل ذلك التوقيت بناءً على تجربته الخاصة، أمّا مهدي السودان فاستنكر التوقيت وسائر الشروط والعلامات لا لفوات الميعاد، بل، لأنّها في نظره تقييد لإرادة الله، واستند في ذلك إلى عبارتين لابن عربي وابن إدريس [2].
وهذه الملاحظة هي حجر الزاوية في الكتاب كلّه، لأنّ المهدي بإسقاطه العلامات نقل الحجّة من ساحة يمكن الاحتكام فيها إلى النصوص إلى ساحة لا يدخلها إلّا صاحبها، ساحة التلقّي المباشر من الحضرة النبوية. ومن هنا وُلدت الخصومة ولن تموت.
ويختم الكتاب الأوّل بعرض مهدية المهدي كما طرحها ربها، ثم بانتقال القيادة إلى الخليفة عبد الله [2]، وهو انتقال يعامله المؤلّف بوصفه جزءاً من تاريخ الفكرة لا من تاريخ الدولة وحدها.
الكتاب الثاني، تشريح الخصومة
يبدأ أبو سليم الكتاب الثاني بتصنيف الأدبيات، فمنها ما كُتب للطعن في مهدية المهدي، ومنها ما كُتب للدفاع عنها [2]، ثم يصنّف الخصوم بحسب حججهم لا بحسب قبائلهم أو طرقهم، وهذا وحده كسبٌ منهجي.
فمن الخصوم من سلّم بأنّ فكرة المهدية ثابتة في الدين، ولكنّه أنكر أن يكون محمد أحمد أهلاً لها لأنّ العلامات لا تنطبق عليه [2]. وهذا خصم يقبل البيت ويرفض الساكن، وحجّته كلّها قائمة على العلامات التي أسقطها المهدي أصلاً، فالحوار بين الطرفين حوار بين رجل يحتكم إلى المسطرة ورجل يقول إنّ المسطرة نفسها بدعة.
ومن أقوال المهدي التي أنكرها المعارضون رؤيته الرسول ولقاؤه به، وهنا يتدخّل أبو سليم ليقرّر أنّ الرجل لم يكن مبتدع هذه الرؤية، فقد قال بها علماء وأولياء قبله [2]. وهذا الدفاع في غاية الذكاء، لأنّه يضع الخصوم الصوفيين في حرج، إذ كيف ينكرون على المهدي ما يقرّونه لشيوخهم؟ وهو الحرج نفسه الذي تكشفه مقارنة المؤلّف بمبشّرات الختم الميرغنية.
أمّا من هم الخصوم بالأسماء، فالمصادر السودانية والمصرية تحفظ قائمة معروفة، فيها الشيخ محمد الزاكي، ومحمد الأمين يوسف الهندي، وشاكر الغزّي مفتي مجلس الاستئناف الذي وضع رسالة في الردّ على الدعوة، ومحمد نور أحمد من أعيان بارا، والسيد أحمد الأزهري بن الشيخ إسماعيل الولي، والشيخ محمد شريف نور الدائم أستاذ المهدي في الطريقة السمانية، إلى جانب فتوى من علماء الأزهر ومنشور من السلطان عبد الحميد الثاني [6]. ويلفت النظر في هذه القائمة أنّ ابن مؤلّف رسالتين في في دعوة المهدي وشخصه، أي أحمد الأزهري بن إسماعيل الولي، كان من أشدّ المنكرين، فالأب ألّف في الفكرة والنظرية مؤيداً، والابن ردّ على من طبّقها منكراً، وهذه هي الخصومة في أوضح صورها، لا بين قبيلتين، بل، بين كتابين في مكتبة واحدة.
ثم يأتي أهمّ ما في الكتاب الثاني، في رأينا، وهو فصل الأدبيات الضائعة. فقد ضاع ما ردّ به علماء السودان والفقراء على المهدي حين كتب إليهم بمهديته، مؤيّدين كانوا أو معارضين، لأنّها أُحرقت في أبا بأمر محمد سعيد باشا الذي جاء إلى الجزيرة بعد خروج المهدي منها إلى قدير [2]. وضاع كذلك بعض ما كتبه العلماء المعارضون فيما بعد، وذهبت مقولات كثيرة إلى التراب مع صدور أصحابها [2]. ثم يعترف المؤلّف بأنّه لم يصل إلى منشور السلطان عبد الحميد ولا إلى منشور مجلس الوزراء المصري في رفض المهدية، ويذكر أنّ فتوى معارضة نُسبت إلى علماء المغرب، ويرجِّح أنّ من روى خبرها كان متوهّماً [2].
وهنا يبلغ الكتاب ذروة سخريته غير المقصودة. فالحكومة التركية كانت تحارب المهدي بفتاوى العلماء، ثم أحرق محمد سعيد باشا في أبا ردود العلماء على المهدي، وفي هذه الردود كلام المعارضين الذين كانوا أقدر الناس على نصرة الحكومة بالحجّة. فأضاعت الحكومة بيدها حجج أنصارها، وأضاعت معها شهادات أنصار المهدي الأوائل. وكأنّ الباشا أراد أن يطفئ الثورة فأطفأ الحجّة.
ويعرض أبو سليم بعد ذلك تولّي الخليفة عبد الله قيادة المهدية [2]، ويعالج الخصومة في عهده بوصفها امتداداً للخصومة الأولى، مع فارق جوهري، هو أنّ الخصوم في زمن المهدي كانوا يسألون عن صدق الدعوة، وفي زمن الخليفة صاروا يسألون عن صدق الدولة. وقد عرضنا في مقالات سابقة كيف تحوّل هذا السؤال في عهد الخليفة إلى حروب داخلية مع القبائل والأشراف، فلا حاجة إلى إعادته هنا.
موقف أبي سليم، تأييدٌ بعينٍ مفتوحة
هل كان أبو سليم مؤيّداً للمهدية أم ناقداً لها؟ الجواب الأمين أنّه مؤيّد متعاطف، ولكنّه تأييد المؤرّخ لا تأييد المريد.
فأمّا التأييد فشواهده كثيرة. أوّلها الإهداء الذي وصف فيه المهدي بأنّه زارع أعظم ثورات المهدية في السودان [2]. وثانيها أنّه يعرض المهدية من داخلها كما طرحها صاحبها. وثالثها أنّه يتصدّى لبعض حجج الخصوم بدفاع صريح، كما فعل في مسألة الرؤية. ورابعها أنّه في كتاب سابق ردّ بسخرية رأي محمد أحمد الحاج القائل بأنّ مهدية السودان مستقاة من حركة دان فوديو عن طريق الخليفة عبد الله، ووصفه بأنّه زعم لا يسنده دليل [5]، كما شكّك في رواية الشيخ محمد شريف بأنّ المهدي كاشفه بمهديته مبكّراً سنة 1878م، على أساس أنّ قوله صدر في معرض الهجوم على المهدي، وأنّ الفكرة لم تكن قد وُجدت في ذهنه آنذاك [5][8]. وخامسها أنّ الأنصار كرّموه تكريماً خاصاً على إنجازه في الدراسات المهدية [5].
وأمّا العين المفتوحة فشواهدها أيضاً حاضرة. فالإهداء نفسه لم يقف عند المهدي، بل، امتدّ إلى الشهداء من الجانبين، أي إلى من ماتوا وهم يقاتلون المهدي أيضاً، معترفاً بأنّ كلّ فريق استشهد في سبيل ما يعتقد [2]. وهذا اعتراف لا يجرؤ عليه مؤرّخ حزبي، لأنّه يسلّم للخصم بصدق النيّة وإن خطّأه في الرأي. ثم إنّه جعل عرض الخصوم وتقويمهم قائماً على النظر الموضوعي، وجمع أدبياتهم بعناية لا يبذلها المرء عادةً في جمع حجج خصومه، واعترف بما ضاع منها بدل أن يستغلّ غيابها.
غير أنّ النقد الأمين يقتضي أن نقول إنّ ميزان أبي سليم لم يكن دائماً معتدلاً. فقد لاحظ خالد محمد فرح أنّه استبعد رواية محمد شريف دون أن يقدّم بيّنة أو دليلاً خطّياً أو عقلياً مقنعاً، مع أنّ الرجل خبير بخطب المهدي ورسائله أكثر من غيره، وأنّ محمد شريف لم يكتفِ بالقول شفاهةً، بل، ضمّنه قصيدته الرائية المعروفة [5]. وهذا يعني أنّ أبا سليم كان أحياناً يطالب الخصوم بالبيّنة ويعفي نفسه منها حين يدافع عن المهدي. وهي هنة إنسانية يقع فيها كلّ من أحبّ موضوعه، والمؤرّخ الذي لا يحبّ موضوعه لا يكتب عنه قرابة ستمائة صفحة.
والخلاصة أنّ أبا سليم كان في «الخصومة» قاضياً يعرف أحد الطرفين معرفة شخصية، فهو لا يظلم الخصم، ولكنّه لا يخفي على القارئ أين يجلس قلبه.
حقائق واستنتاجات لم نتعرّض لها من قبل
الأولى، أنّ فكرة المهدي وُلدت سياسيةً. فإذا صحّ تفسير ماديلونق الذي يتبنّاه أبو سليم، فإنّ أشهر أحاديث المهدي نشأ صدىً لصراع ابن الزبير مع بني أمية [2][7]، أي أنّ المهدية كانت منذ ساعتها الأولى برنامج معارضة مسلّحة في ثوب نبوءة. ومن هنا لا يكون المهدي السوداني قد «سيّس» فكرة دينية، بل، أعادها إلى أصلها السياسي الأوّل.
الثانية، أنّ الخصومة كانت مغلقة معرفياً منذ البداية. فحين قرّر المهدي أنّ العلامات والتوقيت تقييد لإرادة الله [2]، صار كلّ حوار معه مستحيلاً منهجياً، لأنّ الخصم يحتجّ بالنصّ والمهدي يحتجّ بالكشف. ولذلك لم تُحسم الخصومة بالمناظرة قطّ، بل، حُسمت بالسيف في شيكان والخرطوم، ثم أُعيد فتحها بالسيف في كرري.
الثالثة، مفارقة الختمية. فإذا كان المستند الذي اعتمده الميرغني في فكرة الختم هو التلقّي من الرسول، وهو المستند نفسه الذي اعتمده المهدي [2]، فإنّ خصومة الختمية للمهدية لم تكن في حقيقتها خصومة في «المبدأ»، بل، في «الصاحب». أي أنّ الطرفين اتّفقا على أنّ باب التلقّي مفتوح واختلفا فيمن دخل منه.
الرابعة، أنّ أرشيف الخصومة غير متكافئ. فقد أُحرقت ردود العلماء في أبا، ولم يُعثر على منشوري السلطان ومجلس الوزراء المصري [2]، بينما حُفظت منشورات المهدي ورسائله بعناية. والنتيجة أنّ تاريخ الخصومة يُكتب اليوم في معظمه من جانب واحد، وهو أمر اعترف به أبو سليم نفسه، وينبغي أن يظلّ حاضراً في ذهن كلّ من يحكم على الخصوم بأنّهم كانوا أضعف حجّة. فربما كانوا أضعف حفظاً لا أضعف حجّة.
الخامسة، أنّ فتوى علماء المغرب في رفض المهدية، وهي فتوى يكثر ذكرها في الكتابات عن المهدية، قد لا تكون صدرت أصلاً. فأبو سليم، وهو أعرف الناس بوثائق المهدية، يرجّح أنّ الراوي الذي نقل خبر هذه الفتوى قد توهّم صدورها، أي أنّ هذا الراوي ظنّ أنّ علماء المغرب أفتوا في المهدية وهم لم يفتوا [2]. ومعنى ذلك أنّ الكاتب الذي يستشهد اليوم بهذه الفتوى دليلاً على رفض علماء المسلمين خارج السودان للمهدية يستند إلى خبر لم يثبت، فعليه أن يترك الاستشهاد بها، أو أن يأتي بنصّها ومصدرها. فالفتوى التي لا نصّ لها ليست وثيقة، بل، إشاعة لبست عمامة.
السادسة، أنّ المهدي ودان فوديو شربا من نبع واحد. فقد لاحظ خالد محمد فرح أنّ الرجلين اتّصلا بسندين علميين إلى الشريف محمد مرتضى الزبيدي، فدان فوديو تتلمذ على جبريل بن عمر الذي درس على الزبيدي، والمهدي درس على الأمين الصويلح حفيد أحمد بن عيسى الأنصاري الذي أخذ عن الزبيدي في القاهرة [5]. وهذا يحلّ الخلاف بين أبي سليم ومحمد أحمد الحاج حلّاً وسطاً، فلا المهدي أخذ عن دان فوديو، ولا الفكرتان منفصلتان، بل، هما فرعان من شجرة واحدة. ويضيف فرح أنّ الزبيدي نفسه كتب مرّة إلى أحمد باشا الجزّار يسرّ إليه أنّه يراه المهدي المنتظر [5]، وهي حكاية تشبه ما رُوي عن الخليفة عبد الله مع الزبير باشا، فيبدو أنّ ترشيح الناس للمهدية كان عادة قديمة عند طلّاب الإمام قبل أن يستقرّ الإمام على اسم.
السابعة، أنّ الخصومة لم تنتهِ بكرري. فقد استمرّ ظهور مُدّعيِ المهدية في السودان تحت الحكم الثنائي، ومنهم محمد الأمين الذي ظهر في جبال تقلي، وقُبض عليه في السابع والعشرين من سبتمبر 1903م وشُنق، وعكاشة أحمد الذي قُتل مع أحد عشر من أتباعه في جبل قدير بحسب تقرير عن السودان سنة 1912م [6]. واختيار جبل قدير بالذات، وهو الملاذ الذي احتمى به المهدي الأوّل، ليس مصادفة، فالرموز الجغرافية في السودان تعمل عمل الأحاديث.
الثامنة، أنّ الكتاب نفسه يطرح سؤالاً تحريرياً لم يُجب عنه أحد. فقد صدر الكتاب بعد وفاة صاحبه عن مركز يحمل اسمه، وصُدّر بتقديم يمدح ثمرة عمر ابوسليم [2]. ولا نعلم على وجه اليقين حجم ما أنجزه المؤلّف بنفسه من التحرير النهائي وما أكمله غيره، وهذا سؤال مشروع في كلّ كتاب يصدر بعد رحيل كاتبه، ويستحقّ دراسة مقارنة بين مسوّدات المؤلّف، إن حُفظت، والنصّ المطبوع.
التاسعة، أنّ المهدية ليست ظاهرة سودانية شاذّة كما صوّرها أدب الأَسرى، بل، واحدة من سلسلة طويلة عرفها المغرب قبل السودان بقرون، وقد أحصى ابن خلدون نفسه مدّعين من سليم ورياح وغمارة والسوس انحلّ أمرهم بموتهم لأنّهم لم يملكوا عصبية تسندهم [6]. والفرق الجوهري أنّ مهدي السودان وجد العصبية التي افتقدها أسلافه المغاربة، فجمع القبائل المظلومة تحت راية واحدة، وهذا ما لم يكن ابن خلدون يتوقّعه لمهدي يأتي بعده.
العاشرة، أنّ تاريخ المهدية الطويل، من الكوفة إلى قدير، لم يعرف امرأةً واحدة ادّعت أنها المهدي المنتظر، مع أنّ التاريخ الإسلامي عرف متصوّفات بلغن في الوَلاية مبلغاً عظيماً، منهن رابعة العدوية في البصرة، والسيدة نفيسة بنت الحسن في مصر، وفاطمة بنت المثنى القرطبية التي تتلمذ عليها ابن عربي في إشبيلية، وفي السودان فاطمة بنت جابر أخت أولاد جابر وأم الشيخ صغيرون. بل، إنّ امرأةً هي سجاح التميمية ادّعت النبوّة نفسها في حروب الردّة سنة 632م (11هـ)، ولم تدّعِ امرأة بعدها المهدية. وسبب ذلك أنّ النصّ أغلق هذا الباب قبل أن تطرقه أي امرأة، فالحديث يصف المهدي بأنه «رجل منّي أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي». ولا يكتفي الحديث بأن يجعل المهدي رجلاً، بل، يحدّد اسمه أيضاً. فمعنى «يواطئ» يوافق ويطابق، أي أنّ المهدي رجل اسمه محمد كاسم النبي ﷺ، واسم أبيه عبد الله كاسم أبي النبي، فهو محمد بن عبد الله. وبهذا الشرط وحده يخرج مهديّ الشيعة الإمامية، محمد بن الحسن العسكري، لأنّ اسم أبيه لا يوافق اسم أبي النبي. أما مهدي السودان فاسمه عند مولده في جزيرة لبب قرب دنقلا سنة 1844م محمد أحمد بن عبد الله بن فحل، و«محمد أحمد» اسم مركّب شائع في السودان، فهو اسم واحد وليس «محمد بن أحمد». فوافق اسمُ أبيه النصَّ موافقةً تامّة، ووافق اسمُه هو النصَّ في أوّله. ولعلّ المتشدّد في حرفية النصّ يرى أنّ «محمد أحمد» ليس «محمداً» خالصاً، ولكنّ السودانيين الذين اعتادوا الأسماء المركّبة ما كانوا ليروا في هذه الزيادة ما يقدح في صاحبها. والمهدي في هذا الاعتقاد إمامٌ يُبايَع ويقود الجيوش ويؤمّ الناس في الصلاة، والفقهاء اشترطوا الذكورة في الإمامة العظمى، وهي التي يسمّونها أيضاً الوِلاية العظمى. أي أنّ المرأة المتصوّفة قد تبلغ الوَلاية، بفتح الواو، وهي القرب من الله، ولكنّ المهدية ليست وَلايةً فحسب، بل، وِلاية بكسر الواو، أي سلطان وحكم. ويعرّفها الماوردي في “الأحكام السلطانية” بانها خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وصاحبها هو الخليفة أو أمير المؤمنين، وسُميت بالعظمى تمييزاً لها عن “الإمامة الصغرى” وهي إمامة الناس في الصلاة. ولها عند الفقهاء شروط لا تستوفيها المرأة. أما الوَلاية فتُنال بالمجاهدة والتقرب من الله، بغض النظر عن جنس من يطلبها. ويختلف المذهبان الكبيران في العلاقة بين المفهومين. فأهل السنّة يفصلون بينهما، فالوَلاية عندهم مقام روحي لا يمنح صاحبه حقّاً في الحكم، والإمامة العظمى مسألة من مسائل الفقه تنعقد بالبيعة أو الاستخلاف، وصاحبها غير معصوم. أما الشيعة الإمامية فيجمعون بين المفهومين في شخص الإمام، فالإمامة عندهم أصل من أصول الدين، والإمام يُعيَّن بالنصّ الإلهي وهو معصوم، ووَلاية الإمام، أي محبّته وموالاته، ركن من أركان الإيمان. والطريف أنّ مهدي السودان، وهو سنّي المذهب صوفي المشرب، جمع بين المفهومين كما يجمع بينهما الشيعة، فادّعى الوَلاية بالتلقّي عن النبي ﷺ في الحضرة، ثم أقام على هذه الوَلاية وِلايةً عظمى بايعه عليها الناس. ولعلّ هذا الجمع بعض ما جعل خصومه من علماء السنّة يرون في دعوته خروجاً على الفصل الذي استقرّ عليه مذهبهم. والمفارقة أنّ المهدي يُسمّى «الفاطمي» نسبةً إلى امرأة، فالمرأة في هذه العقيدة تُورِّث المهدي نسبه، ولكنها لا تستطيع أن تكون هي المهدي.
كتابٌ يَحكُم ولا يُحاكِم
ترك محمد إبراهيم أبو سليم في «الخصومة في مهدية السودان» وصيّة المؤرّخ الأخيرة، وهي أنّ الحقيقة في تاريخنا لا تسكن في معسكر واحد. فالمهدي عنده صادق في دعوته مخلص في ثورته، وخصومه صادقون في إنكارهم مخلصون في دفاعهم عمّا اعتقدوه، والفريقان استشهدا في سبيل ما يعتقدان. وهذا موقف لا يرضي الأنصار المتحمّسين تماماً ولا يرضي خصوم المهدية المتحمّسين تماماً، وهو لذلك موقف المؤرّخ بامتياز.
وإذا كان لنا أن نأخذ عليه شيئاً، فهو أنّه أحبّ موضوعه أكثر ممّا تسمح به مسطرة المنهج أحياناً، فطالب الخصوم بالبيّنة وأعفى نفسه منها في مواضع. ولكنّه عوّض ذلك بأمانة نادرة في الاعتراف بما ضاع من حجج الخصوم، فكأنّه قال للقارئ، لقد سمعت طرفاً كاملاً وطرفاً ناقصاً، فاحكم وأنت تعرف ذلك.
وفي زمن صار فيه السوداني يرى خصمه كافراً أو خائناً، يبدو إهداء أبي سليم إلى الشهداء من الجانبين درساً في الأخلاق قبل أن يكون درساً في التاريخ.
المراجع
[1] الرشيد خليفة، «محرَّرات الخليفة عبد الله»، سودانايل، سبتمبر 2026م.
https://sudanile.com/محرَّرات-الخليفة-عبد-الله/
[2] محمد إبراهيم أبو سليم، الخصومة في مهدية السودان، كتاب في تاريخ فكرة المهدية إسلامياً وسودانياً، مركز أبو سليم للدراسات، الخرطوم، 2004م، 566 صفحة. نسخة مصوّرة في أرشيف الإنترنت.
https://archive.org/details/20230530_20230530_1708
[3] «محمد إبراهيم أبو سليم»، ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.
https://ar.wikipedia.org/wiki/محمد_إبراهيم_أبو_سليم
[4] أحمد إبراهيم أبو شوك، محمد إبراهيم أبو سليم محققاً ومؤرخاً، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، أم درمان، 1999م.
[5] خالد محمد فرح، «نظرات ومراجعات في جانب من تراث العلّامة أبو سليم»، سودانايل، 1 مارس 2022م، ومنشور أيضاً في مجلة القلزم للدراسات التوثيقية، العدد الثاني، فبراير 2022م، ص 21–42.
https://sudanile.com/نظرات-ومراجعات-في-جانبٍ-من-تراث-العلاّ/
[6] عبد الله حسين، السودان من التاريخ القديم إلى رحلة البعثة المصرية، الجزء الأول، الفصل الخامس والعشرون «مسألة المهدي المنتظر»، القاهرة، 1935م، وإعادة نشر مؤسسة هنداوي، 2013م.
https://www.hindawi.org/books/35837080/25/
[7] W. Madelung, “al-Mahdī”, The Encyclopaedia of Islam, New Edition, vol. V, E. J. Brill, Leiden, 1986.
[8] محمد إبراهيم أبو سليم، الحركة الفكرية في المهدية، الطبعة الثالثة، دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم، 1989م.
[9] P. M. Holt, The Mahdist State in the Sudan, 1881–1898, Clarendon Press, Oxford, 1958.
[10] الرشيد خليفة، «سعادة المستهدي، أوّل سِفر في المهدية كتبه واحد من أهلها»، سودانايل، سبتمبر 2026م.
https://sudanile.com/سعادةُ-المُستهدي،-أوّلُ-سِفْرٍ-في-ا/

rkhalifa747@gmail.com

Author
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

بيانات
جهاز الأمن يُكثِّف هجمته على حرية التعبير والصحافة
بيانات
أمانة المكاتب الخارجية بحركة تحرير السودان: اعلان تظاهرة ضد الابادة والقهر بالسودان
كرندنق التاريخ الخالد في سجل افريقيا .. بقلم: د. محمد احمد ادم علي
منشورات غير مصنفة
بثينة خليفة جاتكم دايرين تطفشوها؟!! .. بقلم: كمال الهِدي
بيانات
ندوة كبرى لحركة العدل والمساواة بنيويورك بعنوان الوضع السياسي الراهن

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

عيد الترابط الأسري والتكافل المجتمعي .. بقلم: نورالدين مدني

نور الدين مدني
منبر الرأي

من الله خَلَقْنَا وشُفْنَا خِلَقْنَا (2) !! .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض

طارق الجزولي
منبر الرأي

الحجز الالكتروني للجواز الجديد بسفارتنا بالرياض .. بقلم: . احمد محمد عثمان ادريس

د . أحمد محمد عثمان إدريس
منبر الرأي

الكابلي: وعضّت على العُناب بالبرَّد .. بقلم: عبدالله الشقليني

عبد الله الشقليني
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss